اذا كنا قد تناولنا في الحلقتين الاخيرتين صور واشكال الارهاب الاقتصادي الذي تمارسه دول الارهاب في هذا العالم فإننا نتناول في هذه الحلقة الارهاب الاقتصادي المنظم والذي تمارسه منظمات ومجموعات دولية تعمل لصالح دول ضالعة في هذا النوع من الارهاب. ان الارهاب الاقتصادي المنظم من قبل المجموعات الدولية والذي تعمل دول الارهاب الاقتصادي من خلاله للهيمنة الكلية على مقدرات الشعوب وامتلاك القرارات الاستراتيجية في عالم الغد، يتجسد في منظمات اقتصادية وتجارية اصبحت وسوف تصبح ذراعاً قوية وموحدة وصلبة تستخدمها دول الارهاب الاقتصادي ضد دول وشعوب العالم الثالث وهي: منظمة التجارة العالمية ما ان انتهت الحرب العالمية الثانية والقت بأوزارها وفيما دول العالم الثالث تلملم اشلاءها وما كادت تشرع بعد في معالجة اوضاعها الداخلية، كانت الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة تدرس فكرة انشاء منظمة تعمل على تأمين الاستقرار في العلاقات التجارية وتحقق اهداف التجارة الحرة في العالم الصناعي، ففي العام 1946 وافق المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للامم المتحدة على عقد مؤتمر يبحث انشاء منظمة التجارة الدولية ITO، وفي هذا المؤتمر وقعت الدول المشاركة فيه وعددها آنذاك 23 دولة على المباديء الاساسية التي تضمن مصالحها وذلك قبل تطوير هذه المنظمة لتصبح الاتفاقية العامة للتعريفة والتجارة «الجات ـ GATT» التي تشمل مباديء اوسع للتعاون التجاري الدولي بين الدول الاعضاء، ثم تطورت مباديء «الجات» لتصبح منظمة التجارة العالمية بعد توسيع بنودها لتشمل موضوعات تجارية اكثر ومنها حقوق الملكية الفكرية TRIPS. لقد وضعت الدول المؤسسة لهذه الاتفاقية المباديء والشروط التي تخدم مصالحها ولم تأخذ بعين الاعتبار التباين الواضح في مستوى التنمية فيما بينها وبين الدول النامية التي كانت ولاتزال منشغلة في ترميم مشاكلها المتفاقمة، ولم تراع الدول المؤسسة تلك ان دول العالم الثالث تحتاج الى تدابير خاصة كي تستطيع ان تواكب مستوى التجارة والتنمية في الدول الصناعية التي كانت قد قطعت شوطاً كبيراً في التنمية ولاسيما التنمية الصناعية. وبالتالي فإن مباديء وشروط المنظمة لم تكن قط تراعي مصالح دول العالم الثالث، وكان على دول العالم الثالث هذه ذات الاقتصاديات المتخلفة، أو تلك التي تتسم بالاقتصاديات الناشئة الصغيرة ان تقبل بالشروط الظالمة كي تصبح عضوا في المنظمة وتدخل في فلك الدول الصناعية!! ولتصبح هذه المنظمة احدى آليات الارهاب الاقتصادي التي تستخدمها الدول الارهابية واحدى اذرعتها القوية ضد الدول الصغيرة حتى لو كانت الدول الصغيرة هذه اعضاء في المنظمة ذلك ان المعايير التجارية في هذه المنظمة لم تكن يوما تراعي مصالح الدول الضعيفة «دول العالم الثالث» من هنا فإن المواجهات والصدامات التي تصاحب اجتماعات المنظمة اينما عقدت هي في حقيقة الامر رد فعل الشريحة الكبرى من سكان الارض المتضررين من هذه الاتفاقية أو هذه المنظمة التي تعد احدى المنظمات الاقتصادية التي تمارس دوراً ارهابياً ضد شعوب ودول العالم الثالث خاصة وضد فقراء العالم عامة. العولمة الاقتصادية اذا كانت منظمة التجارة العالمية قد جاءت وليدة الحرب العالمية الثانية وارست مباديء حرية التجارة بين الدول الاعضاء في ظل اعتبارات وشروط الدول العظمى فيها، فإن العولمة الاقتصادية جاءت وليدة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي الغربي ليخف صدى الحروب العسكرية والتجسسية بين المعسكرين ويتصاعد صدى الحروب الاقتصادية مع تنامي نزعة الهيمنة والسيطرة لدى المعسكر الغربي على «بواقي» المعسكر الشرقي الذي تعرض للتفكك والتهشم بفعل العوامل الاقتصادية واسلحة التدمير الاقتصادي التي استخدمتها دول المعسكر الغربي ضدها، وتأتي نزعة السيطرة لدى الغرب بعد ان تمكن هذا «الغرب» من الهيمنة الكلية على دول الجنوب التي اصبحت تعاني من تخلف اقتصادي واجتماعي وثقافي. من هنا فإن مصطلح «العولمة» والمستمد من العالمية