لا يمكن لأحد أن يدعي ان التعاون الاقتصادي العربي يسلك طريقا متقدما خلال الخمسين سنة الأخيرة، بل هو في تدهور ملحوظ وخاصة عندما سيطر على أموره في مراحل سابقة فئة لا تدين الى القومية العربية ولا تؤمن بمضمونها، فئة تولت مناصبها لتستفيد شخصيا دون مشقة، ودون جهد كان يمكن ان يعكس الوضع لو قامت بمعالجة التدهور ومتابعة اسبابه الحقيقية وتشخيص أمراضه والبحث عن العلاج السليم لدفع مسيرته. لقد ظهر التدهور في التعاون الاقتصادي العربي مؤخرا عندما امتنع مايقرب من نصف الدول العربية عن توقيع اتفاقية منطقة التجارة العربية الحرة التي أعدت في 1997، كما ظهرت ايضا في انسحاب بعض الدول العربية كالمغرب من تنفيذ التزاماتها المنصوص عليها في هذه الاتفاقية عن العام الحالي، وهو العام الخامس في تطبيق الاتفاقية التي وصلت فيه التخفيضات الجمركية الى النصف حيث تم تخفيض 50% من الفئات المطبقة في بدايتها، وهو مؤشر خطير يعني بداية انهيار اقتصادي عربي لم يكن يتوقعه أحد كما حدث في بعض الدول الأجنبية في كل من اسيا وافريقيا وأمريكا الجنوبية. ان التدهور الخطير في أمور التعاون الاقتصادي العربي بدأ منذ سنوات طويلة ولم يلاحظه أحد لأنه يتم بتنظيم عدائي منسق يعمل على ابقاء الحال العربي على ماهو عليه مع تخطيط لتدهوره أكثر في المستقبل، لكي تظل الأمة العربية على ضعفها رغم قوتها، وعلى تجزئتها رغم وحدتها، وعلى فقرها رغم غناها وعلى جهلها رغم توافر علمائها الذين تنتفع منهم الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية والذين ساهموا في تقدم هذه الدول وفي التكنولوجيا الحديثة التي وصلت اليها. وفي ضوء نظرة تحليلية لحالة الأمة العربية، يمكن الوصول الى مظاهر هذا التدهور التدريجي في التعاون الاقتصادي العربي والدور الحقيقي الذي يقوم به الذين لا يريدون صالح هذه الأمة ويقفون ضد صحوتها، هذه المظاهر التي اعطت القوة لاسرائيل لكي تقوم بعمل كل شئ اجرامي ضد الفلسطينيين والعرب دون خوف أو خجل، كما اعطت الحافز للدول الاجنبية لكي تطمع في ثروة الأمة العربية مثلما كان عليه الحال في النصف الأول من القرن الماضي. لقد تجلت هذه المظاهر فيما يلي: أولا: في وقف التعاون النقدي الذي يتعين ان تبدأ به مجالات التعاون بين الدول العربية ففي عام 1953 اعدت اتفاقية تسديد مدفوعات المعاملات الجارية وتحويل رؤوس الأموال بين الدول العربية وكانت بداية التفكير الجدي وشعاع التعاون الاقتصادي الاقليمي حيث اقتبست منها الدول التي انشأت تعاونا اقليميا فيما بعد ومن أولها الدول الاوروبية، اقتبست المبادئ الواردة بهذه الاتفاقية، فرأينا تنفيذ اتحاد المدفوعات الأوروبي والتنظيم النقدي الأوروبي الذي قاد الى العمل بالعملة الموحدة (اليورو) وحتى في افريقيا نشأت ثلاثة تنظيمات نقدية تتمثل في غرفة المقاصة في غرب افريقيا وغرفة المقاصة في شرق وجنوب افريقيا وغرفة المقاصة في وسط افريقيا، ومع ذلك لم تتم أية تنظيمات نقدية عربية داخل المنطقة العربية حتى الآن بالرغم من أهمية وسلامة المبادئ التي كانت تتضمنها الاتفاقية العربية والتي كانت مرجعا للتنظيمات النقدية الاقليمية حيث كانت تسمح للمقيمين في أي بلد عربي يستحق لهم أموال عن سلع أو خدمات في أي بلد عربي اخر في استخدام مستحقاتهم داخل الدول العربية