سوف تندمج هذا العام إحدى عشرة سوقاً مالية أوروبية لتشكل ثاني أكبر سوق عالمي بعد سوق رأس المال الأمريكي، وسيساعد هذا الاندماج في تحول الشركات الأوروبية من الاعتماد بشكل كبير على البنوك لتوفير احتياجاتها التمويلية لتصبح أكثر اعتماداً على أسواق رأس المال. وسوف يكتسب إصدار أدوات الدين والأسهم المقيمة باليورو زخماً إضافياً مع ازدياد عدد المؤسسات الأوروبية التي تأخذ هذا الاتجاه. كما سيسهل وجود اليورو كعملة واحدة متداولة في 12 دولة أوروبية عملية انتقال الأموال بين هذه الدول وقيام سوق رأسمالي أوروبي ذي تنوع وعمق يوازي السوق الأمريكي. ولقد أخذ المستثمرون الأوروبيون بتغيير عادات الاستثمار لديهم والاتجاه بشكل أكبر نحو الأسهم والسندات بهدف تحقيق عوائد أفضل من تلك المتحققة على حسابات التوفير التقليدية. فنسبة الأوروبيين البالغين الذين لهم استثمارات في أسواق الأسهم الأوروبية لا تتعدى 20% مقارنة مع نسبة تزيد على 50% في الولايات المتحدة. وسوف تقوم العديد من الشركات الأوروبية بإصدار السندات المقيمة باليورو وبأسعار فوائد تتباين حسب درجة مخاطر الشركات المقترضة، وسوف ينشأ عن ذلك فرصاً جديدة للمستثمرين باليورو. ويعد سوق السندات في الولايات المتحدة الأكبر في العالم والأكثر سيولة حيث تشكل السندات الحكومية 60 من حجم كافة الإصدارات في هذا السوق. وتعتبر سهولة شراء وبيع السندات والأذونات المقومة بالدولار بالإضافة إلى السيولة الكبيرة المتوفرة في هذا السوق من أهم مميزات سوق السندات الأمريكي. فحجم سوق السندات الياباني لا يتعدى نصف حجم سوق السندات المقومة بالدولار. وإذا أخذنا كافة السندات التي تصدرها الحكومات والشركات في كل من ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا وإسبانيا والنمسا وفنلندا ولوكسمبورج والبرتغال، فهذا سيجعل من سوق السندات المقومة باليورو ثاني أكبر سوق في العالم. ولقد وصل إجمالي إصدارات السندات المقومة باليورو العام الماضي إلى 645 مليار يورو (568 مليار دولار) مقارنة مع 781 مليار دولار للسندات التي تم إصدارها بالدولار. والجدير بالذكر أنه من الآن فصاعداً فإن كافة إصدارات السندات للدول الأوروبية الإحدى عشرة ستكون باليورو. سوف تؤدي العملة الواحدة إلى نشوء أسواق مالية ذات سيولة عالية لسندات الشركات، وحتى الشركات الأوروبية متوسطة الحجم التي كانت تعتمد بقدر كبير على البنوك التجارية وأحياناً كثيرة على البنوك المحلية الصغيرة لتوفير احتياجاتها التمويلية، سوف تجد أنه من الأجدى لها أن تتجه إلى سوق السندات باليورو. ويتوقع أن يحافظ الدولار على مركز الصدارة كعملة احتياط خلال السنوات القليلة المقبلة على أن ترتفع أهمية اليورو تدريجياً لتصبح منافساً قوياً للدولار كعملة احتياط رئيسية. فحجم الاقتصاد والتجارة الخارجية لمنطقة الاتحاد الأوروبي مقاربة لتلك التي للولايات المتحدة الأمريكية. غير أن الأسواق المالية الأمريكية قد بلغت مرحلة عالية من التطور وتتميز بالعمق والاتساع وتوفر السيولة أكثر من وصيفاتها الأوروبية. ولا يزال الاقتصاد الأمريكي يحقق أعلى ناتج محلي إجمالي في العالم بلغ 10 آلاف مليار دولار في عام 2001. يقدر لسوق السندات المقومة باليورو بأن تصبح مستقبلاً من أكبر وأهم أسواق السندات على نطاق العالم، فكافة الإصدارات الجديدة للدين العام من قبل الدول المشاركة في الاتحاد النقدي الأوروبي ابتدأ تقويمها باليورو اعتباراً من أول يناير 1999. ولقد قامت الدول المشاركة في الاتحاد بتحويل السندات المقومة بالعملات المحلية إلى سندات مقومة باليورو. وعلى أية حال، فإن كافة السندات المصدرة من قبل الدول الأعضاء سيتم تحويلها إلى اليورو ابتداءً بعام 2002. ومع زيادة أهمية اليورو كعملة احتياط رئيسية، فإن البنوك المركزية التي ستضيف العملة الأوروبية الموحدة إلى احتياطياتها من القطع الأجنبي ستفعل ذلك عن طريق زيادة حيازاتها من السندات المقومة باليورو، كما أن المستثمرين الذين كانوا في السابق يتفادون أسواق السندات الأوروبية نظراً لصغر حجمها وقلة السيولة فيها سوف يتشجعون للدخول إلى سوق السندات هذه ذات العمق والاتساع المطلوب. ستكون أسواق الأسهم الأوروبية الأكثر استفادة من وجود اليورو وستندمج هذه الأسواق لتشكل سوقاً أوروبية موحدة للأسهم تتميز بعمق أكبر وسيولة أكثر. ولا تزال أسواق الأسهم في العديد من الدول الأوروبية أقل تطوراً عن مثيلاتها في أمريكا، كما أن عدد الشركات الصغيرة في هذه الأسواق لا يزال قليلاً. وفي غياب مخاطر صرف العملات بين الدول الأوروبية، فإن المستثمرين سوف يقيمون الشركات على ضوء الصناعات التي تنتمي إليها بغض النظر عن موقعها الجغرافي أو البلد التي تنتمي إليه، ولن يعود من الضروري أن يتم توزيع مخاطر الاستثمار على أساس المعطيات الاقتصادية العامة للدول الأعضاء كل على حدة. ومن المرجح أن تنساب الاستثمارات إلى تلك الشركات التي لها جاذبية أكبر في أي قطاع من القطاعات الاقتصادية على امتداد منطقة اليورو، وسوف يتم مقارنة أداء المحافظ استناداً على مؤشر جديد للأسهم المقيمة باليورو وليس على أساس مؤشرات أسواق الأسهم الأوروبية الحالية. وكما هو الحال في السوق الأمريكية، سينشأ مستقبلاً مؤشر للأسهم الأوروبية ككل، وستكون هناك سوق أوروبية مشتركة للأسهم هي ثاني أكبر سوق في العالم بعد سوق الأسهم الأمريكي، وسيشجع وجود مثل هذه السوق الشركات الصغيرة على إدراج أسهمها، وستصبح سوق الأسهم هذه، المقومة باليورو والتي تتميز بعمق أكبر وتكامل أشمل، عامل جذب للمستثمرين الدوليين. وقد أنفقت الشركات والمستثمرون الأوروبيون أكثر من 450 مليار دولار على شراء السندات والأسهم الأمريكية خلال السنوات الثلاث الأخيرة. هذا التدفق الهائل للأموال نحو الأسواق الأمريكية هو أحد أسباب فقدان اليورو لأكثر من 20% من قيمته مقابل الدولار منذ صدوره في 1/1/1999 عند 1.18 دولار لليورو. على أنه خلال الأشهر الأخيرة يبدو أن تدفق الاستثمارات نحو الأسواق الأمريكية قد خفت حدته، وابتداءً من يوليو 2001 سجلت الأسواق تدفقات رأسمالية قوية إلى منطقة اليورو ويقدر بنك HSBC في لندن أن أكثر من 100 مليار دولار في الصافي قد انتقلت إلى منطقة اليورو من الخارج خلال الفترة من يوليو إلى ديسمبر 2001. ومع أن المؤسسات في منطقة اليورو ما زالت في الصافي تستثمر أكثر في السندات والأسهم الأمريكية منها في تلك المقومة باليورو، إلاّ أن هذا قد يتغير في المستقبل المنظور. وستحتد المنافسة بين بنوك الاستثمار العاملة على الساحة الأوروبية، وستكون الإصدارات الجديدة من الأسهم والسندات من نصيب البنوك الاستثمارية التي لها