من الشائع في الأدب الاقتصادي العربي المعاصر ومنذ عقود طويلة الدعوة المستمرة إلى العمل الاقتصادي العربي المشترك والبحث في مشكلات التعاون الاقتصادي بين الاقطار العربية بهدف تطوير وتوسيع مجالات هذا التعاون، ومع ان مؤشرات اقتصادية كثيرة تشير إلى ان مستوى هذا التعاون مازال دون مستوى الرغبات السياسية المعلنة ولا يتناسب مع دعوة ووعود التحليلات والآراء الاقتصادية المتفائلة، الا ان الملاحظ ان مناقشة قضايا التعاون الاقتصادي والبحث فيها كثيرا ما يتداخل مع الاعتبارات السياسية بشكل لا يساعد في وضع حدود واضحة بين الاسباب الاقتصادية والسياسية التي تحدد مجال هذا التعاون إلى حد ان بعض هذه المناقشات انتهت إلى اشارات غير موضوعية عن قصور الفكر الاقتصادي العربي في خلق وتوسيع آفاق العمل الاقتصادي العربي المشترك وإلى تجاهل اهمية الموقف الاقتصادي الفكري في وضع اسس متينة للتعاون الاقتصادي الواسع والمثمر بين الاقطار العربية. ان الازمة التي تحيط بواقع العمل الاقتصادي العربي المشترك هي في الواقع مشكلة سياسية ناشئة من محدودية الرغبة السياسية في دعم وتطوير المنافع الاقتصادية المشتركة، اما الفكر الاقتصادي العربي فهو ولا شك سينمو ويتطور مع تطور وتوسع الافق السياسي العربي على المستويين القطري والقومي وبغض النظر عن شكل هذا التطور سواء كان في المجال النظري أو في مجال ايجاد وسائل تطبيقية جديدة، ان توفر الديمقراطية لمناقشة المشاكل الاقتصادية اليومية أو القضايا الاقتصادية ذات الطبيعة الاستراتيجية واتاحة الفرصة لتوسيع المشاركة في صنع القرار السياسي أو ان يكون للاقتصاد الدور الاساسي في القرارات السياسية ذات العلاقة، هي في الحقيقة الشرط الاساسي الذي يؤدي إلى سلامة الاتجاهات الرامية لتعظيم منافع العمل الاقتصادي العربي المشترك، أي ان المشكلة هي ان ادارة الصراع السياسي للمصالح الاقتصادية على المستوى القطري والقومي غير قادرة على توسيع امكانيات التعاون الاقتصادي العربي وتعظيم المنافع الناتجة عن ذلك، وفي الوقت نفسه يجب ألا نحمل الفكر الاقتصادي المسئولية بحجة عدم استيعابه للتطورات الاقتصادية وعدم المقدرة على الكشف عن عوامل هذه التطورات واتجاهاتها، ان الامر يتعلق في الحقيقة بقصور الرؤيا في القرار السياسي الذي يحكم الاتجاهات الاقتصادية وليس في العجز في الربط بين السياسة والاقتصاد. لعل من الضروري التأكيد في البداية على عدد من الملاحظات العامة باعتبارها من الفرضيات التي تظل اساسية في صياغة الموقف الفكري ازاء موضوع التعاون الاقتصادي العربي وهل هو قصور في الفكر الاقتصادي العربي أم عجز سياسي، ومن هذه الملاحظات ما يلي: أولا: ان الاهتمام بالعمل العربي المشترك عامة والاهتمام بالجانب الاقتصادي منه خاصة، يستند إلى عدد من الاعتبارات الايدلوجية والسياسية والاقتصادية، وان الدعوات للعمل الاقتصادي المشترك تفترض من جملة ما تفترض ضمنا وصراحة على وجود حيز مشترك للمصالح العربية يدفع إلى التعاون الاقتصادي بحكم تنوع وتباين طبيعة الموارد والثروات الاقتصادية واختلاف مستويات التطور الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي في الاقطار العربية، كما تفترض هذه الدعوات ان التعاون الاقتصادي العربي لا يمكن ان يتحقق تلقائيا بل لابد من بذل قدر كاف من الجهود على مختلف الاصعدة، ومنها الجهود الاقتصادية الفكرية في مجالات النظرية والتحليل، وفي عدد من المجالات المتعلقة بايجاد وسائل واجراءات فعالة في التطبيق بهدف الانتفاع من امكانات التعاون وتوسيعها. ان وجود الحيز الممكن للتعاون الاقتصادي العربي يسمح بتعظيم المنافع الاقتصادية المتبادلة وتحريك عملية التنمية القطرية باتجاه المزيد من التعاون الذي يؤدي تدريجيا إلى ايجاد اسس الترابط والمصالح الاقتصادية المتبادلة والتوصل إلى التكامل الاقتصادي المستهدف. ثانياً: ان عملية تقييم مستوى العمل الاقتصادي العربي المشترك وتقدير دور وانجازات المؤسسات الاقتصادية العربية المتخصصة في هذا المجال قد تتطلب التقسيم المرحلي التاريخي طبقا لمعايير سياسية أو مؤسسية أو اقتصادية معينة، الا ان من غير المناسب ان نفرض على الفكر الاقتصادي العربي التقسيم المرحلي على اساس تاريخ انشاء المؤسسات العربية المتخصصة أو انشاء بعض المشاريع العربية المشتركة أو اعتماد وثائق اقتصادية