تعتبر مشكلة العقار وآليات الوصول إليه وتسوية ملكيته أهم المعضلات المطروحة على مستوى الاستثمار في الجزائر، حتى أنه أصبح مصدرا لمضاربات ومساومات لاتنتهي، ويوجد الآن نحو 50% من العقار الصناعي في وضع غير قانوني وتفتقر حتى المناطق العمرانية الكبيرة مثل العاصمة لمخططات مسح الأراضي، كما تبقى نسبة هامة من المساحات المهيأة للبناء عرضة للمنازعات القضائية لعدم تسوية أمر ملكيتها سوق المضاربة. خلال سنوات قليلة برزت شبكات مضاربة وسمسرة يطلق عليها عادة اسم «مافيا العقار» اتخذت أشكالا سرطانية وعمدت الى توظيف الثغرات القانونية وحولتها الى مصدر للثراء السريع وألحقت بشهادة الجميع أضرارا كبيرة بالاقتصاد وعطلت مشاريع التنمية، فقد وضع المستثمرون الأجانب والمواطنون على حد سواء مشكلة العقار كأول عائق أمام تدفق الاستثمار لارتباطها بإشكالية الملكية وكيفية الانتفاع منها والتصرف بها، ولسد النقص المسجل في ميدان السكن مثلا شرعت الدولة منذ الثمانينات في سياسة تشجيع البناء الفردي، وذلك بتسليم قطع أراض للبناء بأسعار مدعمة إلى جانب مساعدات أخرى في مجال التهيئة، وهنا لوحظ عدم تحكم السلطات المحلية في التراث العقاري وغياب مسح دقيق للأراضي، إلى جانب تحويل الأراضي الزراعية لغرض البناء، وتضاعفت المشكلة مع إحتكار البلديات للأراضي وفرض أسعار إدارية ساهمت في إنتشار المضاربة، وقد سمح قانون التوجيه العقاري لعام 1990 المدعم من قبل قانون المصادرة بفتح سوق عقارية وتأطير عملية تجنيد العقار الموجه للبناء الحضري بالخصوص، وطرحت مشاكل عديدة قانونية وتقنية وإدارية منها ارتفاع سعر التنازل وثقل الإجراءات الخاصة بالحصول على حق الملكية، وضعف التغطية التقنية، لكن المشكل الأبرز هو ظهور مضاربة واسعة ومنظمة تمارسها مجموعات مصالح تقوم على إستغلال آليات مثل استغلال الفرق بين السعر الحقيقي للأرض وسعر الدولة المدعم وتحويل مختلف أشكال المساعدة التي تقدمها الدولة لتشجيع البناء الذاتي للفئات الاجتماعية ذات الدخل الضعيف مثل المساعدات غير المباشرة المرتبطة بأشغال التهيئة أو المساعدات المالية المباشرة التي تتراوح بين 120و 350 ألف دينار إستنادا إلى مستوى الدخل وهي غير قابلة للتسديد، والشكل الأكثر إنتشارا للاحتيال على القانون هو إستخدام الأسماء المستعارة والزوجات والأبناء والأسماء الصورية والمتوفين، لتنطلق بعدها عمليات السمسرة للبيع بأسعار تفوق 4 إلى 10 مرات السعر الأصلي، كل هذا يضاف إليه تحويل جزء من الأراضي خصصت لتشجيع الإستثمار وأدرجت بطرق احتيالية وغير قانونية ضمن قوائم المساحات المخصصة لبناء المساكن، هذه الأشكال من التحويل وغيرها سمحت بخلق سوق موازية للعقار ومضاربة قلصت فرص الاقبال على الإستثمار في الجزائر. تعقيدات تقنية من جانب آخر، حاول النص القانوني الجديد المعتمد من قبل الوكالة الوطنية لتهيئة الإقليم تجاوز إشكاليات عديدة في مجال تسيير العقار من الناحية الإجرائية إذ أن إنشاء منطقة نشاط صناعي مثلا سيرتبط برخصة مسبقة