وذلك في اغراض متعددة حيث نص الاتفاق على مايلي: ـ حق المقيم في أي دولة عربية ان يستعمل حسابه الدائن في سداد جميع مدفوعات المعاملات الجارية المستحق دفعها في اراضي الدول المدينة وفي سداد جميع واردات البلد الذي يقيم فيه صاحب الحساب من اراضي الدول المدينة. ـ الحق في تحويل جزء أو كل الحساب الدائن لأي شخص عربي الى المقيمين في أي من البلاد الأطراف المتعاقدين أو بلد اخر. ـ الحق في استعمال الحساب الدائم في سداد أي بضاعة يبيعونها للدول العربية بقصد تصديرها لأي بلد من الدول الاعضاء. ـ اذا كان النظام المتفق عليه في البلد المدين يفرض سداد جزء من قيمة أنواع معينة من البضائع بعملة أجنبية، فيحق لصالح الحساب الدائن ان يسدد فقط بالعملة الاجنبية جزءا من القيمة في حدود افضل نسبة مقررة في البلد المدين ويسدد الجزء الباقي في حساب البلد الدائن. هذه المبادئ التي اخذتها التنظيمات النقدية الاقليمية التي نشأت فيما بعد، كانت من فكر وابتكار رجال النقد والاقتصاد العرب الذين كانوا يأملون ان يعود التعاون النقدي بين الدول العربية الى تعاون اقتصادي شامل ثم الى وحدة اقتصادية كاملة تساعد في علاج المشاكل الاقتصادية والسياسية التي تواجه المنطقة العربية، ولكن ذلك لم يحدث وكان غياب هذا النوع من التعاون نقطة ضعف واضحة في تدهور الاحوال في الكثير من الدول العربية. لقد غاب التعاون النقدي الفني بين الدول العربية وتم استبداله بهياكل ومؤسسات تتضمن اتفاقياتها نصوصا تدعو الى التعاون النقدي العربي، كما هو الحال في اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية واتفاقية صندوق النقد العربي، ولا شك ان غياب هذا النوع من التعاون مع المبادرة بتخطيطه قبل أي تنظيم نقدي اقليمي آخر يبين مدى التدهور الترابطي الحقيقي بين الدول العربية ومدى التخاذل البيني في العمل على توحيد القوى الاقتصادية للأمة العربية، الأمر الذي اعطى المبادرة والفرصة للقوى المعادية التي تقودها اسرائيل، مدعمة بالانانية المفرطة في بعض القياديين العرب، اعطاهم الفرصة للاستمرار في توجيه الضربات المتلاحقة لابناء الشعب العربي الذين لا يرغبون الا العيش الكريم والسلام الأمين. ثانيا: في وقف التعاون التجاري الفعلي لا الشكلي، وعلى سبيل المثال فان حجم التجارة البينية العربية في الربع قرن الاخير لم يتجاوز 9% سنويا بالرغم من مطالبة القمة العربية بضرورة زيادته، وهو ان كان يرجع الى عدم توافر التعاون النقدي العربي، فانه يرجع ايضا لعدم توافر الإرادة السياسية العربية، لانها ان توافرت كان يمكن وضع البنية الاساسية لهذه الإرادة لصالح الشعوب العربية وفي مقدمة ذلك وضع خطة للتكامل الاقتصادي العربي وعدم تضارب المصالح الاقتصادية العربية، وبحيث تقوم هذه الخطة على انشاء المشروعات الصناعية والزراعية في الدول العربية التي تجود فيها والتي يتوافر فيها العوامل الإنتاجية اللازمة لانتاجها بمستويات منافسة للانتاج الأجنبي. لقد تم اعداد أول اتفاقية لتسهيل التبادل التجاري وتنظيم تجارة الترانزيت بين الدول العربية عام 1953، وانضمت الدول العربية اليها بينما لم يكن لها أي تأثير على زيادة التبادل التجاري بالرغم من اجراء تخفيضات جمركية متبادلة على السلع الوطنية المنتجة محليا، والتي لا تشغل أكثر من نسبة ضئيلة