اعترف المجتمع الدولي منذ زمن طويل بان الممارسات التجارية التقييدية التي تلجأ اليها المنشآت يمكن ان تعطل او تلغي المنافع التي تنشأ من تحرير التجارة العالمية من الحواجز الجمركية وغير الجمركية التي تعوقها، ولكن لم يكن في الفترة الماضية، مراعاة كاملة على المستوى المتعدد الاطراف لسياسة المنافسة بمعناها العام الذي شمل كلا من الممارسات التجارية التقييدية من جانب المنشآت والتدابير الحكومية التي تحد من المنافسة والعلاقات القائمة بينهما. كانت المسألة موضع دراسة في الجات وقد أقرت الاطراف المتعاقدة بأن الممارسات التجارية التقييدية يمكن ان تعوق توسع التجارة العالمية والتنمية الاقتصادية في مختلف البلدان وبالتالي تعطل منافع تخفيض الرسوم الجمركية وازالة الحواجز الكمية. وقد جرت محاولات سابقة لادخال موضوع الممارسات التجارية التقييدية في جولات التفاوض السابقة ولكن لم يتحقق توافق الآراء على ادراجه في ذلك الوقت. ولم تتناول اتفاقات جولة الاوروجواي مسألة المنافسة الا بطريقة متفرقة، وهناك اعتراف في بعض المواضع بالصلة القائمة مع بعض قضايا المنافسة وهناك ايضا اهمال لقضايا اخرى من قضايا المنافسة مع معالجة البعض منها بطريقة جزئية او عدم التعرض لها على الاطلاق. ان الهدف من طرح هذا الموضوع هو ايجاد الآليات المناسبة لمعالجة مسألتي التدابير التجارية التقييدية التي تؤثر في المنافسة على المستوى العالمي ومسألة تشجيع الانظمة التجارية على رسم مفاهيم وفلسفة تنافسية تخفف من السياسة الحمائية او تشويه التجارة، وهذا سوف يضمن منافسة عادلة امام جميع الدول والشركات وخصوصا الدول النامية والشركات الموجودة فيها، لذلك سوف يكون هناك احتمال لوضع اتفاق متعدد الاطراف بشأن التجارة والمنافسة يحقق الصلات بين التجارة والمنافسة بطريقة عالمية ومتناسقة، حتى لا تختفي فوائد تحرير التجارة التي جاءت بها الاتفاقات بفعل الممارسات غير التنافسية من جانب الدول من خلال التدابير الحكومية او من جانب الشركات، والواقع انه يبدو ان هناك اتفاقا عاما في الرأي بين الدول على اجراء مفاوضات على اتفاق يعالج سياسة المنافسة المتصلة بالتجارة. ولكن مازال هذا الموضوع تحت الدراسة في منظمة التجارة العالمية، فما زالت مجموعة العمل التي شكلت لهذا الغرض مستمرة في عملها ولم تتوصل الى شيء حتى الآن حول هذا الموضوع، ولم يتم التوصل الى فهم موحد لما يجب ان يقوم عليه اي تعاون دولي في مجال سياسة المنافسة وما هو الدور المطلوب من الدول في هذا المجال. وعلاقة التجارة بالمنافسة هي من خلال القواعد والممارسات المقيدة وسوء استخدام قوة السوق والتي يمكن ان يتم تضمينها في الاتفاقية الدولية التي يمكن استخدامها من قبل السلطات للحد من الممارسات المضادة للمنافسة، ولابد للدول النامية من مواجهة التفاوض المحتمل حول قواعد متعددة الاطراف بشأن المنافسة، فهناك اختلافات مهمة حول مفهوم «سياسة التنافس» تنعكس في الاختلاف الحالي حول هذه المسألة بين الدول المتقدمة، وفي ضوء البعد الشامل للممارسات المضادة للتنافس وقصور القوانين المحلية في معالجة