اذا كنا قد تناولنا في الحلقات الماضية صور واشكال الارهاب الاقتصادي غير المنظم والمنظم وحددنا آليات وأدوات الارهاب الاقتصادي الدولي القائم على النزعة لدى الدول، والمنظمات الراعية لهذا النوع من الارهاب نحو السيطرة على مقدرات الشعوب والامم في العالم الثالث فإننا سوف نتناول في هذه الحلقة الارهاب الاقتصادي ليس في صيغته الدولية الاجنبية وانما في صيغته المحلية حيث لا نعفي بعض الانظمة الحاكمة في عدد من دول العالم الثالث من ضلوعها في الارهاب الاقتصادي من خلال ممارسات لا انسانية تمارسها تلك الانظمة ضد شعوبها بهدف الابتزاز والتحكم والسيطرة على ثروات بلدان العالم الثالث. الارهاب الاقتصادي الداخلي قبل ان يخرج الاستعمار الاجنبي من بلدان العالم الثالث ببزته العسكرية ويمنح تلك البلدان والاقطار استقلالا ظاهرياً او صوريا فإنه صنع انظمة تقليدية موالية له ومنفذة لسياساته بكل التزام واتقان!! بل ان تلك الانظمة ومن منطلق التزامها بتنفيذ الواجبات والوظائف المرسومة لها ومن باب حرصها على الاستمرار على منصة الحكم، اصبحت مع مرور الوقت انظمة ارهابية اكثر من الدول الاستعمارية ذاتها، واستعانت بوسائل وآليات الارهاب الاقتصادي الدولي حينما وجدت في البعد الاقتصادي اساسا لاخضاع شعوبها للتعليمات الصادرة من قبلها والحيلولة دون التفكير في مشاركة اي من افراد الشعب في الحكم إلا في ضوء اختيارها له، ووضعت معايير الولاء والانتماء والطاعة العمياء للنظام الحاكم اساس الاختيار!! الامر الذي ترجمت من خلالها هذه الانظمة كافة التعليمات والشروط التي ينص عليها الارهاب الدولي!! وفي هذا الاطار فإنها وضعت آليات الارهاب الاقتصادي الداخلي التي من خلاله تؤكد قبضتها على زمام الحكم وتضمن عدم زعزعة النظام الحاكم، لتأتي هذه الآليات متسقة مع سياسات الدول الارهابية في احكام السيطرة على العالم الثالث وتحقيق اهدافها الاستراتيجية، ومن تلك الآليات والأدوات الاقتصادية المستخدمة نذكر التالي: التعليم التقليدي وغياب التنمية البشرية على الرغم من ان الدساتير الانسانية قاطبة قد اكدت على احقية الانسان في التعلم والتعليم باعتباره اللبنة الاولى في التنمية وباعتباره صمام الامان لحركة الوعي الانساني، وبصفته اساس حركة البناء والتعمير في المجتمع الانساني، ثم كونه السبيل نحو الاستقرار والامن والسلام، إلا ان هناك انظمة حاكمة قد صادرت هذا الحق من شريحة كبرى من افراد مجتمعاتها خشية حدوث وعي انساني يؤدي الى المطالبة بحقوق واسعة واهمها حق المشاركة او الديمقراطية او معارضة اشكال الفساد والنهب التي تمارسها دول وانظمة الارهاب الدولية والمحلية فيما البعض الآخر من الانظمة قد عمل على انشاء تعليم تقليدي مدعيا منح افراد الشعب حق التعليم، من دون ان يرفد هذا النظام التعليمي المجتمع إلا باشباه متعلمين، حيث المناهج العقيمة والتقليدية والفارغة لا تحث على الانتاج والانتماء للوطن بقدر ما تخرج اناسا فاقدين للبصيرة، ولكنهم موالون كل الولاء للانظمة الحاكمة ويترجمون هذا الولاء بالقيام بمهام ومسئوليات تسهم في تدمير المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وفي ظل هذه النوعية من التعليم التقليدي فإن انتاجية الفرد تكون ضعيفة وتصبح معايير المواطنة هي معايير الولاء التام للنظام الحاكم والاستسلام لاوامره والانتهاء عما نهي عنه!! وحينما يصاب التعليم الذي هو اساس التنمية بالضعف فمن الطبيعي ان يصبح المجتمع عامة والمجتمع الاقتصادي خاصة مهدداً بسبب ضعف انتاجيته وتفشي الامراض الاقتصادية والاجتماعية فيه، وعندها يصبح المجتمع بيئة خصبة للتطرف والارهاب وتفشي الجريمة وخاصة الجريمة الاقتصادية وفي ظل هكذا بيئة تهرب رؤوس الاموال الوطنية للخارج على الرغم من حاجة الاقتصاد الوطني اليها، وتهاجر العقول المتميزة النادرة الى خارج الوطن وتتراجع معدلات النمو الاقتصادي، ثم معدلات التنمية الاقتصادية، ويصبح المجتمع مهيأ اكثر من ذي قبل لاحكام السيطرة الداخلية عليه لصالح النظام الحاكم الذي يعيث فساداً وبطشاً وظلماً واستبداداً ويصادر حقوق الافراد ويمتص خيرات