في بداية القرن التاسع عشر كانت الامة العربية على مشارف التهميش نتيجة للحكم العثماني المملوكي الذي سيطر على مقدرات المنطقة العربية في القرن الثامن عشر، وبعد تضاؤل نفوذ أسرة محمد علي التي كانت تعمل على السيطرة الكاملة على الأمة العربية، والانطلاق منها الى أوروبا والدول الاوروبية التي تحالفت على وقف تقدم محمد علي وحصرته في حكم مصر والسودان فقط، بعد ان وصلت الى المشرق والمغرب الكبير والى حدود تركيا. في ذلك الوقت بدأت الامة العربية تنهار، وساعد انهيارها على سيطرة الاستعمار الأوروبي (انجلترا وفرنسا وايطاليا) على اجزاء كثيرة في الدول العربية وكان الهدف واضحا امام كل الأطراف، وهو امتصاص ثروات هذه المنطقة العربية التي لم تكن كبيرة في ذلك الوقت ولكنها كانت تطمع في اكتشاف ثروات جديدة، وكادت تظهر في الافق حينئذ الثروة البترولية التي تسابق العالم من اجل الحصول عليها، بالاضافة الى أهمية المنطقة العربية السياسية والبشرية وموقعها الجغرافي وقربها من الدول الأوروبية وسهولة وسائل المواصلات اليها بالنسبة لنقل مايحتاجون اليه من المادة الخام واعادة تصديرها في شكل سلع مصنعة الى الدول العربية باعتبارها السوق الرئيسي لهذه المنتجات. ووسط هذا المناخ قامت الحرب العالمية الأولى ووعدت انجلترا اسرائيل بمنحها أرض فلسطين (وعد بلفور) وتولى امر الدول العربية حكومات ضعيفة تحالف زعماؤها مع الاستعمار من أجل البقاء، كما خلق الاستعمار طبقة من الاصدقاء العرب له ومنحهم مزايا تجعلهم الاثرياء الدائمين الذين يقفون معه ضد القوميين العرب والمواطنين، وارسل كثيرا منهم للدراسة في مدارسهم الأجنبية وجامعاتهم وسقاهم ثقافته البعيدة عن الثقافة العربية الاصيلة ووضعهم في مراكز سلطوية كبيرة وبما يمكنهم من ادارة أمور البلاد العربية لصالحه باعتبارهم مدينين له بالولاء - مع بقاء النسبة الغالبة من السكان حوالي 90% في معيشتهم المتدنية عند حد الكفاف والفقر المطلق وكان الوضع الحقيقي الذي يعيش في ظله أغلب السكان العرب الفقر والجهل والمرض. بذلك وضع الاستعمار الغربي للمنطقة العربية وللحفاظ على مصالحه بها وحصوله الدائم على ثرواتها مخططا يقوم على قاعدتين: اسرائيل، وطبقة موالية له داخل الشعوب العربية، وهما قاعدتان رأى انهما كافيتان لاستمرار سيطرته العسكرية والاقتصادية على هذه المنطقة بحيث يمكنه التصدي عن طريقها ضد أي تحركات قومية واعية تعرف حقيقة خطواته وتخطيطه الاستعماري السائد حينئذ والمعد سلفا لمستقبل هذه الأمة، وهو ماحدث بالفعل فيما بعد ومازال اثره السيئ والسلبي الذي يعم هذه البلاد العربية قائما. لقد كان للاستعمار العسكري والأوروبي عدد من الأهداف من بينها: - ان تكون المنطقة العربية ضعيفة ولا يقوم لها شأن فعال كما حدث في بداية حكم محمد علي عندما قاد ابنه ابراهيم جيشا عربيا الى تركيا وكاد يصل الى اليونان استعدادا للاستيلاء على كل أوروبا واسترداد الهيبة العربية التي اضاعها الحكم العثماني وحكم المماليك الفوضوي. - ان تستمر الدول العربية في ضعفها ممايتيح للدول الأوروبية والولايات المتحدة التي ظهرت قوتها في القرن الثامن عشر امتصاص ثرواتها بطرق عديدة وذلك عن طريق الاحتلال العسكري في البداية والذي كان قائما وقت وضع هذا المخطط، وكذلك الاحتلال الفكري الذي يجعل قادة الشعب العربي، مقتنعين بأهمية التوقيع على اتفاقية ثنائية وجماعية ودولية ويكون للاستعمار فيها النصيب الأكبر