هذه الممارسات ويمكن للدول النامية ان تستفيد من تنسيق دولي للقيام باجراءات ضد الممارسات المضادة للمنافسة في الدول المصدرة وبناء على القوانين الوطنية ومع ذلك فقد تبدو مسألة وضع قواعد دولية بشأن المنافسة سابقة لاوانها في هذه المرحلة. ثالثا: التجارة والاستثمار يجب التفرقة في البداية بين ما يجري حاليا لمراجعة عدد من الاتفاقيات في منظمة التجارة العالمية ومنها الاتفاق الخاص بتدابير التجارة المرتبطة بالاستثمار (TRIMS) والذي يتضمن عدم وضع قيود تجارية قد تعوق الاستثمار وهو ما يعتبر مخالفا لقواعد الجات نتيجة لما يسببه من تشوهات او اعاقة في التجارة، وبين القرار الذي اتخذ في مؤتمر سنغافورة الوزاري حول تشكيل مجموعة عمل تعنى بدراسة العلاقة بين التجارة والاستثمار ولم تسفر المناقشات في هذا الموضوع حتي اليوم إلا عن تشكيل فريق العمل المشار اليه. وتتم مراجعة اتفاق (ترمز) حسب ما نص عليه الاتفاق نفسه في المادة التاسعة من الاتفاقية بمراجعة تنفيذها في فترة لا تجاوز خمس سنوات من تاريخ نفاذ اتفاقية منظمة التجارة العالمية ولابد من النظر في امكانية تكملتها بأحكام خاصة بسياسة الاستثمار وسياسة المنافسة. ويقتصر نطاق هذا الاتفاق على بعض شروط الاداء المتعلقة بتجارة السلع ولا تمنع الاتفاقية اي دولة عضو من وضع شروط خاصة بالاستثمار الاجنبي فهي لا تتضمن اي التزام يتعلق بإقامة استثمار اجنبي في دولة عضو، ومن هنا تترك الاتفاقية لاعضاء منظمة التجارة العالمية حرية واسعة في وضع وتنفيذ سياساتها المتعلقة بالاستثمارات المحلية والاستثمارات الاجنبية المباشرة. لابد ان يستند التوجه لمراجعة اتفاقية (ترمز) واجراء مفاوضات جديدة على تقييم اثر القواعد الحالية ووصف خطط التفاوض الممكنة وتحديد المصالح الوطنية والاقليمية بالنسبة لسياسات الاستثمار، ولا شك في ان وصف سيناريوهات التفاوض الممكنة عملية صعبة، وقد قدمت عدد من المقترحات لتوسيع وتخفيض قائمة ترمز الممنوعة، وقد يؤدي التعديل الى تحسين نص الاتفاقية بالنسبة للدول النامية والدول الاقل نموا ولكنه قد يؤدي ايضا اعتمادا على استعدادها وقدرتها على التفاوض والمساومة الى شروط اكثر تشددا ومن هنا يحتمل ان تكون الاستراتيجية الواضحة للدول النامية في المفاوضات هي ان تحاول الابقاء على الاتفاقية الحالية دون اية تعديلات كبيرة عليها. هناك عدة خيارات مطروحة عند مراجعة الاتفاقية الخيار الأول هو محاولة تعديل الاتفاقية لتطبيق بعض التدابير المدرجة حاليا بصورة غير مشروطة او تتصل بتوافر بعض المزايا، والخيار الثاني يتمثل في مراجعة الاحكام القائمة لضمان المرونة في تطبيق الاتفاقية على سبيل المثال بتوضيح طبيعة الالتزامات باعتبارها ليست محظورات في حد ذاتها ومن الممكن تحديد الاستثناءات لبعض القطاعات، ومن المحتمل ايضا ان تؤدي مراجعة الاتفاقية الى اتاحة الفرصة للتعامل مع حوافز الاستثمار التي لا تخضع حاليا لنظم متعددة الاطراف وقد تستفيد الدول النامية من القواعد الدولية التي تستحدث نظما خاصة بالحوافز على اساس الكفاءة. اما فيما يتعلق بموضوع وضع اتفاقية دولية