كشفت المنظمة العربية للتنمية الزراعية العجز الشديد في الاتفاقيات المبرمة حول الموارد المائية العربية المشتركة مؤكدة أنه لا توجد سوى اتفاقية واحدة بين دولة عربية وأخرى غير عربية وهي اتفاقية تنظم استخدام مياه نهر السنغال بين موريتانيا والدول الافريقية المتشاطئة على هذا النهر. ويعيب الدكتور سالم اللوزي مدير عام المنظمة العربية الزراعية أن باقي الاتفاقيات الأخرى غير مكتملة، وتمثل محاولات للوصول الى اتفاقية شاملة موضحا أن مصر والسودان سبق أن وقعتا منفردتان اتفاقية بينهما حول استخدام مياه النيل مع الاحتفاظ بحقوق الدول النيلية الأخرى المتشاطئة، علاوة على أن هناك اتفاقيات بين سوريا، والعراق حول نهر دجلة والفرات، وسوريا ولبنان حول نهر العاصي إلا أنها بوضعها الحالي غير مكتملة وتحتاج لاستيعاب كل الدول المتشاطئة في اتفاقيات منصفة وعادلة وموثقة تحترم فيها كل الأطراف التزاماتها. وهدفت أحدث دراسة خرجت من المنظمة حول «القوانين والاتفاقيات الدولية والاقليمية لتنظيم استخدام الموارد المائية العربية المشتركة» الى مساعدة الدول العربية في التوصل الى اتفاقيات مع الدول المشاطئة معها والمحافظة على الحقوق العربية، وتوفير المعلومات حول نصوص القوانين واللوائح الدولية المنظمة لاستخدام هذه المياه علاوة على التعرف على بعض الاتفاقيات الدولية والاقليمية التي وقعت في هذا الشأن. وقال اللوزي ان الدراسة خرجت بحقيقة تتمثل في عدم استخدام السيادة المطلقة للدول على مياه مشتركة، وضرورة التعاون بين الدول المتشاطئة، وتبادل المعلومات والبيانات، وعدم الاقدام على اقامة منشآت ذات ضرر على الدول الأخرى المتشاطئة، وأهمية التشاور والحصول على الموافقات المسبقة كشرط لاقامة هذه المنشآت مثل الاتفاقيات الدولية لاستخدام المجاري المائية الدولية للأغراض غير الملاحية التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1997 علما أن هذه الاتفاقيات تتوافق مع العديد من المواقف العربية. وتبين المنظمة العربية الزراعية أن من التحديات الكبيرة التي تواجه الموارد المائية العربية هي أن أكثر من حوالي 70% من جملة الموارد المائية العربية السطحية تقع منابعها خارج الدول العربية، وتتمثل نحو 60% من جملة الموارد المائية العربية التقليدية وغير التقليدية المتاحة اضافة الى أن مشكلة الموارد المائية العربية المشتركة يزداد الاهتمام بها في الوطن العربي نسبة للصعوبات والمشاكل التي تواجهها هذه الدول غير العربية المتشاطئة على هذه الأنهر المشتركة. واعتبر اللوزي أن كثيرا من النزاعات في العالم عامة والمنطقة العربية خاصة تدور بشكل غير مباشر حول المياه أو ان المياه تعتبر عنصرا مهما في هذه النزاعات لافتا أن موضوع الموارد المائية ضمن اهتمامات المنظمة حيث قامت خلال استراتيجيتها التي بدأت في التسعينيات باعداد كثير من الدراسات حول استخدام هذه الموارد علما أن المنظمة أولت اهتماما خاصا بالموارد المائية العربية المشتركة لما يواجه هذه الموارد من مشاكل وتحديات تتمثل أساسا في عدم احترام الدول المتشاطئة للقوانين واللوائح الدولية المنظمة لاستخدام مثل هذه المياه وعدم الاعتراف بوجودها. وخلصت المنظمة العربية الزراعية الى عدة توجهات عامة تلائم أوضاع الموارد المائية العربية المشتركة وتضم الرؤية العربية الموحدة، والاستفادة القصوى من الامكانات، والكفاءات العربية المتاحة في هذا المجال، وتضامن الدول العربية المتشاطئة في حوض مائي واحد لتوحيد موقفها التفاوضي بحيث لا يغير طرف بطرف آخر علاوة على العمل بمختلف الوسائل الممكنة والمناسبة في التأثير على الرأي العام العالمي وتهيئته لمساندة الموقف العربي واجراء المزيد من البحوث، والتجارب، والدراسات والندوات القومية حول هذا الموضوع لتوضيح