حددنا في الحلقات الماضية صور الارهاب الاقتصادي الدولي واشكاله سواء الارهاب الدولي المنظم او غير المنظم، ثم تناولنا الارهاب الاقتصادي المحلي التي تمارسه الانظمة الحاكمة، وفي ضوء تحديدنا لاطراف الارهاب فإن الحلقة هذه سوف نتناول فيها اسباب ودواعي هذا الارهاب الدولي والمحلي لتحديد الدوافع والاسباب التي تجعل تلك الدول والمنظمات ثم الحكومات والانظمة لممارسة ارهابها الاقتصادي. واذا كان للارهاب الاقتصادي صور واشكال فإن له اسبابه ودواعيه ايضا، ويمكن تقسيم تلك الاسباب والدواعي الى اسباب دولية واخرى محلية، وذلك حسب النطاق الجغرافي لها، وهذا على الرغم من التداخل بين تلك الاسباب. أولا: دوافع الارهاب الاقتصادي الدولي واسبابه: اننا نرى ان الارهاب الاقتصادي صورة حديثة ومجددة للاستعمار العالمي بقيادة الدول الرأسمالية، اذ ان الاسباب التي حدت بالدول الاستعمارية للخروج بفلولها وجيوشها العسكرية لا تختلف في حقيقة الامر عن الاسباب والدواعي الاقتصادية للارهاب الاقتصادي الحالي، إلا من حيث الآليات والسبل، ويعتمد ذلك على طبيعة التغيرات الاقتصادية الحديثة وعدم رغبة الدول الاستعمارية التي تتبنى في عصرنا هذا قيادة الارهاب الاقتصادي بالتضحية بأفراد من جيوشها بل لا نغالي ابدا اذا قلنا ان الارهاب الاقتصادي اكثر قساوة وفتكاً وتدميراً للانسان والمجتمع من الاستعمار العسكري الذي ساد إبان فترة الاحتلال والاستعمار الاجنبي لدول العالم الثالث.. ولكن يبقى الارهاب الاقتصادي من صنيعة الدول الرأسمالية وصورة من نسيج الاستعمار العسكري وحلقة وامتداداً لحركة الاستعمار المستبد القائمة على نهب خيرات دول العالم الثالث التي اضحت تعاني من ويلات الارهاب الاقتصادي في يومنا هذا، وفي هذا السياق يمكن ان نحدد بعضا من دواعي الارهاب واسبابه في التالي: ـ الرغبة الجامحة لدى دول الارهاب الاقتصادي في الهيمنة والسيطرة والتحكم بالموارد الطبيعية المتوفرة في مناطق واقاليم العالم الثالث، وذلك في اطار الصراع والمنافسة بين دول الارهاب ذاتها للوصول الى تلك الموارد والتحكم فيها، خاصة في ظل تناقص الموارد الطبيعية لديها وتزايد احتياجات ومتطلبات السكان فيها. ـ النزعة الشديدة نحو السيطرة والتحكم في القرار الاقتصادي الاستراتيجي في العالم، فقد اصبح الاقتصاد هو المحرك الحقيقي للعلاقات الدولية، وبالتالي فمن يمتلك القرار الاقتصادي يستطيع التحكم في القرارات الاستراتيجية الدولية، ومن هنا فإن دول الارهاب تسعى دوما الى امتلاك مثل تلك القرارات بقصد تملك سلطة النفوذ والسيطرة في العالم. ـ يأتي الارهاب الاقتصادي في اطار السعي الحثيث من قبل الدول القائدة له نحو اقتسام اسواق دول العالم الثالث وجعلها اسواقاً استهلاكية للسلع المنتجة من قبلها او تجيير سيولة دول العالم الثالث لصالح اسواقها واقتصادياتها، لما لتلك السيولة من اهمية قصوى حينما يتم ضخها في شرايين اقتصاديات دول الارهاب، سواء اكانت على هيئة ودائع واستثمارات مالية بمصارف وشركات تلك الدول ام على هيئة سيولة تتدفق الى اسواق الدولة المستفيدة نظير شراء دول العالم الثالث لاسلحة او سلع استهلاكية منها، لذا فإن النزاعات والازمات في دول العالم الثالث، والتي تثيرها دول الارهاب الاقتصادي دوما ما تعود بالفائدة على اقتصاديات الاخيرة، فرؤوس الاموال تتدفق اليها لانعدام الاستقرار والأمن في دول العالم الثالث، ثم ان الشركة المصنعة للاسلحة بدول الارهاب هي المستفيدة الاولى من قيام انظمة الحكم في دول العالم الثالث بشراء اسلحة تتكدس في مخازنها او تقتل بها شعوبها او تحصد بها جيرانها!! فيما تصبح موازنات دول العالم الثالث تعاني من المديونية الداخلية والخارجية وتضطر بعض هذه الدول الى رهن مواردها الطبيعية للدول الرأسمالية الدائنة لتوفير الحد الادنى من المستوى المعيشي لسكانها او لتغطية نفقاتها العسكرية فيما تعمد بعض دول العالم الثالث الى الخضوع التام لشروط الاستثمار الاجنبي الذي تجد فيه الدول المستثمرة او الشركات الممولة فرصة سانحة للسيطرة على مقدرات شعوب تلك الدول واستنزافها تحت مظلة الاستثمار او التمويل!! ان مفردات لغة الارهاب الاقتصادي ومدلولاتها لا تختلف عن مفردات لغة الاستعمار الاجنبي ومدلولاتها، فالرغبة في اخضاع دول العالم الثالث لارادة دول الارهاب او الاستعمار مازالت قائمة، واخضاعها