للاستثمار ومحاولة ادراج هذا الموضوع في منظمة التجارة العالمية فإن هذا الاقتراح بشكله المطروح حاليا يمثل خطورة كبيرة بالنسبة للدول النامية حيث ان الاتفاقية الدولية سوف تتجاوز نطاق اتفاقية (ترمز)، ونظرا لضغط الدول المتقدمة لادخال الموضوع ورفض الدول النامية له فقد اقتصر القرار على تشكيل مجموعة عمل كما اشرنا في البداية تقوم بدراسة علاقة الاستثمار بالتجارة وتبادل المعلومات حوله. وقد تم سابقا مناقشة عقد اتفاقية دولية للاستثمار بين الدول المتقدمة في اطار منظمة (OECD) وقامت هذه الدول بالتفاوض على هذه الاتفاقية لمدة سنتين ولكن فشلت المفاوضات بينها، لذلك فهي تحاول الآن ادراج هذا الموضوع في منظمة التجارة العالمية. وتنبع خطورة هذا الموضوع من ان الاتفاقية الدولية المقترحة تتضمن بعض القواعد والامور التي لا يمكن للدول النامية القبول بها وهي ما يتعلق بالنظم الخاصة بدخول الاستثمار وعمله وحمايته، وتتضمن قيودا على الحكومات المضيفة بالنسبة لسياسات انتقال الافراد وتحويل الاموال واحتكارات الدولة والمشتريات الحكومية، وتنص على وضع نظام مفصل لحماية الاستثمار وتكملة آلية تسوية المنازعات تسمح للمستثمر بتقديم مطالبات تعويضية وكل هذا سوف يكون في مصلحة الدول المتقدمة وشركاتها متعددة الجنسيات. ومع ان الدول الاعضاء بمنظمة التجارة العالمية تدرك الحاجة لمناخ قانوني مناسب للاستثمار الا انها قد تواصل التعامل مع الاستثمار المباشر الاجنبي على اساس سياسات فردية واتفاقية الاستثمار الثنائية ويتيح هذا الاسلوب مجالا واسعا للمناورة خاصة بالنسبة لتكييف سياسات الاستثمار مع الظروف المحلية والاحوال المتغيرة، وقد يكون البديل لوضع اتفاقية دولية للاستثمار زيادة توضيح قواعد التجارة والاستثمار حسب ما هو مناسب في مختلف اتفاقيات منظمة التجارة العالمية. رابعا: المشتريات الحكومية يعتبر اتفاق المشتريات الحكومية احد الاتفاقات الاختيارية التي اقرت في جولة الاورجواي وقد تركت للدول الاعضاء في منظمة التجارة العالمية حرية الانضمام اليه او عدم الانضمام، وتقوم مباديء هذا الاتفاق على تبادل الحق في نفاذ السلع والمنتجات التي تشتريها او تستوردها الهيئات والمؤسسات الحكومية الوطنية في الدول الاعضاء في الاتفاق، واغلب الدول التي انضمت الى الاتفاق هي من الدول المتقدمة والتي يبلغ عددها حاليا ثلاث عشرة دولة. ونتيجة لكبر حجم المشتريات الحكومية في الدول النامية من ناحية وعدم قدرة سلعها على النفاذ الى اسواق الدول المتقدمة للهيئات والمؤسسات الحكومية فإن معظم الدول النامية لم تنضم للاتفاق لعدم وجود توازن مقبول بين التزاماتها وحقوقها. وقامت الدول المتقدمة بممارسة ضغوط لادراج موضوع التزام كافة الاطراف باتفاق المشتريات الحكومية في جدول اعمال الفترة المقبلة نظرا لاهمية حجم تلك التجارة الدولية، وجرى ربط هذا الموضوع بمكافحة الفساد والرشوة في بعض الدول واتفق خلال الاجتماع الوزاري الأول لمنظمة التجارة العالمية في سنغافورة على تشكيل مجموعة عمل تبحث في موضوع الشفافية (تبادل المعلومات والنظم) في الاجراءات