لا تتجاوز 25% من الانتاج القومي، بينما لم يكن هناك ترحيب بتبادلها في ضوء ارتفاع اسعارها وانخفاض مستواها الانتاجي، وقد تم تعديل نصوص هذه الاتفاقية عشرات المرات لكي تعمل على زيادة التبادل التجاري العربي البيني ولكن دون جدوى حيث ظلت عند مستواها بل كانت في انخفاض تدريجي خلال بعض السنوات دون ان تعالج الاسباب. ولا شك ان التعاون الجمركي هو اداة رئيسية للتعاون التجاري البيني حيث يتضمن جانبين: ـ تخفيض التعريفة الجمركية على السلع المتبادلة بين الدول العربية، ولقد تمثلت هذه التخفيضات في اتفاقية انشاء منطقة التجارة العرببية الحرة التي ابرمت عام 1997 وتضمنت التخفيضات الجمركية على السلع العربية المتبادلة بين الدول العربية وذلك بمعدل 10% سنويا وللأسف لم ينضم اليها حتى الآن سوى خمس عشرة دولة، بعضهم لم ينفذها بالكامل وبعضهم الاخر يعمل اليوم على الانسحاب منها رغم انضمامه في بداية انشائها كالمغرب التي اوقفت تنفيذ الالتزامات المترتبة عليها بموجب الاتفاقية وكانت قد نفذتها خلال السنوات السابقة. ـ تنسيق التعريفة الجمركية على السلع الاجنبية المتبادلة بين كل من الدول العربية والخارج، بحيث تفرض ضريبة موحدة توضع في جدول واحد للتعريفة المطبقة على السلع الاجنبية الواردة من الخارج لأي من الدول العربية أو المصدرة منها، بحيث لا يكون اختلاف التعريفة ثغرة في التبادل التجاري بين الدول العربية، فإذا كانت هناك دول عربية تضع تعريفة مخفضة على استيراد سلعة أجنبية، بينما يتم العكس في دولة عربية أخرى، فإن التجار في الدول الاخرى يلجأون الى الاستيراد عن طريق المنافذ الجمركية للدولة الأولى. ومن هنا أبرمت اتفاقية اتخاذ جدول موحد للتعريفة الجمركية بين الدول العربية في عام 1956 لكي تكون مكملة لاتفاقية تسهيل اجراء التبادل التجاري، غير انها لم تر النور حتى الآن، بالرغم من تعديلها أكثر من مرة ولم يعد لها ذكر ملحوظ في المناقشات التي تدور في أروقة المصالح العربية كما انه لم تظهر نصوص بديلة لها في اتفاقية منطقة التجارة العربية الحرة وتناساها جميع الأطراف بعد ان كانت من العوامل الرئيسية في التعاون الاقتصادي العربي الذي تمت مناقشته في الخمسينيات وأوائل الستينات. أقول أن جانبي التعاون الاقتصادي العربي لم يعد لهما اثر، حيث توقفا في البداية وتناسيا من الجميع مع تدهور التعاون الاقتصادي وظهور مايسمى باتفاقية الجات، ومع المطالبة بتفعيل اتفاقية صندوق النقد الدولي التي تهدف الى العمل على ظهور عالم جديد يبتعد عن القيود التجارية والنقدية وعن التنظيمات الاقليمية والتي تبلورت مبادئها فيما يسمى بالعولمة بشروط الدول المتقدمة، وهي التي تعمل على استمرار تقدمها وغناها ولا يهم الشعوب النامية الاخرى. وفي ضوء التظورات الاقتصادية العالمية والمطالبة بتطبيق العولمة الاقتصادية، فإن التعاون الاقتصادي العربي يبدو ضروريا وعاجلا، قبل أن تحدث الكارثة وتزداد الأزمة الاقتصادية التي طالت دولاً ومناطق اقليمية عديدة كان اخرها في الأرجنتين التي تحالفت بعض الفئات المحلية فيها مع بعض القوى الخارجية التي تهتم بمصالحها فقط، على حدوث أزمتها التي أدت الى مجاعات علنية رغم توافر الثروة فيها ورغم سلامة البنية الأساسية بها. ومازالت الأزمة مستمرة. مستشار بوزارة الاقتصاد المصرية