او الكونية هو وليد فكر اقتصادي استراتيجي غربي وينطوي على اهداف محددة وابعاد معينة، واذا كانت منظمة التجارة العالمية تعني اتفاقية للتجارة الدولية بين دول اعضاء فيها، فإن هذه المنظمة اصبحت حلقة موصلة للعولمة الاقتصادية التي تتحول فيها الدول الى شركات معولمة، حيث ان تفسير العولمة الاقتصادية هو «سيطرة الشركات العالمية على السلع والخدمات والايادي العاملة، ورأس المال في دول العالم» اي سيطرة هذه الشركات على مختلف عناصر الانتاج سواء السلع الاولية او حركة الانتاج أو رأس المال بحيث توظف عناصر الانتاج هذه في خدمة اهداف الشركات العالمية والعالم قد دلف الى الالفية الثالثة!! حينها تصبح هذه الشركات المالكة الفعلية لموجودات العالم واصوله وسلعه الاولية ومقدراته الطبيعية واسواقه وربما لبشره ايضا، ولما كانت هذه الشركات العالمية هي شركات امريكية وأوروبية الصنع، فإن ذلك يعني ان هذه الشركات هي التي تملك العالم خاصة وان هذه الشركات هي التي اصبحت اللاعب الحقيقي في عمليات الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في الدول الغربية، اي انها هي المالكة لسلطة القرار الاقتصادي والسياسي، وبالتالي فإنها تلقائيا تصبح مالكة لسلطة القرارات الاستراتيجية في مختلف دول العالم، وهنا تصبح الالفية الثالثة هي الفية شركات العولمة لا الدول أو الانظمة!! وهذه الشركات هي الامبراطوريات الرأسمالية الحديثة في ظل الالفية الثالثة!! ولما كانت العلاقات الدولية في عصرنا الحالي تستند على اساس من المصالح الاقتصادية ولما كانت هذه العلاقات لا تراعي اية اعتبارات اخلاقية او انسانية، فإن شركات العولمة هذه التي تحكم العلاقات الدولية تشكل اخطبوطا عالميا يسعى بكل جهده وقدرته لامتصاص العالم الضعيف الامر الذي ينفي مفهوم العدالة الاجتماعية التي يدعيها قادة الغرب، خاصة عندما تقود شركات العولمة هذه ارهابا اقتصاديا يمتص معه دماء شعوب العالم الثالث وتجهز على البقية الباقية من اشلائهم!! صندوق النقد والبنك الدوليان هاتان المنظمتان الاقتصاديتان جاء ميلادهما عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وعلى الرغم من ان الاهداف التي نصت عليها انظمتهما الاساسية تنصب على تحقيق اصلاحات اقتصادية وتنمية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في مختلف دول العالم، إلا ان خضوعهما لتأثير الدول العظمى ووجودهما في عاصمة الاقتصاد الرأسمالي العالمي الحر قد ادى الى تحولهما عن تحقيق اهدافهما الاصلاحية، لاسيما في دول العالم الثالث بعد ان تحولا الى ذراعين قويتين لدول الارهاب الاقتصادي، وبسبب الآليات والسياسات التي تضعانهما يإيعاز من دول الارهاب فإنهما ساهتما في تخريب مشاريع التنمية والاصلاح الاقتصادي في الدول العالم الثالث خاصة فقد شهدت هذه الاقتصاديات تخريبا حقيقيا سواء في السياسات النقدية وسياسات اسعار الصرف وتدهور العملات أو في سياسات موازين المدفوعات حيث وصفات صندوق النقد الدولي ـ الذي التزم بتنفيذ سياسات التخريب التي تضعها دول الارهاب الاقتصادي ـ فيما البنك الدولي المعني بالتنمية فإن حصاد سياساته ونصائحه ووصفاته المشبوهة لدول العالم الثالث لم تزد هذه الدول إلا تخلفا وتدهوراً في قواعدها الانتاجية وسياساتها التنموية، لتخضع هذه الدول لشروط الاقراض والتمويل الظالمة، ولتتفاقم الاوضاع الاقتصادية وتزداد ترديا وتفقد سلطات الحكم السيطرة على الاوضاع الداخلية، ويدخل عدد من دول العالم الثالث نفق التبعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لدول الارهاب، فيما العدد الباقي يسير في الاتجاه ذاته حيث بدأت اقتصادياتها تعاني من اضطرابات حقيقية وضعف واضح وبدأ الصندوق والبنك الدوليان يتدخلان لتحقيق مصالح الارهاب الاقتصادي وترجمة اهداف الدول المتبنية له!! ليؤكدا حقيقة دوريهما واهدافهما باعتبارهما ذراعي الارهاب ليحكما السيطرة والهيمنة ويمكنا دول الارهاب من احكام السيطرة على مقدرات شعوب العالم الثالث وليصبح عالمنا عالم الارهاب الاقتصادي.