من المكاسب حتى ولو كانت حصيلتها النهائية تدهور الأوضاع الاقتصادية في المنطقة العربية واستمرار أوضاعها الاجتماعية المتباينة على ماهي عليه! - إمكان تنفيذ الخطة الاقتصادية الأوروبية التي امتدت حاليا لتكون خطة لأغلب الدول المتقدمة ضد الدول النامية ومن بينها الدول العربية وتنطلق هذه الخطة من محدودية موارد العالم وان تنمية سكانه تأتي بأقل من الزيادة السكانية العالمية، وان ماتحصل عليه الدول المتقدمة سيتناقص نسبيا طالما حصلت الدول النامية على نصيبها الكامل، وبالتالي سيتناقص مستوى معيشة المواطن في الدول المتقدمة، وهذا ما لا ترضاه النسبة الغالبة في كثير من الدول وهم الذين يعملون على استمرار الوضع الحالي في الدول النامية دون تنمية حتى لا يتناقص مستوى نصيبهم الاقتصادي في الدخل القومي العالمي. وبعد انسحاب الاستعمار العسكري الأوروبي من المنطقة العربية امام كفاح مرير للقوميين العرب الذين استشهد عدد كبير منهم في أغلب الدول العربية رأى الاستعمار تغيير خطته ومراجعة برامج عمله، بحيث يجدد مدخلاته في الحصول على الثروة الاقتصادية العربية التي اتسعت بعد ظهور البترول في دول الخليج وبعض الدول العربية الاخرى، وبحيث يؤدي هذا التجديد الى استمرار أهدافه الاقتصادية باستغلال الثروة العربية لصالحه وانتفاعه بالجزء الأكبر منها حتى وان أدى ذلك الى صدامه الخفي مع الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت أقوى وأغنى دولة في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في أواخر القرن الماضي. ولقد تضمنت المدخلات الاستعمارية أكثر من جانب: - جانب الشركات المتعددة الجنسيات والشركات العملاقة التي اصبحت تسيطر على أكثر من ثلاثة أرباع أصول العالم ويمتد فروعها الى كل انحاء العالم ولم يسلم منها صلا الدول الفقيرة جدا التي لا تملك أي موارد ويعيش سكانها على الكفاف، وأغلبها في القارة الافريقية، وقد تم حصر هذه الدول بحوالي اثنين واربعين دولة تقريبا وعلى سبيل المثال ذكر كلينتون الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية في محاضرة أخيرة له في يناير الماضي ان نصف البشرية يعيش بدخل يومي اقل من دولارين في اليوم ومليار نسمة يعيش بأقل من دولار واحد في اليوم وان سدس البشرية ينام وهو يعاني من الجوع وان ربع البشرية لم يشرب طوال حياته كوب ماء ليس ملوثا. - جانب الاتفاقيات الدولية كاتفاقية صندوق النقد الدولي واتفاقية منظمة التجارة العالمية (الجات) وهي اتفاقيات تسعى واقعيا الى النظام الذي يسمونه بالعولمة الاقتصادية حيث لا قيود ولا حواجز على تحركات السلع والاشخاص والأموال والخدمات بين مختلف دول العالم، ولما رأت الدول المتقدمة ان خسارتها ستأتي في حالة تحرير تنقلات العمالة وهجرة الأفراد من الدول النامية اليها فقد أوقفت هذا التحرير ووضعت شروطا مؤداها انه لا يسمح به الا للعلماء والخبراء الذين تستفيد منهم الدول المتقدمة، وهو مايؤدي الى قيام المظاهرات والمصادمات ضد الاجتماعات التي تهدف الى تنفيذ هذه الاتفاقيات. - جانب الاتفاقيات الثنائية واتفاقيات الشراكة، وهي اتفاقيات يمكن ان تستفيد منها الدول العربية اذا استطاعت حكوماتها تضمين هذه الاتفاقيات مايؤدي الى استفادة الشعوب العربية منها، وهو مالا يمكن ان يتحقق الا اذا تغيرت العلاقات التجارية مع الدول المتقدمة وانتقلت من تصدير خامات واستيراد سلع مصنوعة إلى تصدير سلع مصنوعة واستيراد