الانهيار المدوي لشركة «أنرون» الأمريكية العملاقة المتخصصة في انتاج الغاز الطبيعي وتوليد الطاقة وتسويق الكهرباء ألقى بظلاله على دور ومسئولية شركات التدقيق والمحاسبة فقد اتجهت الانظار إلى مدققي حسابات انرون وهي شركة «ارثر اندرسون» وتطورت الاحداث لاتهام من وزارة العدل الامريكية ثم بدأ الحديث عن الاندماج مع شركات اخرى. البعض وصف ما حدث بانه عملية «تستر هائلة وتشوه سمعة اندرسون» لكن في المقابل مسئولو شركة المحاسبة يرون ان هناك ابعادا اخرى. محليا.. اجتمع المصرف المركزي بمسئولي ارثر اندرسون بالامارات للاطلاع على الوضع الحالي، واطمأن على سلامة موقفها. «البيان» التقت حامد احمد كاظم المدير الشريك المسئول عن مكتب ارثر اندرسون في دبي، وطرحت عليه الاسئلة التي تدور في أذهان المتابعين ومدى تأثير ذلك محليا واقليميا. استئناف الحكم ـ نبدأ من اخر التطورات ما تعليقكم على اتهامات وزارة العدل الأمريكية؟ ـ توجيه الاتهام من قبل وزارة العدل الامريكية لا يعني أننا متهمون ولا يمنعنا من قيامنا بعملنا في الولايات المتحدة إلى ان نستطيع رد الاتهام والذي نعتقد انه تعدى صلاحيات وزارة العدل الامريكية، وسنقوم باستئناف الحكم حيث سبق واوضحنا ان عملية اتلاف الوثائق تمت من قبل افراد في مكتب هيوستن وتمت اقالتهم ولا يعقل ادانة الشركة كلها بوزر اشخاص معدودين. ـ ما تأثير ما تردد عن خيارات للاندماج مع شركات اخرى على نشاطكم بالامارات؟ ـ اننا ندرس عدة خيارات منها الاندماج وأود ان اذكر انه على الرغم من تداعيات انرون، فان مكاتب اندرسون في مختلف انحاء العالم قوية ولديها قاعدة ممتازة من العملاء والمهنيين ولن يتأثروا بما يحدث في الولايات المتحدة وهذا سار على مكاتبنا في الامارات العربية المتحدة حيث ان عملاءنا على وعي تام بأن مكاتبنا هنا تقوم بخدمتهم بأكمل وجه وليس لها ذنب فيما حصل في مكان آخر. علاقة شراكة ـ ما طبيعة العلاقة التي تحكم بينكم وبين آرثر اندرسون العالمية؟ ـ نحن شركة واحدة في جميع انحاء العالم، وارثر اندرسون الامارات جزء من الشركة العالمية ولا تعمل بطريقة «الفرانشايز» وانا لست وكيلا محليا وانما شريك فاعل مع الشركة العالمية ومقرها شيكاغو الامريكية، الشركة تعمل في الامارات منذ 20 عاما واصبحت منذ 5 سنوات من اكبر مكاتب التدقيق والمحاسبة والاستشارات على مستوى الشرق الاوسط، ووفقا للارقام فان ارثر اندرسون العالمية تقدر مبيعاتها حاليا بنحو 5 ـ 10 مليارات دولار عن العام 2001، وكانت اكبر شركة عالمية قبل انفصال شركة «اكسيبشنز اندرسون كونسالتنج» بحجم مبيعات 16 مليار دولار، وخدماتنا تشمل ايضا الاستشارات القانونية، والضرائبية والادارية والحاسب الآلي، وتضم الشركة 85 الف موظف في نحو 350 مكتبا حول العالم. دور التدقيق ـ كيف تفسر ما حدث مع «انرون» هل هي اخطاء محاسبية من جانب اندرسون، ام هناك اسباب اخرى؟ ـ هناك في رأيي تضخيم لما حدث خاصة فيما يتعلق بمسئولية ارثر اندرسون، فالانهيار له اسباب وتداعيات اخرى سياسية واقتصادية. مشكلة انرون انها نوعت نشاطها وتحولت من منتج للطاقة إلى تاجر في مجالات المعادن والفحم والورق والاتصالات والشحن والائتمان والادوات المالية وغيرها وادى دخولها في غير مجالاتها الاصلية إلى اقتراضها مبالغ كبيرة اضافة إلى مخاطرات غير محسوبة بالاضافة إلى انخفاض الطاقة والاتصالات وتدهور اسعار الاسهم وكذلك ايقاف محطة التوليد ا لضخمة التي قامت ببنائها الشركة في الهند في يونيو 2001 وتأثير ذلك على اسهم انرون، وسرعان ما فقد المستثمرون والمتاجرون معها ثقتهم، فأدى ذلك إلى نقص حاد في السيولة وافلاس سريع حيث ان قروضاً للشركة قيمتها 3.4 مليارات دولار كانت تصبح مستحقة اذا انخفضت قيمة اسهم الشركة عن 59 دولارا كمرحلة اولى، وهذا ما تم فعلاً مما ادى إلى عدم قدرة الشركة إلى تسديد قروضها. ومن الضروري ان نعرف ان سهم شركة انرون انخفض من 80 دولاراً إلى حوالي 10 دولارات بنسبة 90% قبل ان تعلن عن نيتها في اعادة تقييم حساباتها، هذا يعني ان القول بان حسابات الشركة ادت إلى افلاس انرون هو قول غير دقيق، فما حدث يشبه ما قد يحدث مع مطالبة المودعين لدى احد البنوك بودائعهم مرة واحدة، مما يؤدي إلى انهيار مركزه المالي. ـ لكن ما هو دوركم في تحديد القيمة السوقية لشركة انرون؟ ـ مدققو الحسابات يصدرون تقريرهم من البيانات التاريخية والقيمة الدفترية للشركات ولا يبدون أي رأي في القيمة السوقية التي تحددها توقعات السوق والمضاربين، واسهم انرون كانت تتداول بسعر 55 مرة مضاعف صافي ارباحها وهي نسبة عالية جدا ولا يمكن فهم كيف تم التوصل إليها وخاصة اذا قارناها بالشركات الاخرى الناجحة، جولدمان ساكسي 16 مرة، نجد انها تماثل ثلاثة اضعاف المتفق عليه ولكن هذا الموضوع ليس من مهام مدققي الحسابات. ـ واين دوركم من قرارات ادارة الشركة؟ ـ اولا لابد من ألا نخلط بين قرارات الادارة واعمال التدقيق، فاصحاب القرار في أي استثمار أو مشروع وفي حسن تسييره هم ادارة الشركة وليس لمدقق الحسابات دخل في توجيه تلك القرارات، فالشركة عرفا ونظاما مسئولة عن بياناتها المالية ونتائج قراراتها ويوفر التدقيق تأكيداً معقولاً بأن البيانات المالية تظهر بعدالة، وقد تم اعداد البيانات المالية وفق معايير المحاسبة الامريكية وهي تختلف في العديد من الجوانب عن المعايير الدولية أو تلك المتبعة في بريطانيا، المشكلة ان معايير المحاسبة الامريكية فشلت في اظهار الوضع المالي بشكل صحيح وأدى ذلك بدوره إلى قيام لجنة المعايير المحاسبية بمشروع اعادة صياغة المعايير المحاسبية كما قال مسئولوها. مسئولية اندرسون ـ متى كانت اخر عملية تدقيق لارثر اندرسون لشركة انرون؟ ـ كانت اخر عملية تدقيق لشركة انرون في حساباتها المنتهية في ديسمبر 2000 واصدرنا تقريرنا حولها في 23 فبراير 2001 وظهرت تحليلات الادارة بالتقرير السنوي لعام 2000 في ثماني صفحات، وتضمنت البيانات الحسابية ست عشرة صفحة من الايضاحات بما في ذلك الايضاح رقم (1) الذي اوضح عن عدد من الاستثمارات غير الموحدة بالبيانات الحسابية، كما تم الافصاح بإيضاحات اخرى عن دخول أنرون في عمليات تجارية مع اطراف ذات علاقة.. ونفس التفاصيل كانت في بياناتها المدققة لسنة .99. فما هو المطلوب اكثر من ذلك؟ هذه هي الاعراف المحاسبية وان التطورات التي ذكرناها حصلت خلال الاشهر التسعة التي تلت اصدار تقريرنا ولم تكن مسئوليتنا واصدار تقارير بهذا الخصوص لحين انتهاء وتدقيق العام 2001م. ـ بصراحة هل يعفي هذا مسئوليتكم المحاسبية، فالبعض يتهم اندرسون بإتلاف أوراق تتعلق بعمليات التدقيق؟ ـ اجمالاً المحاسبة تعكس واقعاً اقتصادياً وادارياً، فالفشل كان اقتصادياً أولاً وناتجاً عن اخطاء ادارية ثانياً ثم تأتي مسئولية المحاسبة. ثم.. دعني اوضح لك ان من الطبيعي والروتيني ان يحتفظ مدققو الحسابات بأوراق عملهم النهائية ويتخلصوا من المسودات والملاحظات الشخصية والمستندات التي يرونها غير ضرورية لدعم تقرير المراجعة، وهو اجراء قانوني متعارف عليه في المهنة وتتعامل به جميع شركات تدقيق الحسابات لكن خطأ الشريك المسئول عن التدقيق كان في أنه استمر في إتلاف الاوراق غير المهمة لاربع وعشرين ساعة بعد صدور طلب معلومات عن انرون من قبل هيئة الرقابة على سوق المال مما ادى الى اقالة هذا الشريك. لكن اندرسون على الجانب الآخر هي التي قامت بالمبادرة بتقديم كل المعلومات لهيئة الرقابة والكونجرس وغيرهما وهي التي قدمت الافادة عن نفسها بتوقف الاتلاف بعد اربع وعشرين ساعة، وهذا التعاون من اندرسون قام بعكسه مدراء انرون فرفضوا المثول امام الكونجرس أو الافادة بما لديهم. وقد كلفنا مكاتبنا الرئيسية باطلاع عملائهم على المستجدات حال ظهورها في الولايات المتحدة الامريكية. ـ هل تعتبرون ان الصحافة الغربية لعبت دوراً في التشويش على اندرسون بما نقلته عن افلاس «أنرون»؟ ـ ليس تماما.. فقد صدرت في الصحافة الغربية تحليلات لوقائع انرون انصف فيها الكثيرون اندرسون، فمثلاً نشرت فاينانشيال تايمز في آخر يناير الماضي ان المسئولية الحقيقية بشأن الحسابات تقع على عاتق ادارة ومدراء انرون وتشير الى ذلك كافة تقارير مدققي الحسابات، وكذلك في الهيرالد تريبيون ونيويورك تايمز نشرت عدة مقالات مؤخراً تساءلت فيها عن دور البنوك الاستثمارية والمقرضة وكذلك الشركات التي قيمت انرون عدم الافصاح عن وضعها المالي. ـ هل ترى ان كانت هناك اطراف اخرى كان من الممكن ان تعلم بأن انرون في طريقها الى الافلاس وبالتالي تحذر المستثمرين؟ ـ شركات تقييم الملاءة الثلاث الكبار كانت تقيم انرون باستمرار واعترفت انها ربما تأخرت في تخفيض تقييم الشركة وربما اثر عليها بعض البنوك الاستثمارية التي كان من مصلحتها ان يتم دمج انرون مع شركة «دينجي» ولعل هناك رسالة في قرار احد اكبر البنوك التي كانت اقرضت الشركة بـ 1.4 مليار دولار ان تقوم بتأمين هذا المبلغ في الفترة من شهر اغسطس 2000 وحتى مايو 2001 حيث نقلت المخاطر بصورة كامل الى مستثمرين اخرين فقدوا استثماراتهم نتيجة افلاس «انرون» ولم يحقق هذا البنك خسائر نتيجة لاقراضه «انرون». التأثير بالمنطقة ـ الى أي مدى يمكن ان يؤثر ما حدث عالميا عن أرثر اندرسون بالامارات ومنطقة الشرق الاوسط؟ ـ اجتمعنا مع بداية الاحداث مع محافظ المصرف المركزي بالامارات ووضعنا امامه كافة الحقائق وطمأننا مؤكداً عدم وجود أي «غبار» علينا لذلك أؤكد.. ان ما حدث يؤثر على اعمالنا في الدولة والمنطقة.. فعملاؤنا على مستوى عال من الوعي والثقة في اعمالنا ونحن نخدم نحو 2000 عميل بالمنطقة على مدى ربع قرن من الزمان، ونتعامل معهم من هذه القضية وغيرها بمنتهى الشفافية والوضوح ومركزنا قوي بالسوق المحلي والاقليمي، ربما دار كلام كان عبارة عن مجرد تساؤلات من بعض العملاء.. ولا اخفى سراً اذا قلت ان بعض المنافسين في السوق حاول استغلال الفرصة للتشويش على سمعتنا. ـ ألم تواجهوا حتى الآن اي مواقف سلبية من عملائكم بالمنطقة؟ ـ على العكس فقد بادر الكثيرون منهم الى تجديد الثقة في مكاتبنا الـ 14 وتولوا نيابة عنا في بعض الحالات شرح ما حصل في امريكا وتأكيد استقلالية كل شريك من اندرسون وثقتهم بامانته المهنية ضمن الاطار العام لمفهوم مهنة التدقيق وقد حصلنا بعد الاحداث على محاسبة مشروع ضخم بقيمة 50 مليون درهم في المملكة العربية السعودية. 25% نمواً ـ ماذا عن حجم اعمالكم بالامارات؟ ـ نحن نحتل المراتب الاولى من حيث حجم العمل بالامارات ولدينا نحو 500 عميل داخل الدولة منهم 350 عميلاً في دبي وحدها ويبلغ عدد موظفينا 150 موظفاً في مجالات التدقيق والاستشارات الضريبية والحاسب الآلي. وتبلغ نسبة النمو في حجم اعمالنا في الامارات ما بين 20% ـ 25% سنوياً. ـ اجمالاً.. هناك اتهام بأن شركات المراجعة المحاسبية والتدقيق تعمل وفق ارادة الشركات لتجميل ميزانياتها فما مدى صحة ذلك؟ ـ المفروض ان يكون للمدقق استقلالية في عمليات المراجعة وهناك احياناً اتهامات من الجمعيات العمومية للمكاتب بالتواطؤ مع مجلس ادارة الشركات وأحيانا قد يرضخ المدقق لرغبة مجلس الادارة خشية انتهاء العلاقة معه، وهذا قد يحدث بالنسبة لبعض المكاتب لكن الشركات والمكاتب العالمية مثل ارثر اندرسون لا تخشى من ذلك، والطبيعي ان تكون هناك استقلالية، من هنا لابد من وجود جهات رقابية فعالة على مكاتب المراجعة من خلال الجهات المعنية، كذلك لابد ان يكون للجمعيات العمومية للشركات داخل الدولة دور فعال، فإذا نظرنا إلى الخارج نجد ان دور مكاتب التدقيق قوي للغاية ومثال ذلك فقد طلبنا من مكتب تدقيق اخر في الولايات المتحدة بعدما حدث في انرون بالقيام بتدقيق ومراجعة جودة عملنا وبالفعل قام بذلك واشاد بادائنا. ـ ما تقييمك لأداء مكاتب التدقيق محليا؟ ـ بصراحة الاداء دون المستوى العالمي لان غالبيتها شراكات محلية وتعمل بلا رقابة فعلية، فالتدقيق عملية ضرورية للغاية في عمليات التنمية الاقتصادية بالتالي يجب ان يكون اداء مكاتب التدقيق على اعلى مستوى. ـ هل ترى ان قضية انرون تكشف عن حقائق كانت غائبة عن اذهان المستثمرين العرب والاعتقاد بافضلية المعايير المحاسبية الامريكية؟ ـ اعتقد ان اربعة افتراضات كنا نأخذها كأمور مسلم بها نسفتها هذه القضية، فقد كنا نعتقد خطأ ان ادارة الشركات الامريكية ومجالس ادارتها واساليب الرقابة بها تؤمن للمستثمر الاطمئنان على استثماراته ولكن وجدنا انها لا تعمل جيدا وان الادارة لا تتمتع دائما بالمهنية والاخلاقية المتوقعة منها. كما كنا نعتقد في كثير من الدول العربية ان المعايير المحاسبية الامريكية هي الافضل والاكثر شفافية وحماية للمستثمر ومن الواضح ان هذا كان افتراضا خاطئا ولربما كان الوقت مناسبا الآن لاعادة النظر وتبنى المعايير المحاسبية الدولية بدلا من الامريكية، وقد اعترفت هيئة المعايير الامريكية بان المعايير المحاسبية الحالية لا تفي بالغرض بالنسبة للافصاح وهم بصدد مراجعة جميع المعايير المحاسبية الامريكية، كما اظهرت القضية بوضوح ان اعضاء الكونجرس والادارة الامريكية، كانوا اقرب كثيرا مما يجب لهذه الشركة وادارتها وربما غضت الطرف عن بعض المخالفات. واخيرا كان الاعتقاد السائد هو ان الاستثمار في السوق المالي آمن من المخاطر ما دام المستثمر يساهم في شركات كبيرة ورابحة وقد تعلمنا ان ذلك غير صحيح دائماً. حوار: عادل السنهوري