تمنح من قبل السلطات المحلية أي المجالس البلدية والولائية أو الولاية، على ألاتتجاوز مساحتها 10 هكتار أما إنشاء منطقة صناعية فتظل من صلاحية وزارة الصناعة. ويشترط ألا تقل مساحتها عن10 هكتارات ولكن لم يتم هنا تحديد حد أقصى لمساحة المنطقة الصناعية، ويرتقب أن يتم تكليف هيئات خاصة تسند لها مهمة التسيير وتضم المتعاملين والمستثمرين وممثلي الإدارة المركزية، هذه التدابير يمكن أن تخفف من ثقل إرث ملف العقار الذي ارتبط دوما باعتبارات سياسية وذاتية أكثر منها اقتصادية وموضوعية، فإذا كانت الأطر القانونية قد ركزت على التسهيلات الممنوحة للمستثمرين فإن الواقع كان دوما يخالف هذه الأطر القانونية، ففي مناطق النشاط الصناعي مثلا وهي الفضاءات الصناعية التي يتم إنجازها من قبل الجماعات المحلية (البلديات والولايات)، تبدو الثغرات جليا في عدم تهيئة هذه المساحات التي تبقى بعيدة عن المواصفات وأدنى المقاييس الخاصة بقنوات المياه الصالحة للشرب وتصريف المياه والكهرباء والطرق، والأهم من ذلك تحويل مساحات عديدة لصالح مشاريع إنجاز سكنات وعقارات تجارية، وقد عرفت مناطق عديدة تأخرا كبيرا لا سيما تلك التي أقامتها البلديات قبل صدور القانون الخاص بالتوجيهات العقارية، ويكمن التأخر في عملية نقل هذه المناطق للوكالات العقارية المؤهلة على الرغم من دفع المستحقات من قبل المستثمرين، وفيما سجلت الهيئات المختصة خلال السنوات الماضية تناقصا للمساحات القابلة للإستغلال خاصة في محيط المدن الكبرى شمال البلاد، ظلت عقارات عدد من الشركات التي أوقفت نشاطها وحتى تلك التي تم حلها نهائيا بسبب الافلاس أو لعامل آخر، غير مستغل لسنوات، وبقي الغموض يكتنف مسألة تسيير العقار في مجال يخضع لمضاربات عديدة كما كشف عنه آخر تقرير للوكالة الوطنية لتهيئة الإقليم، فالمناطق الصناعية التي تم إنشاؤها وتسييرها بمقتضى منشور وزاري صدر عام 1975، كانت تخضع لإجراءات محددة وواضحة نظريا فبعد الدراسة الأولية يتم تشكيل ملف خاص وبإقتراح من الوالي يتخذ الوزير المكلف بالعمران قرارا بإنشاء المنطقة الصناعية لتتبعها عمليات تهيئة وتقدير الكلفة والتمويل ليتم بعدها الإنجاز ببيع قطع الأراضي المهيأة بقرار من لجنة خاصة يترأسها الوالي، لكن الواقع كشف تناقضات عديدة من بينها الإختلالات المسجلة بفعل تعدد الهيئات المكلفة بمنح قطع الأراضي، فإلى جانب الولاية قدمت البلديات والهيئات المكلفة بالإنجاز ووصاية المؤسسات العمومية قطع أراض دون تحديد مضبوط للمساحات ودون مراعاة طبيعة النشاط بل وحتى دون تحديد نوع مشاريع الإستثمار المزمع اقامتها على تلك المساحات مما أدى إلى تفاقم ظاهرة المنازعات والاحتلال غير العقلاني للفضاء الصناعي وأضفى عليها طابع العشوائية والإرتجالية وسجلت عدة حالات لمستفيدين لا يمتلكون شهادات أو عقود ملكية ونزاعات جراء التعديل المستمر لسعر التنازل، وسجلت حالات إستفادة بشهادة أو وثيقة إدارية مسلمة من قبل الولاية، فيما لم يتم إنجاز أي مشروع على هذه القطع، ومازاد الوضع تعقيدا غياب أي إجراءات قانونية ردعية أو تدابير زجرية وعقابية في مستوى المخالفات المسجلة وهذا التساهل زاد من حجم المضاربة على العقار. عقارات معطلة ومن بين التدابير القانونية المتخدة صياغة مشروع قانون يسير عملية التسوية ويحدد شروطها من خلال إنشاء وكالة وطنية لترقية المناطق الصناعية وضبط العقار وقد قدمت مسودة القرار لرئاسة الحكومة وتبع ذلك إجراءات جديدة أعلن عنها مجلس الحكومة في بداية يناير الماضي تتعلق بتصفية لجان الدعم وترقية الإستثمارات وهي الهيئة المهتمة بالإستثمار محليا وتعويضها بفروع تابعة للوكالة المذكورة. وتأتي الإجراءات الجديدة في سياق محاولة إحداث تغييرات هيكلية على آليات وأنماط التسيير الإداري المرتبط بالإستثمار، وتحسين المحيط الإقتصادي والضمانات القانونية المرتبطة بهذا المحيط فضلا عن محاولة تسوية أهم ملف مرتبط بالإستثمار هو العقار، كما تتزامن مع قرارات أخرى تضمنها الأمر المتعلق بتطوير الإستثمار المؤرخ في 20 أغسطس 2001 والمرسوم الخاص بإنشاء وتنظيم الوكالة الوطنية لتطوير الإستثمار بعد حل الوكالة الوطنية لترقية ودعم الإستثمار التي كانت الجهة المسئولة عن دراسة الملفات والمشاريع وتصنيفها وتقديم التسهيلات اللازمة من الجوانب التقنية والقانونية والجبائية وما اليها. تدابير لحل المعضلة وفي انتظار تقديم مشروع القانون الجديد لمجلس الوزراء ومناقشته من قبل البرلمان خلال السنة الجارية يتم التحضير على مستوى وزارة الصناعة لتطبيق التدابير القانونية الخاصة بالعقار، لا سيما الوكالة الوطنية لترقية المناطق الصناعية وضبط العقار التي يرتقب أن تسند لها مهمة تسوية ملف العقار من خلال إنشاء فروع ترث ملفات وأصول لجنة دعم وترقية الاستثمار إلى جانب لجان محلية لتسوية ملفات العقار العالقة. ومن بين التدابير التي يمكن في حالة تطبيقها إيجاد حل جزئي لمشكل العقار الصناعي الإقتراح الذي تضمنه مشروع القانون الجديد والمتمثل في تحديد مدة إلزامية لإستغلال قطع الأراضي الممنوحة والتي حددت ما بين سنتين وخمس سنوات غير قابلة للتمديد، إذ تمنح هذه الفترة الزمنية للمستثمر لإنجاز مشروعه واذا لم يتقيد بالتزاماته عند نهايتها تنتزع منه الأرض بعد اشعار رسمي لتوزع على غيره، وترمي هذه التدابير إلى تفادي تجميد العقار أو تحويله إلى مشاريع غير تلك المحددة سلفا كما حدث مرارا. وقد واجه العديد من المستثمرين صعوبات حقيقية في الحصول على قطع الأراضي لمحدودية العرض، في الوقت الذي تبقى فيه مساحات واسعة غير مستغلة، وعلى من الإجراءات المتخذة منتصف العام الماضي في أعقاب اجتماع مجلس الحكومة تحت دراسة أحمد بن بيتور في مايو 2000 من خلال إصدار عقود ملكية لبعض المستفيدين من القطع والعقارات لإقامة مشاريعهم الصناعية والتي اندرجت في اطار برنامج لإعادة تأهيل المناطق الصناعية ومناطق النشاط الصناعي، إلا أن النتائج ظلت محتشمة فالعديد من المستثمرين لم يدفعوا مستحقاتهم المالية، فيما سجل تأخر كبير في تسليم عقود الملكية.