سلع نصف مصنوعة، وهو مايتطلب تمكين الدول العربية من تصنيع الخامات المنتجة بها بمستويات وأسعار لا تقل عما يتم صناعته في الدول المتقدمة، وبالتالي تكون هناك علاقات متساوية لا يستفيد منها طرف على حساب اخر ولا يمتص طرف ثروة طرف اخر. - جانب القروض الخارجية والاستثمار، وقد لعبت القروض الخارجية في النصف قرن الاخير دورا كبيرا في امتصاص ثروات الدول العربية المتوسطة والمنخفضة الدخل، حيث لجأت هذه الدول الى القروض الخارجية على نطاق واسع وبشروط غير ميسرة وبتشجيع من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، غير ان هذه القروض لم تصل الى حد السيطرة السياسية كما كان الوضع عليه في عهد الخديوي اسماعيل وفشلت ايضا في السيطرة باملاء سياسات لا تتناسب مع المبادئ العربية والاسلامية وهو ماكان يهدف اليه الاتحاد السوفيتي قبل سقوطه، وانتهى الامر الى قضايا دولية حول سداد القروض الخارجية تدخل فيها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومايسمى بنادي باريس، وحسمت هذه القضايا باعادة الجدولة والتسوية الدولية بالغاء بعض قروض الدول الفقيرة، ولم يعد هذا البند واردا كمدخل للسيطرة والتهميش ضد العرب وامتصاص الثروة العربية. - جانب الارهاب، ومازال الأمر مطروحا هل ساعدت أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة على احياء ما يدعونه بخطط التطرف الديني كمدخل لهم للسيطرة على المنطقة العربية ووقف تقدمها الاقتصادي وامتصاص ثرواتها من الاموال والعلماء والخبراء الذين ظهروا خلال السنوات الاخيرة، والواضح حتى الآن أن مخطط محاربة الارهاب ساعد الولايات المتحدة الأمريكية على تنفيذ سياستها العالمية والتي من الطبيعي ان يكون التركيز في اغلبها لصالح الشعب الأمريكي وحده، والمعروف ان هناك عددا غير قليل من اليهود في الكونجرس الأمريكي، وهم الذين يسيطر عليهم الاسرائيليون، باستثناء فئة قليلة منهم لا يزال يجري في عروقهم بعض لمحات انسانية لم تصل بعد الى قيامهم بتحدي السياسة الاسرائيلية الحالية التي تهدف الى القضاء على الفلسطينيين والسيطرة الاقتصادية على العرب، مع تحويل الشعوب العربية الى عبيد وخدم لاسرائيل. من هنا نجد انه بعد زوال الاستعمار العسكري أصبحت هناك مدخلات جديدة للسيطرة على مقدرات الأمة العربية وبقائها تحت السيطرة الغربية بما تتضمنه من خطط اقتصادية دولية لم توضع فقط للمنطقة العربية بل وضعت ضد كل الدول النامية وامتدت لتشترك فيها أغلب الدول المتقدمة التي تخشى ان يتأثر تقدمها بتقدم بعض الدول النامية، كما حدث فعلا في عام 1997 عندما ضرب التقدم الاقتصادي في دول جنوب شرق اسيا بعد ان بدأت هذه الدول عمليات التقدم المتفوق، بل قيل حينئذ أن بعض هذه الدول ستسبق الدول المتقدمة قديما. مدخلات جديدة للسيطرة على الأمة العربية دون وسائل عسكرية ودون اتفاقيات ثنائية أو جماعية، استعمار في الفكر العربي ووضعه عند مستوى لا يصل في وعيه الى مضمون المخطط الأجنبي، ومن يتجاوزه من المفكرين العرب يسحب بطرق مختلفة ويعيش في الخارج وبالشكل الذي يتناسب مع تكوينه الشخصي والانساني والديني ولكن بعيدا عن المبادئ القومية والوطنية ومايدعونه بالارهاب.. أو يقضي عليه بطرق مختلفة كما حدث مع معظم الزعماء العرب القوميين المخلصين لبلادهم العربية. هذه هي الخطة الموضوعة للأمة العربية فكيف يمكن مقاومتها بوسائل سليمة وأفكار جديدة؟ مستشار بوزارة الاقتصاد المصرية