مع تزايد وتسارع خطى الحكومة اليمنية للانضمام الى منظمة التجارة العالمية تتزايد المخاوف من الانعكاسات السلبية على اليمن الناجمة عن التحولات والمتغيرات الحتمية، لانضمام اليمن الى هذه المنظمة ولان الترتيبات جارية لاندماج اليمن في الاقتصاد العالمي وفق اشتراطات هذه المنظمة ومعاييرها كخيار لا رجعة عنه أو كما يقول البعض كشر لابد منه يبقى البحث عن السبل والطرق الكفيلة لتخفيف انعكاسات وآثار انضمام اليمن الى هذه المنظمة هو المتاح والممكن، وهو ما برز جليا خلال السنوات الاخيرة التي تميزت بتزايد الملتقيات والندوات والمؤتمرات المكرسة لبحث وتدارس هذا التحول والمتغيرات والاثار الناتجة عنه لاسيما على القطاع الخاص بكل مكوناته وفعالياته والذي سيغدو امام منافسة شرسة يتعين عليه الاستعداد لها من الآن. ويرجع تواصل اليمن مع سكرتارية منظمة التجارة العالمية الى مارس من العام 1998على هامش ملتقى منتدى القمة الاقتصادية العالمية في امارة موناكو بين وزير الصناعة اليمني ومدير عام المنظمة ومنذ ذلك الحين توالت الخطوات اليمنية بدءاً بتشكيل لجنة وزارية في العام ذاته من قبل وزارة التموين والتجارة ووزارة الصناعة ووزارة التخطيط والتنمية والبنك المركزي والزراعة والشئون القانونية وتوسعت اللجنة لتضم ممثلين عن القطاع الخاص وبعد الخوض في الاعداد للتفاوض بين الاطراف المكونة للجنة الوطنية للاعداد والتفاوض قدمت الحكومة اليمنية طلب الانضمام الرسمي للمنظمة بتاريخ 22 مارس 2000م بناء على قرار مجلس الوزراء رقم 82 لعام 2000م وعمم الطلب على كافة اعضاء المنظمة في 14 ابريل من العام ذاته واقر طلب انضمام البعض الى منظمة التجارة العالمية بالاجماع خلال جلسة المجلس العام للمنظمة بتاريخ 17 يوليو 2000م. وتقوم اللجنة الوطنية للتفاوض باعداد المذكرة الخاصة بالانضمام وتقديمها بصورة نهائية في غضون الشهرين المقبلين وفقا لتأكيد نجيب عبدالقوي رئيس مكتب الاتصال والتنسيق مع منظمة التجارة العالمية ما يعني ان اليمن باتت قريبة من عضوية المنظمة وعلى وشك الانخراط فيها مما يعني فتح اسواقها وتحرير اقتصادها وفق اشتراطات ومعايير الانضمام وما يتربت عليه من ضرورة الاندماج في الاقتصاد العالمي. ولما كانت اليمن من البلدان الاقل تحولاً في العالم والاكثر فقرا فإن الانضمام الى منظمة التجارة العالمية سيترتب عليه تبعات ومضاعفات على اوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية وتختلف وتتباين التعميمات لحجم الاثار والمخاطر المترتبة عن هذه المتغيرات على ان اكثرها حضوراً دور منظمات اصحاب الاعمال في مواجهة هذه المتغيرات وحدود الشراكة بين القطاع الخاص والدولة في مواجهة تطورات الانضمام للمنظمة وافرازاته. وخلال ندوة نظمها الاتحاد العام للغرف التجارية والصناعية مؤخراً بالتعاون مع منظمة العمل العربية وكرست لتدارس وبحث هذا الموضوع عبر المشاركون عن تصوراتهم ورؤاهم للاستعداد لهذه المتغيرات. قال عمر باشموس رئيس الغرفة التجارية والصناعية في عدن لابد من توافر شروط للشراكة بين القطاع الخاص والدولة مشيراً الى انه لا يمكن بلوغ ذلك في ظل معوقات تعارف المختصون على تسميتها بمؤشرات التنمية البشرية التي تجعل اليمن من البلدان ذات التنمية المنخفضة وفقا لتقارير التنمية البشرية التي صنفتها في المرتبة 135 عام 1995م والمرتبة 142 في عام 1996 والمرتبة 151 عام 1997م وهذه المؤشرات تؤكد عدم كفاية الجهود التي تبذلها الدولة وان الانخفاض في مستوى الدخل وعدم الكفاءة في توزيع واستخدام الموارد العامة قد عكس نفسه على تدني مستوى المعيشة والخدمات التي تقدمها الدولة. وبالنتيجة لابد من العمل على اقامة المؤسسات والمشاريع الصغيرة وتوفير القروض اللازمة مع تطبيق مبدأ الثواب والعقاب للحد من الفساد والتسيب السائد وسط الهيئات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية وكذا العمل على تقنين علاقة الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص وتجسيد ذلك في التشريعات ومنها قانون الغرف التجارية واتحادها العام الذي سيقدم لمجلس النواب للمصادقة عليه. وطالب باشموس ان تقف الدولة بحزم مع التعامل العابث بالارض وترسيخ مفهوم جدية جوهره ان الارض للانتفاع العام ولاغراض الاستثمار الذي يوفر فرص عمل للعاطلين ولمخرجات التعليم المتزايدة. واشار رئيس الغرفة التجارية والصناعية في عدن الى ما ورد في السياسة العامة للحكومة اليمنية مثمنا المرتكزات التي ستقوم عليها هذه السياسة كما اوردها البرنامج الحكومي وتوجيهات القيادة السياسية مضيفا ان الشراكة بين القطاع الخاص والدولة تستمد ديمومتها من دولة تمثلها مؤسسات قوية وقطاع خاص متحرر من القيود ومؤسسات مجتمع مدني فاعلة ومن شراكة شعبية على مستوى الوحدات الادارية للدولة لانها من مهام المجالس المحلية ودعا باشموس الى ترسيخ دولة النظام والقانون لمواجهة التحديات الدولية وتجفيف منابع الفساد في اجهزة الدولة وتفعيل قانون السلطة المحلية وان تتخلى الدولة عن مركزيتها الشديدة في التعامل مع المحافظات وان تمنحها الصلاحيات في انجاز المعاملات من خلال المحافظ وان تمهد الدولة امام القطاع الخاص للدخول في شراكة اقليمية، من جهته تناول الدكتور داود عثمان من جامعة صنعاء كلية التجارة والاقتصاد تأثير المتغيرات الدولية الراهنة على اداء قطاعات الاقتصاد الوطني مشيرا الى ان الحكومة اليمنية بذلت بعض الجهود لمواكبة المتغيرات الدولية والنتائج المترتبة عنها مثل برنامج الاصلاح الاقتصادي الذي شرعت في تنفيذ العام 1995م وحقق توازنات مالية واقتصادية تمثلت في تقليص العجز الموازني وكبح التضخم وتحقيق توازن في ميزان المدفوعات وانه رغم الفترة القصيرة استطاع برنامج الاصلاح الاقتصادي ان يضع الاقتصاد اليمني في المسار الصحيح ويخلق ظروفاً جديدة للنمو والتطور خالية من مشكلة التضخم الذي يضر بالاستثمار ومناخه واستطاع اعادة الثقة بالعملة الوطنية، مضيفا انه رغم هذه النجاحات لاسيما في تحقيق استقرار الاقتصاد الكلي وتصحيح الاختلالات لابد من رؤية محددة عبر التصدي للصعوبات والعوائق منها ضعف البنى الاساسية الهيكلية المادية والبشرية من طرق ومواصلات وطاقة ومياه وكهرباء وتعليم وصحة التي تؤدي الى ارتفاع تكاليف الانتاج وضعف القدرة التنافسية لقطاعات الانتاج الواعدة وهي الزراعة والصناعة حيث تواجه الزراعة مشاكل عدة مثل: ـ انخفاض الانتاجية في كل المحاصيل الزراعية. ـ تزايد مشكلة ندرة المياه التي تعتمد عليها العديد من المحاصيل الزراعية التصديرية مثل الخضار والفواكه نتيجة للاستنزاف الكبير لاحواض المياه الجوفية مما يهدد مستقبل انتاج هذه المحاصيل. ـ الاعتماد على وسائل الانتاج التقليدية وضعف ومحدودية استخدام الوسائل التقنية الحديثة. ـ ضعف البنى الزراعية الاساسية الانتاجية والتسويقية من طرق رئيسية وفرعية وقنوات ري وسدود ومراكز واسواق ووسائل التسويق والتخزين والنقل والتجميع والتعبئة والتغليف وغيرها من المشاكل التي تحد من توسيع الانتاج وزيادة التصدير. ومن المشاكل التي تواجه القطاع الصناعي التي يوردها الدكتور عثمان: ـ ارتفاع تكاليف الانتاج الصناعي والاعتماد على الخارج في توفير المستلزمات والمواد الخام والسلع الرأسمالية وقطع الغيار. ـ ضعف البنية التحتية للتصدير وتسهيلات خدمات تشجيع الصادرات وضعف الانشطة الترويجية للانشطة الاستثمارية والتصديرية. ـ غياب المؤسسات الائتمانية المتخصصة في دعم وتمويل الانشطة الانتاجية والتصديرية. ـ ضعف الالتزام بالمعايير والمواصفات القياسية الدولية. ـ ضعف الخبرات الفنية التسويقية والادارية وعدم قدرتها على مواكبة المتغيرات السريعة في جوانب الذوق والجودة. ويخلص داود عثمان الى القول ان تأهيل اليمن لمواجهة المتغيرات الدولية الراهنة ومواجهة تحدي المنافسة وفتح الاسواق امام المنتجات الاجنبية والموردين الاجانب للخدمات انما يتطلب توسيع الاصلاحات الاقتصادية وتعميقها والتغلب على كافة قطاعات الاقتصاد الوطني بما ينهض بهذه القطاعات ويحسن اداءها وفي هذا الصدد يدعو الى العمل على ما يلي: ـ ان يكون بعد الاندماج الدولي حاضراً واضحاً وقوياً في خطط وسياسات الحكومة في المرحلة المقبلة مع اتخاذ كافة الترتيبات والخطوات لجعل ذلك حقيقة ملموسة في الواقع العملي. توفير بيئة استثمارية جاذبة لرؤوس الاموال وتطوير البنية الانتاجية والتصديرية وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات اليمنية في الاسواق الخارجية. ـ اتخاذ الخطوات والاجراءات المشجعة لزيادة الانتاج وتنويعه والعمل بوجه سريع على اعادة هيكلة الانشطة الزراعية والصناعية والخدمية بما ينسجم مع اهداف المرحلة. ـ تطوير السياسات والاجراءات والقواعد التي تحكم النشاط الانتاجي والتصديري وتخفيض تكلفة الخدمات والمعوقات الادارية القائمة. ـ رفع مستويات التأهيل والتدريب وتنمية القدرات على استيعاب التكنولوجيا وتوفرها بما يحقق ويضمن ادارة مستدامة للموارد الطبيعية. في السياق ذاته وخلال الندوة استعرض مدير ادارة الشئون الاقتصادية بالاتحاد العام للغرف التجارية والصناعية منصور علي البشير من التحديات التي يواجهها القطاع الخاص ودور الاتحاد في معالجتها وهي التحديات والمشاكل ذاتها التي وردت في ورقة الدكتور عثمان مضيفاً اليها بعض المشاكل من واقع عمل الاتحاد وانشغالاته ومنها ما هو داخلي ومنها تحديات خارجية. على المستوى الداخلي يرى ان