البلاد وتتضخم اصوله الخارجية وثرواته لتخدم اقتصاديات الدول الارهابية او الراعية له وتضمن له مستقبله فيما يصبح الوطن يعاني التخلف واهله يعانون الفقر!! الفساد ترتبط اي نهضة اقتصادية بمدى وجود بيئة اقتصادية ادارية واجتماعية تتسم بالشفافية ووجود قوانين وتشريعات ادارية واقتصادية تعزز المناخ الاستثماري لرؤوس الاموال الوطنية قبل الاجنبية. ولكن بسبب السياسات المترهلة والقوانين المتساهلة وغياب الرقابة الادارية والمساءلات القانونية والمحاسبة القومية، فإنه من الطبيعي ان يستشري الفساد الاداري والمالي والاقتصادي ثم الاجتماعي والاخلاقي وبسبب هذه البيئة المتسمة بالفساد فإن المجتمع الاقتصادي في دول العالم الثالث اصبح يعاني من عشوائية القرارات وغياب التخطيط والاستراتيجيات وضياع الحقوق وتفشي الاحتكارات، وانتشار الرشوة وتجاوز القوانين والتشريعات، وفي ظل هذه الوضعية تنشأ شريحة من الانتهازيين الوصوليين وتتمكن من الوصول الى سلطة القرار لتهيمن على مصالح البلاد وتتحكم في ارزاق العباد وتمتص كل الخيرات، وتصبح هذه الشريحة تمتلك الشيء الكثير فيما الشريحة الكبرى من المواطنين تعيش على الكفاف، حينها تختل الموازين ويتفشى الظلم والجريمة ويحدث التطرف والنزعة الى الانتقام والتخريب، حيث تخرج المظاهرات الحاشدة الناقمة وتنتشر الاضطرابات وتحدث المواجهات والصدامات بين مختلف شرائح المجتمع، وهذا في مجمله يشكل ارهابا اقتصادياً ليكون اعصاراً شديداً وخطيراً يدمر كل من وما يقف امامه ويحصد البناء ويخلف الدمار ليخسر الوطن بنيته الاساسية وكل المكتسبات التي تحققت من قبل رغم ضعفها او محدوديتها!! ويتأكد لنا بأن الفساد وبمختلف اشكاله سبب وعامل مؤثر في بناء الارهاب الاقتصادي الداخلي، ويحدث ذلك من اجل تحقيق مصالح شريحة معينة من افراد المجتمع هم افراد السلطة السياسية والاقتصادية حيث يجد هؤلاء في ذلك فرصة لتمكين انفسهم وتهريب اموالهم وتجد دول الارهاب الاقتصادي في العالم فرصة في الاحداث والمواجهات هذه لاحكام سيطرتها على مناطق النفوذ ونهب الخيرات والثروات الطبيعية وغير المستثمرة لهذه الدول!! البطالة بالرغم من ان البطالة هي وليدة الارهاب الاقتصادي الدولي الذي اوجد الفقر المادي في هذه الدول، إلا انها في الوقت ذاته سلاح خطير تستخدمه حكومات الدول التي تتفشى فيها البطالة كي تتمكن من اخضاع افراد المجتمع لسيطرتها واشغالهم بهموم معيشتهم والبحث عن اسباب رزقهم عن المساس بالسلطة والحكم او المطالبة بالديمقراطية او الحقوق التشريعية، وبالتالي تصبح البطالة سلاحاً تستخدمه الحكومات هذه في ارهاب شعوبها وزرع الخوف في اوصال المجتمع وتصبح الوظيفة والمنصب مؤمنين وموقوفين على اولئك الموالين والمطيعين الملتزمين بالاوامر والتعليمات دون مناقشة او ابداء الرأي فيها!! ولكن حينما تتزايد اعداد الباحثين عن الوظائف فإنه من الطبيعي ان تحدث المصادمات والمواجهات وتتفشى الفتن والعصيان للانظمة الحاكمة، ويجنح افراد المجتمع الى التطرف والرغبة في الانتقام وتتولد نغمة الارهاب الداخلي من قبل افراد المجتمع كرد فعل طبيعي ضد ممارسات الحكومات وارهابها لشريحة كبرى من افراد المجتمع وحينما تتحول هذه الصراعات والصدامات في عدد من الدول التي تمارس الانظمة فيها اشكالاً مختلفة من الارهاب ضد شعوبها فإن الارهاب يصبح دوليا وتعيش المنطقة حالة من الغليان والثورة. بسبب الحروب الطائفية والعقائدية والاهلية الحزبية التي حصدت خيرات البلاد والعباد في دول العالم الثالث ولاسيما في دول افريقيا، فإن الفقر اصبح ظاهرة تعاني منها معظم مجتمعات هذا العالم، ولم تكن الحروب بدافع الرغبة في ارساء دعائم الديمقراطية والتنمية، وانما من اجل التسلط واحكام سيطرة النظام الحاكم حيث تستغل الانظمة الحاكمة ظاهرة الفقر وتجويع الشعوب من اجل البقاء على السلطة في تلك البلاد، اي ان الفقر اصبح احد اسلحة الارهاب الاقتصادي الذي تستخدمه انظمة الحكم المستبدة في العالم الثالث لاحكام سيطرتها وفرض نفوذها واستغلال خيرات البلاد ونهب ثرواتها وتحويلها الى ودائع وأصول اجنبية في دول الشمال الغنية.