شهدت تجارة الأوفست وهي احد الاشكال المتطورة للتجارة المتقابلة توسعا كبيرا خلال السنوات القليلة الماضية. اذ باتت تطبقها حاليا أكثر من 20 دولة ووصل حجم العقود الموقعة في اطارها الى حوالي 40 مليار دولار. بدأت هذه التقنية تنتشر في الدول العربية منذ منتصف الثمانينات وتطبق حاليا في العديد من دول المنطقة مثل الامارات والسعودية والكويت. ومن المرجح ان تتوسع اكثر مع النمو المتوقع في المنطقة. وتجارة الاوفست تقتصر عادة على عمليات شراء المعدات العسكرية وكذلك على العقود المدنية الكبيرة كشراء الطائرات المدنية وانشاء مرافق البنية الاساسية اضافة الى عقود الخدمات المتطورة. وتقضي عقود الاوفست التي توقع عادة بين الشركات المتعددة الجنسية او مجموعة من الشركات والحكومة باعادة استثمار نسبة من قيمة الصفقة في مجالات تعود بالفائدة المباشرة على القطر المستورد حيث تشمل مثلا اتفاقيات الشراء المتقابل او تنفيذ استثمارات مباشرة في القطر المضيف بالاشتراك مع مستثمرين محليين ونقل التكنولوجيا لانتاج سلع معينة بترخيص من المصدر او استعمال مواد وسلع محلية لصناعة المعدات او السلع التي ينوي الاخير تصديرها الى القطر المعني. وتتفاوت النسبة المعاد استثمارها من دولة الى اخرى وتتراوح هذه النسبة في الدول العربية الثلاث بين 30 الى 60 وتصل الى 100 احيانا . اما بالنسبة للمهلة التي تعطى للشركات لكي تباشر التنفيذ فهي 7 سنوات في الامارات و8 سنوات في الكويت و10 سنوات في السعودية. وقد شهدت برامج الاوفست في الدول الخليجية الثلاث دفعة قوية خلال السنوات القليلة الماضية على صعيد التنفيذ بعد ان تمكنت الشركات الاجنبية المعنية بالتعاون مع المستثمرين المحليين من ايجاد عدد من الفرص الاستثمارية الجيدة. حيث اعتبرت هذه الشركات عدم توفر الفرص الكافية للاستثمار اهم العقبات التي تعيق تنفيذ برامج الاوفست. ومن جهتها، فان دول مجلس التعاون الخليجي المعنيه تبذل في الوقت الحاضر جهوداً قصوى للاستفادة من هذه المشاريع من خلال تأسيس شركات مشتركة تتولى ترويج وادارة وتنفيذ مشاريع الاوفست. وتنبع اهمية مشروعات الاوفست التى تقوم دول مجلس التعاون الخليجي بفرض تنفيذها على الشركات التى تمنح مناقصات تنفيذ مشروعات عسكرية وصناعية ضخمة في دول المنطقة من كون هذا المدخل يعطي هذه الدول الحق لاسترجاع جانب من القيمة المضافة المتولدة عن تنفيذ تلك المناقصات عدا عن كونه مدخلاً اساسياً لنقل التكنولوجيا الى دول المنطقة وكذلك تنفيذ عدد من المشروعات الصناعية والخدمية التى تسهم في توسيع قاعدة الانشطة الاقتصادية وتوفر فرصاً جديدة للعمل. ومع ذلك فاننا ما زلنا نطالع بعد التقرير حول مدى نجاح هذه المشروعات في تحقيق اهدافها. ان هذه المسألة تثير مجددا موضوع التعاون الفنى والتكنولوجي بين دول المجلس والمجموعة الاوروبية وتسلط الضوء على احد الجوانب الهامة التى تحول حتى الآن دون التنفيذ الكامل لهذا التعاون. ان اهمية التعاون التقنى والتكنولوجي مع الغرب تنبع من الطموحات المعلقة على تنمية القطاع الصناعي وتوسيع رقعته نظرا لارتباطه بصورة وثيقة باهداف تنويع مصادر الدخل وتوسيع دور القطاع الخاص. ان نجاح النشاط الصناعي يرتبط ـ بدوره وبشكل وثيق ـ بتكنولوجيا التصنيع والمعرفة التكنولوجية الصناعية. ومن المعروف ان اختيار التكنولوجيا ووسائل الانتاج لتأسيس مشاريع جديدة او تطوير ما هو قائم منها بدول المجلس يفرض التوجه الى التكنولوجيا واساليب الانتاج التى تحتاج الى كثافة عالية من الطاقة ورأس المال لمجابهة النقص في الايدي العاملة الوطنية المتخصصة. وحيث ان التكنولوجيا والمعرفة التكنولوجية من المقتنيات والاسرار التي تخضع الى نواح سياسية والتزامات قانونية وشروط عديدة اضافة الى الامور المالية لمالكيها. فان ابرام عقود مع دول تمتلك التكنولوجيا والمعرفة التكنولوجيا دون الاخلال او امتنان لاي موقف سياسي يستدعي الدخول بشكل مفاوضات رسمية حول التعاون التكنولوجي. لقد اتاحت اتفاقيات الاوفست كما سبق ان ذكرنا مجالا رحبا لنقل المعرفة والتقنيات الصناعية الاوروبية حيث نجحت المملكة العربية السعودية بالفعل في استثمار هذه الاتفاقات من اجل تنفيذ العديد من المشاريع الناجحة. الا ان فشلها في مناطق اخرى يستدعي التوقف واعادة تقييم اتفاقات النقل التكنلوجي بين دول المجلس ودول الغرب. ان احد المداخل لانجاح مشاريع النقل التكنولوجي يكمن في زيادة التعاون بين دول المجلس انفسهم وبحيث يتم تخطى العقبات الحالية والمتمثلة في المعوقات الادارية والاجرائية بحيث تتحول هذه الدول الى اسواق موحدة وبحيث يتم تقييم اسس النقل التكنولوجي على هذا الاساس ايضا خصوصا ان نقل التكنولوجيا الحديثه تفترض ضمنيا الاستعداد للانتاج الكبير الذي يفترض بدوره وجود اسواق كبيرة. ولابد من التأكيد ان موضوع نجاح تجربة مشروعات الاوفست يتجاوز موضوع تهيئة المناخ الملائم لنقل التكنولوجيا الى موضوع تصحيح مسارات التنمية الاقتصادية بدول المنطقة نفسها مما يهييء لجذب مزيد من الاستثمارات الاجنبية. ولعل اهم هذه المسارات هي اعادة هيكلة الاقتصادات الخليجية بما يساعد على توسيع وتنويع القاعدة الانتاجية في دول المجلس من خلال التوجه في ثلاثة مسارات رئيسيه يركز الاول على توسيع قاعدة الصناعات المعتمدة على النفط والغاز وعلى وجه الخصوص الصناعات المعدنية الخليجية. ويركز المسار الثاني على توسيع صناعة التكرير بهدف زيادة القيمة المضافة للنفط. اما المسار الثالث فيتجه نحو اقامة مشاريع صناعية مشتركة في الدول العربية تعتمد في مدخلاتها على مواد اساسية تنتجها دول المجلس. ومن شأن ذلك ان يساعد على اعادة تشكيل اتجاهات التجارة الخارجية لدول المجلس.