اظهر التقرير الاقتصادي لبنك دبي الوطني مدى التباين في تأثير الانفاق الحكومي على النشاط الاقتصادي وفاعليته في عملية النمو بشكل عام سواء في دولة الامارات أو دول مجلس التعاون الخليجي مشيرا إلى تباين نتائج البحوث والدراسات ايضا حول مدى فاعلية ذلك. وذكر التقرير ان هناك عدة قنوات يمكن للانفاق الحكومي ان يؤثر من خلالها على النشاط الاقتصادي إلا أن تباين تكوينات هياكل الاقتصادات المختلفة والظروف المحيطة بها لذلك تؤدي هذه القنوات في بعض الاحيان إلى نتائج غير واضحة. واوضح ان صناع السياسة الاقتصادية في الامارات يواجهون صعوبة في اتخاذ القرار الحاسم للسيطرة على الانفاق الحكومي خلال فترات انتكاس اسعار النفط بدون التضحية بامكانات واحتمالات النمو في الاقتصاد المحلي، كما هو الحال ايضا في معظم الاقتصادات التي تعتمد على النفط، لذلك فان الانفاق الحكومي الرأسمالي والعجز الحكومي اصبحا خطي الدفاع الاول عند حدوث انخفاض اسعار النفط، ذلك ان هذين المتغيرين الاقتصاديين سمح لهما بالتذبذب بشدة في ضوء ما يحدث من تغيرات وتطورات في اسواق النفط العالمية من ناحية اخرى، ينظر للانفاق الحكومي الجاري على انه يمثل الحد الادنى للمحافظة على دور الحكومة في دفع الاقتصاد المحلي ودعمه، وقد مثلت النفقات الجارية حوالي 85% من الانفاق العام في نهاية الثمانينيات في دولة الامارات، وارتفعت إلى 92% في 1991، ولكنها انخفضت بشدة إلى 54% في 1999، وقد يعطي هذا دلالة على تغير نظرة صناع القرار الاقتصادي وسياستهم في حماية الانفاق الجاري، حيث انخفض هذا الانفاق من 59 مليار درهم في 1996 إلى 41 مليار درهم في 1999، ولعله من المهم التذكير هنا بأن المحافظة على مستوى الانفاق الجاري قد يعزل الاقتصاد المحلي عن آثار الهزات النفطية في المدى القصير، ولكنه من المحتمل ان يؤدي في المدى الطويل إلى خفض امكانات النمو بالاضافة إلى ذلك هل يتسبب الانفاق الحكومي بالفعل في نمو الانشطة الاقتصادية غير النفطية، أم ان النمو في الناتج غير النفطي يتسبب في نمو الانفاق الحكومي؟ إن صعوبة الاجابة على مثل هذا السؤال وظروف عدم التأكد المحيطة به هي قضايا حيوية يجب تحديدها ليتمكن صناع القرار الاقتصادي من تنفيذ الاستجابة الاقتصادية المناسبة لمواجهة الهزات التي تصيب الاقتصاد المحلي، ومن هنا، فان هذه الملابسات اصبحت الدافع الرئيسي وراء تحليل السببية الذي يستخدمه الاقتصاديون لتقييم آثار مستوى الانفاق الحكومي ومكوناته على النشاط الاقتصادي المحلي. ويؤكد التقرير على انه يجب على صناع السياسة الاقتصادية في دول المجلس ان يقوموا بتقييم حذر لمكونات الانفاق الحكومي التي سيتم تغييرها عند حدوث الهزات النفطية، ذلك ان كل عنصر من عناصر الانفاق الحكومي له اثار ودلالات اقتصادية مختلفة في المدى القصير والمدى الطويل عند التأثير على امكانات النمو في الناتج المحلي غير النفطي. ويظهر الانفاق الحكومي الاستثماري اثرا ايجابيا على النمو الاقتصادي غير النفطي في المدى القصير، بينما يؤدي الانفاق الحكومي الجاري إلى خفض هذا النمو، ولكن النتائج التي تم الحصول عليها من النموذج المقدر تدل على ان كلتا العلاقتين تعتبران ضعيفتين احصائيا. وعلى المدى الطويل، اظهرت النتائج التي تم الحصول عليها لمعظم دول المجلس بان الانفاق الجاري يشجع النمو غير النفطي بينما يؤثر الانفاق الاستثماري بشكل سلبي على هذا النمو، وهذا يمكن تفسيره بحقيقة ان التوسع من الانشطة غير النفطية مدعما بتوجه الحكومات نحو تنويع مصادر الدخل كان مصاحبا على مدى الخمسة عشر عاماً الماضية بانخفاض في الانفاق الحكومي الرأسمالي. ويجب اخذ النتائج التي اشير إليها انفا بنوع من الحذر، حيث يجب الحصول على بيانات افضل لتطوير تحليل السببية وتعميقه وللحصول على نتائج اقوى احصائيا. ويتضح بان الانفاق الاستثماري له آثار اكبر على النمو غير النفطي في المدى القصير من تلك التي يحدثها الانفاق الجاري، وفي المدى الطويل يجب ألا يحل الانفاق الحكومي الرأسمالي محل الانفاق الاستثماري الخاص، وإلا فان ذلك سيؤدي إلى آثار عكسية على النمو تؤدي إلى احلال رأسمال غير كفء محل