لا شك بان التغييرات السريعة والجذرية في النظام الاقتصادي العالمي الجديد، المتمثلة في التوجه نحو تفعيل الحرية الاقتصادية وازالة العوائق امام تدفق التجارة السلعية والخدمية والاستثمارات الخارجية، والاتجاه نحو اقامة التكتلات الاقتصادية، اضافة الى زيادة حدة المشكلة الاقتصادية والمالية التي تواجه العديد من الدول النامية والمتقدمة ادت الى زيادة حدة المنافسة بين الشركات والمؤسسات التجارية، وزيادة التحديات التي تواجهها، فصار لزاما عليها تفادي الاثار السلبية لهذه التحديات او التعايش معها والتأقلم عليها من خلال تنويع خدماتها وتقليل تكاليفها وتحقيق الانتشار على الصعيدين المحلي والاجنبي. ان الحافز لمواجهة هذه المتغيرات حدا بالكثير من الشركات والمؤسسات الى الاندماج فيما بينها خلال السنوات الاخيرة. وقد نشأ عن بعض عمليات الاندماج كيانات عملاقة ذات كفاءة عالية بما تملكه من امكانات كبيرة تمكنها من استغلال احتدام حدة المنافسة العالمية لصالحها. فالشركات ذات التقدم التقني والرأسمالي والتكنولوجي ستكسب بالتأكيد قصب السبق في ميدان المنافسة الحرة الخالية من القيود والعوائق. وتترتب على عمليات اندماج الشركات الكثير من المزايا والايجابيات لعل ابرزها الاستفادة من مزايا الحجم الكبير، وتوفير قوة تفاوضية في سوقي مستلزمات الانتاج والسلع المنتجة ، وتحسين الانتاجية، وتطوير الانظمة الادارية والمالية، التوجه نحو استخدام التقنية المتقدمة، وتفعيل عمليات البحث والتطوير، والمقدرة على الحصول على التمويل من المؤسسات المصرفية العالمية بشروط مواتية. ويعتبر الاندماج حلا مثاليا للعديد من الشركات المتعثرة والمهددة بالافلاس والتصفية، ويساهم في تحريك النشاط الاقتصادي وتنويع قاعدة الانتاج وخدمة اهداف التنمية في المدى البعيد. ومن ناحية اخرى قد يؤدي الاندماج الى بروز شركات احتكارية تستطيع السيطرة على الاسواق بما يؤدي الى خدمة مصالحها وتعظيم ارباحها على حساب المستهلك النهائي، لذلك تسعى العديد من الحكومات قبل موافقتها على عمليات الاندماج الى وضع ضوابط وشروط تحد من القوة الاحتكارية للشركة الجديدة الناتجة. وشهدت السنة الحالية اتجاها متزايدا غير مسبوق للاندماج بين العديد من الشركات العالمية ويبدو ان ذلك يرجع الى سعي هذه الشركات للتخلص من متاعبها الخاصة الناتجة عن المشكلة الاقتصادية الخطيرة التي شهدتها دول جنوب شرق اسيا وانهيار الاسواق المالية وتراجع اسعار النفط العالمية. فقد وجدت في الاندماج الحل الامثل للخروج من عنق الزجاجة الذي وضعت فيه نتيجة للتطورات غير المواتية على صعيد الاقتصاد العالمي. ومن الاندماجات الضخمة التي حصلت على الصعيد العالمي اندماج شركتي موبيل واكسون العاملتين في مجال الطاقة والنفط، بحيث اصبحت الشركة الجديدة تفوق امكاناتها في مجال الطاقة امكانات بعض الدول النفطية. كذلك اندمجت شركة توتال الفرنسية مع شركة بتروفينا البلجيكية لتعزيز وجود كل من الشركتين في مجال النفط في بحر قزوين وللحد من الاثار السلبية لانخفاض اسعار النفط العالمية. وقد بينت الاحصاءات ان قيمة صفقات الاندماج التي اعلنت في امريكا وحدها خلال النصف الاول من العام 1998 تبلغ حوالي 813 مليار دولار. وعلى الرغم من ان فوائد الاندماج عديدة، والاثار السلبية للشركات والمشاريع الصغيرة واضحة للعيان كما تم توضيحها سابقا، الا ان تجربة الدمج بين الشركات الخليجية لم تحظ بالاهتمام المطلوب مع ان الجهات الحكومية في هذه الدول لا تبدي ممانعة بل وتشجع مثل هذا الامر وتقدم له التسهيلات والحوافز المختلفة. ويلاحظ اتحاد الغرف الخليجية ان عمليات الدمج التي حدثت في دول المجلس تركزت في القطاع المالي والمصرفي، ففي السعودية تم عام 1983 دمج كل من بنك ملي ايران وبنك لبنان والمهجر وبنك يونايتد لمتد اف باكستان في بنك واحد هو البنك السعودي التجاري المتحد، كما اعلن في بداية عام 1997 عن دمج بنكي القاهرة السعودي والبنك السعودي