الوطنية للمشتريات الحكومية بغرض التوصل الى دراسة يمكن ان تكون اساسا لاتفاق لمعالجة الشفافية في المشتريات الحكومية مع الاخذ في الاعتبار السياسات الوطنية بما يفتح المجال لمنح بعض المزايا التفضيلية للموردين الوطنيين للمشتريات الحكومية. بالاضافة الى ذلك فإن الاتفاق العام لتجارة في الخدمات (GATS) لم يتضمن نصا خاصا بالمشتريات الحكومية واتفق على اجراء مفاوضات حوله وهذا ما يتم حاليا في المنظمة (المادة 13)، ولكن من الصعب خلال الجولة الجديدة للمفاوضات في تجارة الخدمات التفاوض على المشتريات الحكومية لتشمل جميع قطاعات الخدمات دون اعادة التفاوض بشأن اتفاق المشتريات الحكومية الذي يعتبر اتفاقا اختياريا انضمت اليه بعض الدول الاعضاء. ونظرا لرفض الكثير من الدول النامية ادخال هذا الموضوع في المنظمة فقد استقر الرأي على ان المباحثات التي سوف تتناول المشتريات الحكومية لن تتعدى موضوع الشفافية في الاجراءات الحكومية المتعلقة بالعطاءات وتكافؤ الفرص امام جميع الموردين المؤهلين بما في ذلك الموردون من دول اعضاء اخرى في منظمة التجارة العالمية ولن تمس المزايا التفضيلية للموردين الوطنيين. خامسا: تيسير التجارة يعتبر موضوع تيسير أو (تسهيل التجارة) من اهم المواضيع التي تم تناولها في منظمة التجارة العالمية ومعنى تيسير التجارة هو الحد من العوائق التجارية التي تحد من حركة السلع بين الدول عند الحدود مثل الاجراءات الجمركية والادارية والتي قد تعوق حركة الاستيراد والتصدير وايضا يشمل الحصول على المعلومات حول القوانين التي تنضم استيراد وتصدير السلع. وقد قرر المؤتمر الوزاري الأول في سنغافورة سنة 1996 ان يقوم مجلس التجارة في السلع بدراسة هذا الموضوع وعمل الاستقصاء والتحليل حول تبسيط وتسهيل الاجراءات المتعلقة بالتجارة وتتناول هذه الدراسة اجراءات ومتطلبات الاستيراد والتصدير والتي تشمل الاجراءات الجمركية وعبور الحدود وحركة النقل والعبور والدفع والتأمين والاجراءات الادارية التي تؤثر على حركة السلع عبر الحدود، كما تشمل الدراسات العلاقة بين اتفاقيات منظمة التجارة العالمية وتسهيل التجارة. ان الهدف من ادراج هذا الموضوع في برنامج عمل المفاوضات هو الوصول الى تبني اجراءات متفق عليهابين الدول الاعضاء لا تعيق انتقال السلع بينها، والى تبني معايير موحدة لنقل المعلومات، كما تهدف المفاوضات الى تبني نظام للتدقيق والفحص في المنافذ الجمركية وتبسيط الوثائق والمستندات المستخدمة في الاستيراد والتصدير. ان هذه الاجراءات سوف تساعد على تحرير التجارة بين الدول الاعضاء وسوف تؤدي الى تسريع حركة السلع واجراءات الافراج والتخليص الجمركي دون عوائق، وقد قرر المؤتمر الوزاري الرابع البدء في مفاوضات حول هذا الموضوع بعد المؤتمر الخامس وان يقوم مجلس التجارة في السلع بتوضيح وتحسين الجوانب ذات العلاقة في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية وكشف احتياجات واولويات الدول الاعضاء وخاصة الدول النامية والدول الاقل نموا والالتزام بضمان المساعدة الفنية المناسبة والدعم لبناء القدرات في هذا المجال