ايضا للتبعية الاقتصادية للدول العظمى الاستعمارية وسلب الحقوق الاساسية لانسان العالم الثالث وضرب كل محاولات التحرر والاستقلال الاقتصادي والاجتماعي ومن ثم السياسي هي في حقيقة الامر اهداف استراتيجية مرسومة من قبل دول الارهاب ضد دول العالم الثالث وشعوبها، ومهما ابدت دول الارهاب من استعداد للحوار إلا ان ممارساتها في افقار دول العالم الثالث ونفض موازناتها ونهب سيولتها لتبرز ادلة بينة على ان العلاقة غير متكافئة واللغة متباينة في مفرداتها. ثانيا : دواعي الارهاب والاقتصاد الداخلي واسبابه: ان صور واشكال الارهاب الاقتصادي الذي تمارسه الانظمة السياسية الحاكمة في دول العالم الثالث لابد وان تكون لها اسبابها ودواعيها، فهذه الانظمة، التي جاءت معظمها الى السلطة دون تفويض شرعي من شعوبها، كانت وليدة حركة استعمارية مارست ضد شعوب العالم الثالث كافة اشكال التعذيب والترهيب، وزرعت في داخل انسانها الخوف والفزع، وحجمت المجتمعات ومنعتها من التحرر الاقتصادي والاجتماعي، وقد جاءت هذه الانظمة التي زرعتها الدول الاستعمارية لتمارس ارهابا نفسيا واجتماعيا واقتصاديا، جاءت صوره واشكاله حسبما اشرنا اليها سابقا، إلا ان هذه الانظمة لها اسبابها ودواعيها في ممارسة هذا الارهاب ضد شعوبها وهي: ـ اذا كانت دول الارهاب قد مارست ارهابها ضد دول العالم الثالث بقصد الهيمنة والسيطرة، فإن الانظمة السياسية قد مارست الارهاب من اجل احكام السيطرة على الحكم أو السلطة، ولان معظمها انظمة وحكومات فاسدة فإنه من الطبيعي ان تمارس صور الفساد الاداري والاقتصادي والمالي، فهي السبيل لتحقيق اهدافها في الحكم والسيطرة الداخلية. ـ ان سنوات الاستعمار قد افرزت شريحة من اصحاب المصالح والنفوذالاقتصادي في دول العالم الثالث وبالتالي فإن الانظمة الحاكمة قد ساعدت هذه الشريحة في نزعتها نحو الغنى وتحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة مقابل ان تكون هذه الشريحة سنداً قوياً للانظمة الحاكمة وداعمة لها في تنفيذ مخططاتها وتعمل على تعزيز قوة النظام الحاكم، وفي بعض الاحيان تتقاسم السلطات السياسية مع اصحاب النفوذ الاقتصادي المكاسب الاقتصادية وتوزيع الثروات الوطنية فيما بينهما، وفيما تمارس الانظمة الحاكمة ارهابها ضد شعوبها من منطلق الاستبداد بالحكم واقتسام المصالح فإن اصحاب النفوذ الاقتصادي يمارسون صور الاحتكارات وتجيير ثروات البلاد لصالحهم وامتصاص السيولة من داخل الوطن وتهريبها الى الخارج بمباركة وتأييد دول الارهاب الاقتصادي العالمية، وتأسيس شركات وهمية بموافقة السلطات الحاكمة!! واغراق الاسواق المحلية بالسلع الاستهلاكية المستوردة وضرب محاولات الفئات الاخرى التي تحاول النهوض بوطنها وباقتصادياته. ـ تمارس الانظمة الحاكمة في دول العالم الثالث صوراً مختلفة للارهاب الاقتصادي بهدف تحقيق مآربها واهدافها الذاتية، فهي لا تتوانى عن ان تفرض رسوما عالية وضرائب مرتفعة على مواطنيها والمقيمين في البلاد، ليس بهدف تحقيق اصلاحات اقتصادية وخدمية واجتماعية، وانما من اجل امتصاص ما لدى اولئك المواطنين والمقيمين ـ وغالبيتهم من محدودي الدخل ـ من سيولة او مال، فيما تستثنى فئات الاغنياء، واصحاب النفوذ الاقتصادي لانهم يدفعون مباشرة لتلك السلطات الحاكمة، وهم بذلك يسهمون في افقار الشعب وجعل افراده يشغلون انفسهم بالبحث عن مصادر الرزق وكسب المعيشة دون ان يطمعوا في المشاركة السياسية ودون ان يفكروا في ديمقراطية او اقتسام الثروة والموارد الطبيعية مع تلك الانظمة أو اصحاب النفوذ الاقتصادي في البلاد وفيما تزداد شريحة الفقراء ومحدودي الدخل فقراً وتتفشى الجريمة بين افرادها فإن اصحاب السلطة السياسية الحاكمة والعسكرية المساندة واصحاب النفوذ الاقتصادي يقتسمون السلطة والخيرات والثروات!! ان مصادرة الانظمة الحاكمة في دول العالم الثالث للحقوق المادية والمعنوية لشعوبها واستئثارها مع شريحة الاغنياء بخيرات البلاد وتجييرها لصالح الطرفين وبمباركة دول الارهاب الاقتصادي، انما يعد ابشع صور الارهاب الاقتصادي ضد هذه الشعوب وبالتالي فإنه من الطبيعي ان يتحول هذا العالم الى منطقة ساخنة وقابلة للانفجار وبيئة خصبة للتوترات والازمات والتطرف، ويكون الارهاب الناجم من شعوب هذه الدول انما هو رد فعل طبيعي ضد الظلم والفساد وضد الاستغلال والاستعباد الداخلي والدولي