التجاري المتحد وفي عام 1999 تم الاعلان عن اندماج البنك الامريكي مع السعودي المتحد. وفي عمان شجعت السلطات النقدية هناك بعض عمليات الدمج بين عدد من البنوك العاملة فيها بفضل ما قدم لها من حوافز شملت ايداع 50% من راس مال البنك الجديد لدى البنك المركزي بفائدة 3% سنويا لمدة اقصاها 5 سنوات. ومن اهم الامثلة على عمليات الاندماج التي تمت اندماج بنك عمان العربي والبنك العماني الاوروبي تحت اسم بنك عمان العربي. وتم دمج بنكي مسقط والاهلي العماني تحت اسم بنك مسقط الاهلي العماني عام 1993. ودمج بنك عمان التجاري ومؤسسة المصرف العماني تحت اسم بنك عمان التجاري المحدود. واعلن مؤخرا عن الموافقة على اندماج بنك الخليج الدولي ومقره البحرين مع البنك السعودي العالمي ومقره لندن ليشكلا معا البنك الرائد في تقديم كافة الخدمات المالية في منطقة الخليج، كما تم الاعلان عن اندماج شركتين ماليتين اسلاميتين في البحرين في الايام الاخيرة من العام 1998. تلا ذلك الاعلان عام 1999 عن اندماج الاهلي التجاري مع الكويتي المتحد ثم بين هذا الكيان الجديد وبنك البحرين التجاري عام 2001 تزامن معه ايضا الاعلان عن اندماج مجموعة البركة المصرفية مع مجموعة المستثمر الدولي. وفشلت بعض من محاولات الدمج التي جرت في عدد من دول المجلس في القطاع المصرفي. ففي الكويت مثلا اعلن عن عملية دمج بين بنك الكويت الصناعي والبنك العقاري الكويتي وصدرت موافقة البنك المركزي المبدئية على اقتراح دمجهما الا ان الدراسات اللازم اجراؤها بهذا الخصوص لم تنجز بعد من قبل ادارة البنكين المذكورين. كما وسبق للبنك المركزي الكويتي الموافقة على دخول شركتين للاستثمار في عملية دمج هما: الشركة الكويتية للاستثمار والشركة الكويتية للتجارة والمقاولات والاستثمارات الخليجية الا ان العملية لم تسفر عن شيء الى الان. وقد قامت احدى شركات الاستثمار بشراء حصص رئيسية في بنكين تجاريين محليين ، واعلنت عن نيتها العمل على دمج ثلاثة مصارف محلية. وفي البحرين قامت مؤسسة النقد باجراء دراسة عن السبل والوسائل الكفيلة باتمام عملية الدمج بين بعض البنوك التي ابدت رغبتها في الاندماج وقد حددت الدراسة جدوى عملية الدمج والخطوات الواجب اتباعها لتحقيق الحماية والكفاية لحقوق المساهمين والمودعين والعاملين بشكل عام. الا ان البنوك المعنية قررت التمهل في البت في عملية الدمج نظرا لتحسن اعمالها. ان العوائق التي تحول دون النهوض بعملية الاندماجات بالصورة المطلوبة بدول المجلس هي عديدة ، واهمها تتمثل في عدم وجود اطار قانوني واضح لتملك ودمج الشركات في معظم دول المجلس، وان معظم الشركات الكبيرة في المنطقة شركات عائلية. لذا فان العمل على تحويلها الى شركات مساهمة سيفتح الباب امام تيسيير وتسهيل عملية الاندماج . ان الاندماج هو الطريق الوحيد امام الشركات الخليجية لمواجهة التحديات الراهنة وتفعيل دورها الاقتصادي في الاسواق المحلية والانطلاق نحو الاسواق العالمية . لذا فانه من الضروري تبني استراتيجية خليجية موحدة في هذا المجال تقوم على اصدار القوانين والانظمة التي تحدد اجراءات الدمج وشروطه بحيث لا يؤدي الى نشوء احتكارات تضر بالاقتصادات المحلية، وتقديم الاعفاءات الضريبية والجمركية للشركات المندمجة، وحفز الشركات العائلية الكبيرة للتحول الى شركات مساهمة واجراء دراسات اقتصادية وفنية للشركات الخليجية التي يمكن ان تندمج معا، وعقد لقاءات دورية بين اداراتها لحثها على الاندماج من خلال شرح آليات الاندماج وطرقه وفوائده لهذه الادارات. وفي هذا الاطار يمكن للغرف الخليجية ان تلعب دورا محوريا بما تملكه من خبرات وصلات متشعبة مع مختلف الشركات ورجال الاعمال . ان الاوضاع الاقتصادية الراهنة التي تؤثر على دول المجلس تجعل من مسألة الاندماج الافقي او العمودي بين الشركات الخليجية مسألة مصيرية لا تحتمل التأجيل والا كانت النتيجة سلبية على الشركات الخليجية خصوصا والاقتصاد الخليجي عموما.