معينة من هيئة عربية سياسية، ذلك ان الفكر الاقتصادي العربي وهو يتناول قضايا النمو والتنمية في جميع الاقطار العربية، مازال يدور في اطر وتحليلات التراث الفكري الاقتصادي الشائع في الوقت الحاضر سواء كان ذلك بالنسبة للنظرية أو في مجال السياسات الاقتصادية أو فيما يتعلق بالاجراءات الاقتصادية العملية، وحتى بالنسبة لمحاولات تخطيط التنمية في بعض الاقطار العربية فانها مازالت محكومة بالقوانين الاقتصادية والنظرية المعروفة، ومازالت واقعة في حدود التحليلات والسياسات الاقتصادية والاساليب التطبيقية الشائعة في بلدان العالم وليس هناك من جديد في هذا المجال، كما ليس في هذا عيب على الفكر الاقتصادي العربي بالرغم من وجود حاجة لتحفيزه على ايجاد حلول عملية اكثر فاعلية وتحليلات نظرية اكثر اقناعا وتأثيراً للمساعدة في تسريع النمو والتنمية على المستويين القطري والقومي، تماما كما هي الحاجة إلى التقدم العلمي والتكنولوجي والثقافي في زيادة معدلات النمو الاقتصادي وتحسين مستويات التطور العام، واذا كان المنطق يفرض تقسيما مرحليا على تطور الفكر الاقتصادي العربي وفقا لمستويات التطور وطبيعة الانظمة الاقتصادية والاجتماعية السائدة بحكم العلاقة الموضوعية بين الفكر والواقع، فإن مثل هذا التقسيم يصعب تعميمه على كافة الاقطار العربية بسبب اختلاف مستويات التطور وتباين الانظمة فيها. ثالثاً: ان النتائج العملية للجهود الداعية للعمل الاقتصادية العربي المشترك سواء كانت جهود حكومات أو جهود مؤسسات عربية متخصصة، أو جهود فكرية للاقتصاديين هي التي يقاس بها مقدار التأثير الفعلي للفكر الاقتصادي العربي السائد على واقع ومستقبل التعاون الاقتصادي العربي. واذا جاز لنا ان نفترض ان بعض اتجاهات الفكر الاقتصادي تسبق احيانا تجارب التطبيق، أو ان الجهود الفكرية المتقدمة قد لا تجد طريقها إلى التطبيق العملي، فان تقدير واقع العمل الاقتصادي العربي المشترك هو الذي يكشف عن القيمة العملية لهذه الجهود ومدى نجاحها في تحقيقه، فالحكم على مشروعات العمل المشترك منذ انعقاد مؤتمرات القمة العربية كوثائق فكرية بارزة على الصعيد الاعلامي العام، لا يمكن ان تكون مؤشرات نستهدي بها في التقييم باعتبارها خطوات عملية تناسب العمل الاقتصادي العربي المشترك طوال هذه الفترة طالما كانت شروط النمو والتنمية القطرية بانماطها المتعددة غير متوفرة على المستوى القطري أولا وعلى الصعيد القومي ثانيا، كما انه لا يمكن ايضا ان تكون هذه الوثائق مدعاة للحكم على قصور الفكر الاقتصادي العربي عن فهم شروط العمل الاقتصادي العربي المشترك لان هذه الوثائق لا تعبر عن كافة اتجاهات الفكر الاقتصادي العربي ومواقفه ازاء شروط التنمية في الاقطار العربية، أو على الاقل يمكن القول بانه لابد من تقدير حقيقة ان الاتجاهات الاقتصادية التي عبرت عنها تلك الوثائق كانت متأثرة بفرضيات سياسية غير واقعية بدليل نتائجها اليوم اضافة إلى ان بعض هذه الاتجاهات مازال غائبا عن المحيط الاقتصادي والعلاقات الدولية في العالم اليوم، ان مثل هذا الرأي لم يكن غائبا عن الفكر الاقتصادي العربي عند صياغة تلك الوثائق وان لم يكن قادرا على التعبير العلني الواسع النطاق بحكم ظروف غياب الديمقراطية والتحكم الضيق في المؤسسات القطرية والقومية ذات العلاقة. رابعا: ان المحاولات الفكرية لتقييم دور الفكر العربي الاقتصادي العربي أي بعبارة اخرى تقييم التحليلات والتفسيرات التي ينطوي عليها، لم تكن فقط غير شاملة للبحث في واقع وآفاق انماط التنمية المختلفة، وفي مستويات التطور الاقتصادي القطري، وفي تطور الوعي والفعل السياسي القطري والقومي، وفي دراسة طبيعة التحديات التي تفرضها التطورات الاقتصادية والتكنولوجية على واقع ومستقبل الاقطار العربية منفردة أو مجتمعة، بل وايضا فان محاولة ايجابية للتقييم تتطلب دائما عرض البديل وهو امر ينطوي على اكثر من التحليلات الاقتصادية، فهو مسئولية ادبية وطنية وقومية كبيرة، كما لابد ان تتوفر لهذه المحاولات فرصة الوقوف على آراء متخذي القرار من السياسيين والحوار معهم في كيف يمكن افتراض التفاعل بين العمل الاقتصادي العربي وبين العمل السياسي القطري والقومي، بين الفكر الاقتصادي ودوره في تهيئة الخيارات الاقتصادية وبين دور السياسي في التعبير عن المصالح الاقتصادية المختلفة وادارتها