لقد أبدت بعض الدول الاعضاء في منظمة التجارة العالمية في الفترة السابقة الرغبة في التوصل الى تفاهم دولي في بعض القضايا التي ترى ان لها علاقة بالتجارة الدولية، ومن هذا المنطلق فقد قررت الدول الاعضاء في منظمة التجارة العالمية وخاصة الدول الصناعية والمتقدمة البدء في جولة جديدة من المفاوضات التجارية تم الاعلان عنها في المؤتمر الوزاري الرابع للمنظمة والذي عقد بمدينة الدوحة بدولة قطر في شهر نوفمبر 2001. وقد اتضح خلال المؤتمر في البداية ان هناك عدداً آخر من الدول الاعضاء وخاصة الدول النامية تعارض جولة جديدة للمفاوضات نظراً لعدم استعدادها لهذه الجولة واصرارها على تنفيذ الاتفاقيات والالتزامات التي تم التوصل اليها في الجولات السابقة قبل البدء في جولة جديدة تؤدي الى مزيد من الالتزامات لهذه الدول، كما ان المواضيع التي ترغب الدول المؤيدة لعقد جولة جديدة للتفاوض عليها هي مواضيع جديدة ومتشعبة ولها آثار وانعكاسات عديدة على التجارة والاقتصاد وتحتاج الى دراسة دقيقة ومتأنية، حيث ترى هذه الدول ان هذه المواضيع تتضمن جوانب معقدة وخطيرة في بعض الاحيان قد تمس السياسات التجارية للدول وان نتائجها سوف تنصب في مصلحة الدول الصناعية في المقام الاول. إلا انه وبعد مشاورات ومباحثات شاقة تم الاستجابة لمطالب الدول النامية حول تنفيذ الاتفاقيات السابقة وحل مشاكل تنفيذها والتي تشمل تنفيذ الدول المتقدمة بشكل خاص لالتزاماتها حسب هذه الاتفاقيات وتم الموافقة على ادراجها ضمن برنامج عمل جولة المفاوضات التي تم الاعلان عنها في المؤتمر مقابل البدء في جولة جديدة للمفاوضات. وحسب برنامج عمل المفاوضات فقد قسمت عملية التفاوض الى مرحلتين: المرحلة الاولى: وتتضمن المواضيع التي ستبدأ المفاوضات بشأنها مباشرة بعد مؤتمر الدوحة وتشمل: تنفيذ الاتفاقيات الحالية ومشاكلها، تجارة المنتجات الزراعية، تجارة الخدمات، النفاذ الى الاسواق للمنتجات غير الزراعية، حقوق الملكية الفكرية «المؤشرات الجغرافية»، التجارة والبيئة. المرحلة الثانية: وتتضمن المواضيع التي سيتم اطلاق المفاوضات بشأنها خلال المؤتمر الوزاري الخامس سنة 2003 بعد اتخاذ قرار بالاجماع وتشمل: التجارة والمنافسة، التجارة والاستثمار، المشتريات الحكومية، تيسير التجارة، التجارة الالكترونية. وهناك خلافات جذرية وتباين كبير في وجهات النظر بين الدول الاعضاء حول هذه القضايا، إلا انه تم الاتفاق على استمرار دراستها من قبل فرق العمل التي انشئت لهذا الغرض في منظمة التجارة العالمية بهدف تقريب وجهات النظر وتقليل الخلافات بين الدول الاعضاء تمهيداً للتفاوض بشأنها. وسوف نركز في هذا التقرير على المواضيع الجديدة لنحاول التعرف بشيء من التفصيل على الجوانب التجارية والآثار المختلفة لها. أولا: التجارة والبيئة: لقد ادى الاعتراف بأن حماية البيئة شأن عالمي الى نشوء سؤال مهم عن مدى تعارض الالتزامات التجارية المتعددة الاطراف مع بلوغ مستوى مناسب من الحماية البيئية الداخلية وفقا للاولويات الوطنية، وما اذا كان من الممكن تناول الاهتمامات البيئية العالمية والعابرة للحدود بطريقة تراعي المسئوليات المشتركة والمتباينة الواقعة على جميع البلدان. لقد نوقش موضوع التجارة والبيئة في مؤتمر قمة الارض في ريو عام 1992 ونظراً لتخوف الدول النامية من استخدام المعايير البيئية كوسيلة للحد من صادراتها فلم يتم التوصل إلا لقرار في نهاية جولة اورجواي بتكليف لجنة بدراسة كيفية عدم تعارض الالتزامات البيئية مع التجارة، ومازالت هذه اللجنة مستمرة في عملها دون التوصل الى اي نتيجة. تتألف مشاكل البيئة والتنمية من ثلاثة عناصر اساسية: ـ استخدام التدابير التجارية لضمان توافق المنتجات المستوردة مع القواعد والانظمة البيئية وهذه المسألة يتناولها الاتفاقان الخاصان بالحواجز الفنية امام التجارة وبتطبيق تدابير الصحة والصحة النباتية. ـ استخدام التدابير التجارية لضمان توافق العمليات المطبقة في البلدان الاجنبية مع حماية البيئة العالمية ويتعلق هذا الامر بالاتفاقات البيئية الدولية وبإمكانية اجراء عملية ربط بينها وبين الالتزامات التجارية المتعددة الاطراف التي جاءت في اتفاقات منظمة التجارة العالمية. ـ امكانية تصوير الاختلافات في المعايير الوطنية لحماية البيئة على انها توفر مزايا غير منصفة للمنتجين الموجودين