الرؤية وتبادل الخبرات والمعرفة. توضح الدراسة أن الدول العربية تواجه حتى الآن امتناعا من الدول الأخرى المتشاطئة غير العربية حول التقسيم المنصف والعادل للمياه وأنه لم يتم حتى الآن الاتفاق مع هذه الدول في هذا الموضوع إلا في نهر السنغال حيث تم الاتفاق بين موريتانيا وشركائها في هذا النهر على سبل تنظيم استخدام مياه النهر المشترك. وأشارت المنظمة العربية الى أن الحجم الكبير للمصادر المائية الجوفية العربية يقدر رصيدها بحوالي 7734 مليار متر مكعب في حين أن التغذية السنوية التي تسمح باستغلال المستدام هي في حدود 35 مليار متر مكعب سنويا. وفي مجال المعاهدات والاتفاقيات التي تحكم استخدام هذه الموارد المائية العربية المشتركة تكشف الدراسة غياب المعاهدات والاتفاقيات الدولية لتنظيم استخدام الموارد المائية العربية والدولية المشتركة ما عدا نهر السنغال في حين أن المنطقة شهدت ومازالت تشهد العديد من الصراعات والنزاعات حول اقتسام المياه الدولية مشيرة الى مبدأ الصراع وارتباطه بالمصالح العليا للدول وكيف أن الصراع له ارتباط بالقوة التي أصبحت هي الفيصل في كثير من العلاقات الدولية وأن مشكلة المياه أصبحت مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأوضاع العسكرية في المنطقة العربية. واعترف مدير عام المنظمة العربية الزراعية أن الوضع الحالي يستلزم العمل الجماعي العربي لمواجهته خاصة أن عدم وجود هذه الاتفاقيات والمعاهدات أدى الى قيام منشآت مائية في أعالي الأنهر العربية المشتركة والتي يترتب عليها الاستنزاف والتعدي على الموارد المائية العربية وبما لذلك من أضرار بالحقوق العربية علما أن آخر اتفاقية وقعت كانت بين مصر والسودان عام 1959 والتي بموجبها تم إنشاء السد العالي وإنشاء سد الروصيرص وخشم القربة بالسودان وأتاحت الفرصة للسودان لبناء المزيد من السدود، واقامة المشاريع المروية حيث حددت هذه الاتفاقية طريقة استخدام مياه النيل بين مصر والسودان مع الاعتراف بحقوق الدول النيلية الأخرى في مياه النيل. واعتبرت الدراسة أن أهم المشاكل المائية العربية المشتركة وأكثرها صعوبة هي تلك المياه الفلسطينية - الأردنية - الاسرائيلية. وكيف أن كل مسارات السلام تشمل مجموعات عمل حول المياه، وكيف أن الاسرائيليين في أوسلو عام 1993 وافقوا مرغمين على مناقشة موضوع المياه بعد طول رفض وتمنع حيث أن التوجه الاسرائيلي العام هو أن تحتفظ اسرائيل بسيطرة مباشرة أو غير مباشرة على الأراضي والموارد المائية حيث أن المياه هي أهم الموارد الطبيعية الأكثر «ندرة» بالنسبة لاسرائيل. ويوضح اللوزي أن هناك حوالي 245 حوضا مائيا مشتركا في العالم يعتمد عليها في معيشتهم نحو 40% من سكان العالم، وأن غياب اللوائح الدولية المناسبة قد أدى الى كثير من النزاعات حول المياه تسببت في توقف العديد من المشاريع التنموية حول العالم مؤكدا أن الأسس العامة للقوانين الدولية حول المياه المشتركة تضم محاور أساسية مثل عدم استخدام حقوق السيادة للدول بطريقة مطلقة، واحترام حقوق الآخرين وضرورة تطابق القوانين التي تسن قطريا مع القوانين الدولية. وبالنسبة للتوجهات العامة العربية في مجال المياه المشتركة ذكرت الدراسة أنه في الوقت الذي تواجه الموارد المائية العربية مخاطر وتحديات عديدة ولكن تبقى مشكلة الموارد المائية المشتركة دوليا أصعب تلك التحديات مما يتطلب أن تتوصل الدول العربية في هذا المجال حقيقة أن عملية التفاوض والتفاهم وعقد المعاهدات، والاتفاقيات الخاصة بالموارد المائية عملية معقدة وشائكة وغير واضحة المعالم والقوانين واللوائح الدولية التي تحكمها وغير محددة وتبقى على الدول المعنية تحديد كيفية تطويعها لتناسب أوضاعها مما يجعلها عرضة للتأويلات كل حسب مصالحه. القاهرة ـ حسين عبدالهادي: