أثارت قضية السماوات المفتوحة وحق إستخدام الفضاء بين الدول بعضها البعض العديد من الإنتقادات والتساؤلات حول حدود العلاقة بين الإستخدامات المختلفة للفضاء سيادة الدول وعن إمكانية إطلاق حرية النقل الجوي في مصر وقدرة المطارات المصرية على استيعاب ذلك نظم مركز بحوث الدول النامية مؤتمرا حول (السماوات المفتوحة ومستقبل النقل الجوي) شارك فيه العديد من الخبراء في قطاع النقل الجوي وأساتذة الاقتصاد والسياسة. واوضح اللواء ممدوح حشمت رئيس الهيئة المصرية للرقابة على الطيران المدني مؤكدا في كلمة ألقاها نيابة عن وزير الطيران المصري أن الحقوق المرتبة على النقل الجوي تعد ثروة قومية تماثل قناة السويس في مستوى الدخل والإيرادات مشيرا إلى أن إطلاق حرية النقل الجوي تقوم من خلال إتفاقيات ثنائية أو متعددة وهي تعني تبادل الحقوق والمنفعة وذلك له أحكام لا يجب أن تضر بمصالح أي جانب حيث يسعى كل طرف من خلال الإتفاق على تحقيق فائدة معينة وبما يتطلب دراسة جدوى اقتصادية لتلك الإتفاقيات لحساب الأرباح والخسائر. وأشار اللواء حشمت إلى أن فتح السماوات سيجعل المنافسة شرسة وصعبة ولابد من وضع قواعد لهذه المنافسة وتكون معلنة فضلا عن وجود جهاز رقابي تقبله كل الأطراف وأضاف بأن الولايات المتحدة وقعت إتفاقيات للسماوات المفتوحة مع 11 دولة أفريقية بعضها لا يوجد لديه مطارات وقال أن مصر حين أطلعت على هذه الإتفاقيات اكتشفت أنها مجحفة للغاية وتحفظت على كثير من بنودها. بينما أكد د. خيري الحسين رئيس المجلس التنظيمي للنقل الجوي لدول الكوميسا أن تعبير السماوات المفتوحة بدأ في عهد الحرب الباردة ودعت إليه أمريكا في مؤتمر شيكاغو سنة 44 لتنظيم أمور النقل الجوي بين الدول بعد إنهاء الحرب وكانت تهدف إلى تحقيق مصلحة ذاتية ثم طفت هذه الفكرة إلى السطح مرة أخرى في عام 89 في عهد الرئيس بوش وقد إنتقل هذا الشعار إلى بعض أوساط الطيران المدني في العالم النامي رغم ما يحمله من مخاطر جسيمة على مصالح وشركات الطيران التابعة لهذه الدول والتي تعد في موقف تنافس ضعيف بالمقارنة بشركات الطيران القوية التابعة للدول الكبرى. وقال د. الحسين أن مصر تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع العديد من المتغيرات وتحديد الاستراتيجية التي يلزم إتباعها في كل منطقة لتنفيذ خطوات تحرير النقل الجوي حيث أن سوق النقل الجوي المصري يرتبط في تشغيله الأساس مع سوق النقل الجوى في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية لذلك يلزم التعامل مع تلك المتغيرات الجديدة التي تنشأ في هذه الأسواق فضلا عن أن مصر تلعب دورا قياديا في العالمين العربي والأفريقي ولذلك يجب عليها أن توجه الاحداث وترسم استراتيجية لتنفيذ المقررات التي إتخذت من التجمعات المسئولة عن الطيران المدني في العالمين العربي والأفريقي بتحرير الأجواء بين الدول الداخلية في كل منهما كما يتطلب ذلك زيادة القدرة التنافسية لمؤسسة مصر للطيران حتى تصل إلى وضع تنافسي معقول إزاء شركات الطيران الكبيرة في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية في ظل أوضاع المنافسة الحرة التي تتجه إليها سياسة تحرير النقل الجوي. وأضاف أنه لن يتحقق ذلك إلا بقيام شركة مصر للطيران بتوفيق أوضاعها وتحسين أوضاع التشغيل الخاصة بها عن طريق العمل على خفض تكاليف التشغيل والتي ارتفعت نسبيا مقارنة بشركات الطيران الكبيرة في أوروبا وأمريكا ويتم هذا من خلال دعم الاسطول الجوي بالطائرات الحديثة، ودعم شبكة الطيران الجوية عن طريق تعديل إتفاقات النقل الجوي القائمة بحيث تتضمن خطوطا جوية مناسبة من الناحية الاقتصادية والفنية، بالإضافة إلى دعم التسويق عن طريق التوسع في الدعاية والاعلان والاستعانة بالمكاتب السياحية بالخارج وكذلك رفع الكفاءة الإنتاجية للقوى العاملة عن طريق الاستعانة بالعمالة ذات الخبرة والكفاءة العالمية في مجالات الطيران المختلفة ويضيف د. حشمت الحسيني أن الشركة خطت خطوة هامة في طريق تطور أوضاعها ولكن مازال أمامها الكثير من ناحية الاهتمام باختيار القوى العاملة بالشركة وتدريبها ويشير إلى أن الهيئة المصرية العامة للطيران المدني التي حلت محلها مؤخرا الهيئة المصرية للرقابة على الطيران المدني قد تلقت طلبا من المملكة المتحدة للدخول في مفاوضات بغرض تحرير النقل الجوي بينها وبين مصر وقد تصرفت الهيئة بحكمة حيث أجلت الدخول في هذه المفاوضات لبعض الوقت حتى يتسنى لها وضع سياسة محدودة لتحرير النقل الجوي تقرها السلطات العليا في الدولة وتطبقها الهيئة من خلال دولة أو مجموعة من الدول تطلب تحرير النقل الجوي مع مصر، ويري أن القدرة التنافسية لمصر للطيران تتساوى مع القدرة التنافسية لعدد قليل من شركات الطيران الأفريقية والعربية وتتفوق على باقي الشركات بالمنطقتين وهذا يدعو إلى فتح الأسواق مع هاتين المنطقتين ويؤكد د. الحسين أن المعيار الأخر الذي يجب الإستناد إليه في تحرير النقل الجوي هو حجم سوق النقل الجوي للدولة أو لمجموعة الدول المراد تحرير النقل الجوي معها ويجب أن يكون حجما مناسبا وسوقا واعدا وأن تكون احتمالات التشغيل لمصر للطيران فيه جيدة وذات عائد معقول على أقل تقدير وهذا الشرط يتوافر في أسواق النقل الجوي بالولايات المتحدة وأوروبا الغربية على عكس المنطقتين الأفريقية والعربية فحجم السوق المناسب لا يتوافر إلا في القليل من دولهما التي يمكن تبادل تحرير النقل الجوي معها مثل السعودية بالمنطقة العربية، ونيجيريا بالمنطقة الأفريقية. وعن الجوانب القانونية لسياسات السماوات المفتوحة ومدى إستخدام الفضاء وعلاقة ذلك بمبدأ سيادة الدولة أكد الدكتور أحمد الرشيدي أستاذ القانون الدولي بكلية الاقتصاد أن القواعد القانونية المنظمة لاستخدامات الفضاء الجوي في تطبيقاته الوطنية إنما هي قواعد حديثة النشأة فرضتها ضرورات التعاون الدولي ليس فقط لتعظيم المكاسب المشتركة وإنما لتوخي المخاطر وتوفير أكبر درجة ممكنة من الأمان لهذا المرفق الهام. وأضاف بأنه منذ ظهور نظام الطيران وقواعده القانونية الحاكمة تنازع مواقف الدول إتجاهان رئيسيان فيما يتعلق بنطاق سيادة كل دولة على سماواتها أو على إقليمها الجوي الإتجاه الأول وتمثله