في الدول ذات المعايير المنخفضة او ما يسمى «الاغراق البيئي» أو «الدعم البيئي». ويثير النقاش بشأن التجارة والبيئة قضايا عديدة منها التأثير الذي يمكن ان تحدثه المعايير واللوائح البيئية على الوصول الى الاسواق والمنافسة وقضية اخرى هي ما اذا كانت هناك منافع تجارية وبيئية في تنسيق المعايير وقضية ثالثة تتناول الآليات الانسب لتحقيق وفورات بيئية داخلية دون تشويه التجارة، وينبغي ايضا لهذه الآليات ان تستهدف توسيع فرص الاسواق امام السلع والخدمات الرفيقة بالبيئة. ان التجارة تساهم في نشر المقاييس البيئية، فتحرير التجارة يسهل انتشار السلع والخدمات المفيدة للبيئة ويساهم في نقل التكنولوجيا السليمة بيئيا ونقل مهارات إدارة البيئة الى الدول النامية، وتؤدي اللوائح والمقاييس البيئية دوراً كبيراً في حماية البيئة وتشجيع التجارة وينبغي في العمل المقبل في هذه المسألة التركيز على الآليات الايجابية التي تمكن البلدان النامية من الحصول على مزيد من فرص الوصول الى الاسواق والتنافسية في اسواق المنتجات الرفيقة بالبيئة. هناك قلق من ان المعايير التي توضع في البرامج البيئية استناداً الى ظروف وأولويات بيئية في البلدان المستهلكة لا تراعي في جميع الحالات التحسينات البيئية التي يمكن ان تحدث في البلدان المنتجة، لذك يجب ان تراعي البرامج البيئية بقدر المستطاع المصالح التجارية ومصالح التنمية في البلدان المنتجة وخصوصا الدول النامية ودول مرحلة التحول والمطلوب مزيد من التعاون الدولي بشأن هذه البرامج ومزيد من الدراسة لها وهذا من البنود المهمة في جدول اعمال منظمة التجارة العالمية. ومن المتوقع خلال المفاوضات المقبلة ان يتم التركيز على بعض القضايا ذات العلاقة بموضوع التجارة والبيئة ومنها على سبيل المثال العمل على ايجاد توازن بين تشجيع الحلول المتعددة الاطراف في معالجة المشاكل البيئية من جانب ومن جانب آخر ضمان عدم احداث تأثير تعسفي على الدول اعضاء المنظمة، اما بسبب الحماية المستترة أو بسبب فرض القيم البيئية من خلال السياسة التجارية، ومن العناصر الرئيسية في هذا الموضوع وضع الاتفاقات التجارية المتعددة الاطراف والنظر في الآثار التي تتحملها التجارة بسبب التدابير ذات الاغراض البيئية. وترى اغلب الدول النامية ان هناك حاجة لمزيد من الدراسة لموضوع التجارة والبيئة موجهة نحو تحليل آثار السياسات والمقاييس واللوائح البيئية على الوصول الى الاسواق وعلى المنافسة وخاصة على الدول النامية وتحليل ادوات السياسة البيئية الجديدة التي يكون لها تأثير تجاري، مع مراعاة الحاجة الى التعاون الدولي لضمان الشفافية والتنسيق لجعل السياسات البيئية والتجارية متناسقة فيما بينها، وان ذلك سوف يساعد الدول النامية على اتخاذ موقف سليم في المفاوضات التي تتناول التجارة والبيئة. ومن المسائل التي تتم المناقشة حولها منذ عام 1995: ـ العلاقة بين احكام واتفاقات منظمة التجارة العالمية والتدابير التجارية ذات الاغراض البيئية بما في ذلك تلك التي تتخذ وفقا لاتفاقيات بيئية دولية. ـ العلاقة بين السياسات البيئية التي لها صلة بالتدابير التجارية والبيئية والتي لها آثار تجارية ملموسة واحكام واتفاقات منظمة التجارة العالمية. ـ العلاقة بين احكام واتفاقات منظمة التجارة العالمية وكل من: ـ الرسوم والضرائب المفروضة لاغراض بيئية. ـ الاشتراطات المفروضة لاغراض بيئية على المنتجات بما في ذلك المقاييس واللوائح الفنية التعبئة وكتابة البيانات. ـ الاحكام المتعلقة بشفافية التدابير التجارية المستخدمة لاغراض بيئية والتدابير والشروط البيئية التي لها آثار تجارية ملموسة. ـ العلاقة بين تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية وتلك الموجودة في الاتفاقيات البيئية الدولية. ـ اثار التدابير البيئية على الوصول للاسواق والمنافع البيئية من ازالة القيود والتشوهات من التجارة. ـ قضية تصدير السلع الممنوعة. والجدير بالذكر ضرورة الاخذ في الاعتبار ان من اكثر الموضوعات خطورة عند مناقشة التجارة والبيئة هو محاولات الدول المتقدمة وضع قيود على التجارة بحجة حماية البيئة من خلال فرض ضرائب او قيود على صادرات الدول الاخرى مثل الضرائب الداخلية والدعم، وهذا يمثل خطورة بالنسبة للدول المصدرة للنفط الامر الذي يعرض صادراتها من النفط لمثل هذه الضرائب والقيود