رأسمال اكثر انتاجية. ويتوجب على الحكومات في دول مجلس التعاون أن تتبنى اجراءات وسياسات تستهدف خفض اعتماد الاقتصاد غير النفطي على الانفاق الحكومي. وعن الانفاق الحكومي الجاري يشير التقرير ان هذا الانفاق يؤثر على القطاعات الاقتصادية من خلال تأثير «المضاعف» الذي يحدث نشاطا اقتصاديا يفوق بكثير حجم الانفاق الاولي الذي قامت به الحكومة ولكن هذه النفقات العامة يمكن ان تكون لها آثار اقتصادية محددة على الاقتصاد المحلي اذا تم توجيهها نحو المحافظة على المخزون الرأسمالي في البنية التحتية وما شابهها بحيث تؤثر على التغير التقني وتحسن من سيادة النظام وسلطة تطبيق القانون. أما الانفاق الحكومي الاستثماري فله مساهمة ايجابية مباشرة في النمو من خلال رفع المخزون الرأسمالي للبنية التحتية، ولكن هذا الاثر يحدث فقط اذا لم يحل هذا الانفاق محل الاستثمار الخاص ولم ينافسه في الموارد المالية، ولم يكن اقل كفاءة منه. الانفاق الحكومي على الاستثمار البشري يساهم هذا الانفاق بشكل مباشر وايجابي في النمو الاقتصادي وذلك عن طريق رفع مستوى المهارات للقوة العاملة وبالتالي رفع مستوى إنتاجية العمل، ولكن هذه الآثار تحتاج إلى فترة تفريخ طويلة ولا تدرك منافعها إلا في المدى الطويل. وعلى الرغم من مجهودات تنويع مصادر الدخل على مدى العشرين عاما الماضية، الا ان اقتصادات دول مجلس التعاون مازالت تعتمد على العوائد النفطية التي تعتبر المصدر المسيطر في تمويل الانفاق العام مازال أداة قوية للتأثير على النمو الاقتصادي ودعمه في القطاعات غير النفطية وتكون هذه الدول خلال مرحلة انتكاس اسعار النفط مترددة في خفض نفقاتها الجارية حيث ان ذلك قد يؤدي إلى احداث كساد في النشاط الاقتصادي غير النفطي، ولتخفيف الضغوط على عجز الموازنة العامة لجأت حكومات دول المجلس إلى استهداف خفض حجم الانفاق الحكومي الاستثماري خلال فترات تذبذب العوائد النفطية وتراجعها باعتبار ان خفض الانفاق الاستثماري يمكن تطبيقه بسهولة من الناحية السياسية والاجتماعية، كما ان هذا النوع من الانفاق يكون عادة كثيف الواردات ولكن نظرا للاهمية الاقتصادية لانشطة الاستهلاك والاستثمار الحكومي، فقد اصبحت المطالبة العامة بسياسة توسعية في الانفاق الحكومي نداء اعتياديا ومتكرراً لدعم وانعاش الاقتصاد المحلي أو بعض قطاعاته خلال الانتكاسات الاقتصادية، وفي ضوء عدم القدرة على التأثير في اسعار النفط في الاسواق العالمية فان محنة صناع القرار الاقتصادي في دول مجلس التعاون تمثلت في السيطرة على العجز الحكومي والمحافظة على مستوى معين من الانفاق الحكومي يمكن ان يضمن أو يحقق نموا اقتصاديا مقبولا في الانشطة غير النفطية. ان استخدام نموذج قياسي يأخذ في الاعتبار المتغيرات المختلفة التي يمكن ان تؤثر في نمو الجزء غير النفطي من اقتصادات دول المجلس قد ادى إلى نتائج غير حاسمة. ذلك ان نتائح التغيرات في الانفاق الحكومي (جارية أو استثمارية) تؤدي إلى خفض النمو في الناتج المحلي غير النفطي أو زيادته، والعكس ايضا صحيح، في الواقع، تشير هذه النتائج إلى مطالبة قطاع الاعمال بزيادة الانفاق الحكومي لتشجيع النمو في القطاع غير النفطي ودعمه لا يوجد لها دليل اقتصادي قوي يساندها، وهذا يعني ان الحكومات في دول مجلس التعاون يمكنها ان تخفض من انفاقها بدون احداث اثار سلبية على معدلات النمو في الانشطة الاقتصادية غير النفطية ويبدو ان هذه النتائج تبدو مغايرة للاعتقاد العام السائد في دول مجلس التعاون من ان الحكومات يمكنها ان تدعم النمو في الانشطة غير النفطية وتشجيعه من خلال سياسات توسعية في الانفاق الحكومي، ويمكن في الاطار نفسه تفسير هذه النتائج بالتالي، رغم ان الانفاق الحكومي يعتبر جزءا هاما من الطلب الكلي في الاقتصاد، الا ان زيادة هذا الانفاق لا تؤثر على معدلات النمو في الجزء غير النفطي من الاقتصاد، وهناك تفسير اخر مفاده ان اقتصادات دول المجلس قد مرت بتغيرات هيكلية جوهرية على مدى العقدين الماضيين تم خلالها تقليل اعتماد القطاعات غير النفطية منها على الانفاق الحكومي، وتشير النتائج التحليلية التي تم الحصول عليها إلى التالي ايضا