بعض الدول الكبرى كالولايات المتحدة ويقوم على المناداة بوجوب فتح سماوات الدول كافة امام حركة الطيران (غير الحربي) باعتبار أن هذه السماوات ما هي إلا تراث مشترك للإنسانية والإتجاه الأخر وتعبر عنه الغالبية العظمى من الدول وبخاصة الصغرى منها ويؤكد على وجوب التسليم لكل دولة بسلطانها على سماواتها باعتبار أن مصلحة دولة الإقليم هي التي يجب أن تكون دوما أولى بالرعاية. وقال د. الرشيدي ان هناك وجهة نظر توفيقية بين الإتجاهين والتي تنادي بضرورة إخضاع الفضاء الجوي لسلطان دولة الإقليم ولكن مع جواز وضع قيود معينه عليه لصالح دعم مرفق الطيران المدني الدولي وتعزيز خدمة للمصالح المشتركة للإنسانية عموما ومشيرا إلى أنه برغم أن الولايات المتحدة قامت بإعادة النظر في القيود المفروضة على الطيران التجاري داخل إقليمها وشرعت في التفاوض لابرام إتفاقات سماوات مفتوحة مع بعض الدول الصغرى لاستخدامها في الضغط على الدول الأخرى ذات الوزن النسبي الأكبر فانها ماتزال ترفض مبدأ فتح سماواتها هي أمام حركة الطيران القادمة من الدول الأخرى وتحرص على جعل الإستخدام الحر لهذه السماوات مقصور على الحركة الضخمة للشركات الأمريكية والموزعة على مختلف المطارات الداخلية بها والتي تزيد على 700 مطار وأمريكا تستأثر وحدها نسبة 42% من حجم النقل الجوي على مستوى العالم. ويرى د. الرشيدي أن هناك معوقات لتطبيق سياسة السماوات المفتوحة أهمها الرفض القاطع من جانب الدول المتضررة أيضا الدعم الحكومي للشركات الوطنية العاملة في مجال النقل الجوي حيث تزيد هذه المساعدات من قدرة هذه الشركات على المنافسة وتحديث أسطولها الجوي وتغطية خسائرها فضلا عن ان بين المعوقات قوانين حماية البيئة حيث ينظر إلى القوانين والتشريعات البيئية التي دأبت كثير من الدول على إصدارها مؤخرا بأنها تشكل أحد المعوقات الرئيسية التي تقلل من فرص النجاح أيضا من الوضع الراهن للبنية التحتية لبعض المطارات يعوق تطبيق سياسات السماوات المفتوحة فكثير من الدول وخاصة دول الجنوب ليس لديها بنية تحتية لمطاراتها تسمح لها بالتجاوب مع التوجهات التي تفرضها ضرورات الأخذ بهذه السياسات وتتم كذلك لا تتحمس هذه الدول لفكرة القبول بناقلين جدد إلى مطاراتها. واضح أنه لابد من الأخذ بفكرة التنظيم المقيد للمجال الجوي ومؤكدا أن من مظاهر السيادة أن الدولة تحب أن يكون لها شركة طيران تحمل اسمها وعلمها ويحذر القائمين على مستقبل مصر للطيران من خصخصة الطيران وإخضاع المؤسسة لسياسة الخصخصة وقال أنه يجب أن يتم تنظيم المجال الجوي في إطار عربي كما فعلت دول الإتحاد الأوروبي وأن تبقى مصر للطيران كأحد الرموز الوطنية وأن تسعى الدولة لتعظيم قدرتها التنافسية. يختلف مع تلك الرؤية زهير حسن عرفة مستشار النقل الجوي لشركة سكوربيو للطيران مؤكدا أن مؤسسة مصر للطيران ظلت لفترة طويلة وفي غياب وجود شركات طيران مصرية خاصة تمارس عمليات النقل الجوي الدولي بنوعيه المنتظم وغير المنتظم ولكن مع سماح الدولة بالقيام بعمليات النقل الجوي غير المنتظم للركاب والبضائع تأسست شركات طيران