البنية التحتية الموجودة اليوم لا تفي بحاجة الاستخدام الحالي ناهيك عن الاستخدام المتوقع مستقبلا وبالتالي لابد ان تضع الدولة في اعتبارها مشكلة البنية التحتية للاقتصاد وتعمل على حلها عن طريق وضع الاستراتيجيات والخطط الطموحة طويلة الامد وان السلع والخدمات اليمنية محدودة كما ان معظم الدول النامية منافسة بسلع مماثلة، وهناك تعدد للاجهزة والجهات المشرفة على الانشطة الاقتصادية ينتج عنها تعقيدات بيرواقراطية وشيوع الروتين في المعاملات الحكومية ومشاكل تتعلق بالقوانين حيث هناك عدم استقرار في التشريعات وسرعة تغيرها فضلا عن تأخر اصدار بعض القوانين واللوائح التفسيرية المهمة وارتفاع الرسوم والضرائب على التجارة المنظمة والقطاع السياحي يعاني من قصور في البنية الاساسية وارتفاع تكاليف الترويج السياحي فضلا عن عمليات الاختطاف للسياح وما نتج عنه من انخفاض في عدد السياح وكذا ضعف دور تنظيمات ومؤسسات القطاع الخاص ويتمثل في محدودية ما تقوم به الغرف التجارية والصناعية في عموم محافظات البلاد والاتحاد العام من مهام وأدوار لاتلبي الاحتياجات ولا المتطلبات الفعلية للقطاع الخاص لاسيما بعد ان اسند اليه عبء النهوض بالتنمية وتخلي الدولة عن دورها الاقتصادي وهذا ناجم عن تدني حجم الموارد المالية المتاحة لهذه المنظمات وافتقارها الى الكوادر الادارية المؤهلة والمدربة وانخفاض حجم الطاقم الاداري وبالتالي الافتقار الى مستلزمات العمل المرتكزة على الانظمة والمعلومات. وعلى المستوى الخارجي يسرد مدير ادارة الشئون الاقتصادية في الاتحاد العام جملة من التحديات التي تواجه القطاع الخاص اليمني مثل التعامل مع العولمة والاندماج في الاقتصاد العالمي في ظل ازدواجية اقتصادية تتمثل في قطاعات اقتصادية مختلفة «الزراعة، الصيد» مع قطاعات اقتصادية متطورة «صناعة النفط» وقطاعات تتطلع الى التطور «الصناعة ، المؤسسات المالية» وعدم مواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة والمعاناة في عمليات الغش التجاري الخارجي في المعاملات التجارية الدولية. مقابل هذه التحديات المطروحة على القطاع الخاص اليمني يبرز الدور المحدود للاتحاد العام للغرف التجارية والصناعية في حل هذه المشاكل نظراً لكونه هو الآخر يعاني من صعوبات ومشاكل تحد من قدراته في الاضطلاع بدوره المأمول مثل شحة الموارد المالية والسبب هو توقف ايراداته منذ ثلاث سنوات الامر الذي اثر على دوره الاقتصادي والفني كمنظمة اساسية لهذا القطاع مشيراً في هذا الصدد ان الاتحاد رغم الظروف التي يواجهها مازال يقوم بدوره في التصدي لبعض المشاكل التي تواجه القطاع الخاص عبر تواصله مع الحكومة والجهات ذات العلاقة والبحث عن فرص لتسويق المنتجات اليمنية وحل المشاكل التي تنشأ بين رجال الاعمال وبالاخص مشاكل الوكالات والعلاقات التجارية غير ان منصور البشيري يرى انه من اجل تحقيق الهدف الرئيسي من وجود الغرف التجارية والصناعية واتحادها العام وهو حماية مصالح القطاع الخاص خاصة في ظل المتغيرات الدولية والاقليمية لابد من اعادة هيكلة الغرف والاتحاد وبما يتواكب مع المتغيرات العالمية الراهنة.