علاقات وثيقة ومعرفة بالشركات الأوروبية المصدرة لهذه الأدوات، في حين أن بنوك الاستثمار التي لها قاعدة أوروبية أو دولية أوسع ستكون في وضع تنافسي أفضل لتصريف هذه الإصدارات وتوزيعها على المستثمرين. وسيشجع هذا الوضع زيادة وتيرة عمليات الاندماج والتملك في أوساط بنوك الاستثمار الأوروبية. أيضاً يتوقع أن ينخفض عدد البورصات الأوروبية بسبب الاستغناء التدريجي عن الحاجة لإدراج الأسهم في عدة بورصات، فأسواق الأسهم الأوروبية ستكون مرتبطة مع بعضها البعض إلكترونياً وهذا سيسهل التداول للمستثمرين في كافة الدول الأعضاء. ولا يتوقع لسوق رأس المال الأوروبية الموحدة أن تكون في بدايتها على نفس درجة تكامل السوق الأمريكية، إذ سيظل هناك الكثير من التفاوت فيما بين البلدان الأعضاء من حيث الأطر التشريعية والضرائبية والرسوم الجمركية واللغات والثقافات. ويوجد اليوم سوق فعال للتعامل النقدي المقوم باليورو ما بين البنوك الأوروبية، إلاّ أن المكونات الأخرى لسوق رأس المال قد تأخذ وقتاً أطول لتكتمل وتندمج، غير أن وجود العملة الواحدة وسعر فائدة واحد على اليورو في كافة الدول الأوروبية المشتركة في العملة الموحدة سيؤدي إلى تعزيز عمق السوق المالية الأوروبية وهو ما قد بدأ يأخذ مجراه بالفعل. وسيمتد استخدام اليورو أيضاً وعلى نحو متزايد إلى خارج نطاق المجموعة الأوروبية، إذ أنه سيحل محل الفرنك الفرنسي كعملة تسعير واحتياط لدول غرب أفريقيا، كما أنه سيستخدم أيضاً وبوتيرة متزايدة في دول أوروبا الوسطى والشرقية نظراً لأن العديد من هذه الدول تربط عملاتها بالمارك الألماني، ويلاحظ بأن حجم التبادل التجاري بين هذه الدول ودول الاتحاد الأوروبي في تزايد مستمر مع تهيؤ العديد من هذه الدول للانضمام لعضوية هذا الاتحاد مستقبلاً. ومن المحتمل أن يكون هناك استخدام متزايد لليورو كعملة تسعير من قبل دول البحر الأبيض المتوسط نظراً للروابط الوثيقة التي تربطها مع دول الاتحاد الأوروبي ولأن هذه الدول تعمل على إنشاء مناطق تجارية حرة بينها وبين المجموعة الأوروبية. وهناك الكثير من الاختلاف بين الوضع القائم في الولايات المتحدة وما تصبو إلى تحقيقه الدول الأوروبية. ففي حين أن أمريكا ترتبط فيما بينها بعوامل اللغة الواحدة، والقيم المشتركة، والإحساس بالهوية الوطنية، نرى أن أوروبا تفتقر لمثل هذه العوامل وهذا قد يزيد من صعوبة تكيف دولة أوروبية منتعشة مع انكماش اقتصادي في دولة أوروبية أخرى. وتتسم أسواق العمل الأوروبية بعدم المرونة مقارنة بنظيرتها الأمريكية، حيث أن 20% من اليد العاملة في أمريكا تنتقل كل سنة من ولاية إلى أخرى، في حين نجد أن العمال من إحدى الدول الأوروبية غالباً ما يكونون غير راغبين أو غير قادرين على الانتقال من بلد إلى بلد آخر بحثاً عن فرص العمل. ومع عدم قدرة الدول الأوروبية على التحكم بسياساتها النقدية التي أصبح يقررها البنك المركزي الأوروبي، وبما أن السياسة المالية لهذه الدول هي الأخرى ذات فعالية محدودة بسبب مطالبة الدول الأعضاء بالمحافظة على مستويات منخفضة للعجز في الميزانية، فقد تتصاعد حدة التوتر بين البلدان إذا ما تراجعت الأوضاع الاقتصادية في أحد البلدان الأوروبية، في حين كانت الأوضاع جيدة في معظم دول الاتحاد الأخرى. وستلقى تبعة ذلك على الاتحاد النقدي الأوروبي.