مصرية خاصة رخصت لها الدولة ولكن لم ترخص لها بعمليات النقل الجوي المنتظم الا في أضيق الحدود الأمر الذي يعني أن الدولة مازالت تبسط حمايتها على مؤسسة مصر للطيران وقامت بالتفرقة بين المؤسسة الوطنية وشركات الطيران الخاصة وحددت قواعد بحيث تسمح للطيران العارض المنطلق من أي مدن أجنية بالهبوط في جميع المطارات المدنية بالجمهورية بلا أي قيد فيما عدا مطار القاهرة الدولي وبذلك تضمنت القواعد قيدا على الشركات. وحول وضع الشركات الخاصة في مصر أكد د. عرفة ان خلال العقد الماضي تم الترخيص لـ 25 شركة طيران خاصة في كافة أنشطة الطيران سواء النقل الجوي للركاب، البضائع، التاكسي الجوي والطيران العام إلا أن أغلب هذه الشركات تعثرت وواجهت صعوبات ومشاكل مختلفة أدت إلى توقف بعضها مما دفع سلطات الطيران المدني إلى الغاء ما يقرب من 11 ترخيص لهذه الشركات المتعثرة وأرجع أسباب التعثر إلى عدم توفر السيولة اللازمة للإستثمار في مجال صناعة النقل الجوي وهي صناعة بطبيعتها تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة لارتفاع أثمان الطائرات وقطع التيار وأسعار الوقود إلى جانب عدم تحمل المستثمرين لخسائر التشغيل في المراحل الأولى من التشغيل لان الاستثمار في هذا المجال لا يدر أرباحا إلا بعد عدة سنوات، بالإضافة إلى ضعف إمكانيات التشغيل حيث أن كل شركة لا تعمل إلا بطائرة أو طائرتين فقط مما يقلل من إمكانياتها في النقل ولا يمكنها من تنفيذ تعهداتها بنقل مجموعات بصفة منتظمة ولفترات طويلة إلى جانب غياب التكامل بين الشركات والتنسيق فيما بينها تجاريا وتسويقيا مما جعل اعتماد كل شركة على إمكانياتها يزيد من تكاليف تشغيلها كما نتج عن ذلك قيام بعض الشركات بشراء واستئجار طائرات غير مناسبة لخطوط التشغيل أو قيام بعضها يخفض الأسعار مما نتج عن خسائر جسيمة لها أدت إلى إفلاسها. ويؤكد د. عرفة أن أوضاع شركات الطيران الخاصة في مصر تشير إلى ضعف إمكانياتها ويظهر ذلك في عدم قدرتها عند المشاركة على الحصول على نصيب عادل من الحركة الجوية لمصر فنصيب شركات النقل الجوي بما فيها مؤسسة مصر للطيران بلغ في التسعينات ما يقرب من 35% من إجمالي حركة الطيران العارض في مصر وهذه النسبة تضاءلت في السنين الأخيرة إلى 20% فقط والمفروض أن يصل نصيب هذه الشركات من الحركة الجوية الإجمالية لمصر إلى 50% أو أكثر. ويشير إلى العقبات التي توجه شركات الطيران المصرية الخاصة ومنها عدم السماح الشركات الخاصة بتقديم الخدمة الأرضية للغير، وغياب التنسيق التجاري والتسويقي بين شركات الطيران المصرية الخاصة فضلا عن التعليمات غير المعلنة لجميع البنوك بعدم تمويل نشاط الطيران للقطاع الخاص في الوقت الذي سارعت فيه حكومات دول العالم الثالث أثر أحداث 11 سبتمبر بتغطية التأمين لمخاطر الحرب لصالح الطرف الثالث لإرتفاع تكلفتها إلا أن الحكومة المصرية قامت بهذه التغطية لصالح طائرات مؤسسة مصر للطيران فقط، فضلا عن إرتفاع أسعار الوقود ومحاسبة مصر للطيران بأسعار خاصة كذلك يتم أعفاؤها من بعض الرسوم على الوقود دون غيرها من الشركات.
