هل ستشهد بورصة نيويورك تراجعاً للسنة الثالثة على التوالي هذا العام؟ وهل سيكون أداء السندات أفضل من أداء الأسهم هذه السنة أيضاً؟ وهل ستكرر أسواق الأسهم في كل من الأردن وقطر والكويت والإمارات الأداء المرتفع الذي سجلته هذه الأسواق العام الماضي؟ وما هي التوقعات لأسواق الأسهم العربية والدولية لعام 2002؟ لقد سجل العائد على الاستثمار في سوق عمان المالي السنة الماضية أفضل أداء له منذ ثمانية أعوام إذ ارتفع المؤشر بنسبة 30% ليسجل ثالث أفضل أداء بين أسواق الأسهم العالمية بعد سوق الأسهم الروسية حيث ارتفع المؤشر مقوماً بالدولار بنسبة 53%، وسوق الأسهم القطري الذي ارتفع بنسبة 37% كما أن سوق الأسهم الكويتي ارتفع بنسبة 27%. على أن معظم المستثمرين في سوق الأسهم الأردني وأسواق الأسهم العربية الأخرى لهم استثمارات أيضاً في سوق الأسهم الأمريكي والذي تراجع العام الماضي للسنة الثانية على التوالي مضيفاً للتراجع الذي سجل عام 2000، وهذه هي المرة الأولى منذ أواسط السبعينات التي يسجل فيها سوق الأسهم الأمريكي هبوطاً في سنتين متتاليتين. وبعد أن كان معدل ارتفاع سوق الأسهم الأمريكي في حدود 20% سنوياً خلال فترة التسعينيات، أصبح سالباً خلال السنتين الماضيتين. فاق أداء السندات أداء الأسهم في أسواق رأس المال الأمريكية العام الماضي، وبحسب المؤشرات التي تصدرها ميريل لينش للسندات، فإن سندات الخزينة الأمريكية وغيرها من سندات الشركات الأمريكية ذات التصنيف الائتماني الجيد قد حققت عائداً في عام 2001 قدره 8.3% (بعد أن تعدى هذا العائد مستوى 12.9% قبل أحداث سبتمبر). وكانت هذه هي السنة الثانية على التوالي التي جاء فيها أداء السندات الأمريكية أفضل من أداء الأسهم في سوق وول ستريت. كما حققت السندات التي تصدرها الدول الناشئة في سوق اليورودولار، باستثناء الأرجنتين، عائداً إجمالياً قدره 19.8% في 2001، وهذا العائد يشمل ارتفاع أسعار السندات إضافة إلى الفائدة التي تدفع للمستثمر في هذه السندات. وإذا ما شملنا الأرجنتين فسيتراجع عندها إجمالي أداء أسواق السندات التي تصدرها الدول الناشئة إلى -0.8%، إذ أن السندات التي صدرتها الأرجنتين في سوق اليورودولار قد هبطت العام الماضي بنسبة 67% بعد إعلان الحكومة هناك عجزها عن خدمة الدين. سوف نقتصر في تحليلنا هنا على الاتجاهات العامة لأسواق الأسهم والسندات وليس على التنبؤ بالمستويات التي ستكون عليها مؤشرات هذه الأسواق بنهاية عام 2002. ولم يحدث في السابق أن سجل سوق الأسهم الأمريكي أداءً سالباً لأكثر من سنتين على التوالي. فقد انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز للشركات 500 الكبرى في سوق الأسهم الأميركي في حدود 9% عام 2000 و12% عام 2001، كذلك تراجع مؤشر نازداك 39% في عام 2000 و21% في عام 2001 وانخفض مؤشر داو جونز للشركات الصناعية الثلاثين الكبرى 5% في كل من العامين. ويلاحظ أنه منذ العام 1941 أي خلال 50 سنة الماضية انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز في 14 سنة، وفي 11 مرة من تلك الحالات كان المؤشر يعاود الارتفاع في السنة التالية. وبالإضافة إلى العام الفائت، فإن الاستثناءين الآخرين حينما سجل سوق الأسهم الأمريكي خسائر سنوية متتالية كانتا 1973-1974 و1981-1982. وجاء التراجع في عام 1973 بسبب الحرب في الشرق الأوسط وما صاحبه من ارتفاع في أسعار النفط بحوالي أربعة أضعاف واستقالة نيكسون من منصبه كرئيس للولايات المتحدة، ومعاناة الاقتصاد الأمريكي من ظاهرة الركود والتضخم (Stagflation). وكل هذا أدى إلى تراجع أسعار الأسهم الأمريكية في حدود 37% خلال عام 1973 وعام 1974، ولكن الأسعار عادت فارتفعت 70% في العامين التاليين. واستمر انخفاض مؤشر ستاندرد آند بورز ثمانية عشر شهراً في الفترة 1981-1982، ولكنه عاد فاسترد كل ما فقده وأكثر خلال العامين التاليين 1983-1984. في الماضي كانت دورة الركود في الاقتصاد الأمريكي تمتد لسنوات عدة وكان الخروج منها يأخذ وقتاً أطول والسبب هو أن قطاع الصناعة كان يمثل أكثر من 50% من إجمالي الناتج المحلي. وعندما كانت تتعرض البلاد لتباطؤ اقتصادي ويبدأ المستهلكون من أفراد وشركات في تقليص إنفاقهم، فإن أكثر ما يتأثر بهذا التقليص هو البضائع المصنعة وليس الخدمات، حيث أنه من الأصعب على المستهلك الاستغناء عن الخدمات سواء الطبية أو التعليمية أو الصيانة وغيرها، فقطاع الخدمات لا يتقلص بنفس السرعة التي يتراجع فيها قطاع الصناعة. واليوم بعد أن أصبح قطاع الخدمات يمثل نسبة أكبر من الاقتصاد الأمريكي فإن دورة الركود هي في الغالب أقصر، كما أن العودة إلى النمو تبتدئ ضعيفة وتقوى تدريجياً. وينظر اليوم إلى دورة الركود القصير والتعافي الضعيف الذي سجل في بداية التسعينيات كدليل لما قد يحدث في عام 2002. يشهد الاقتصاد الأمريكي مظهرين من مظاهر التعافي الاقتصادي، الأول هو عملية تصحيح للتراجع الذي سجل بعد أحداث 11 سبتمبر، والثاني هو التحسن التدريجي في النمو وبداية الخروج من الركود الذي ابتدأ في أواسط عام 2001، والذي كان من مظاهره ضعف الطلب الداخلي وارتفاع المخزون خاصة في قطاع الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات. ومع ازدياد عوامل عدم اليقين أبان أحداث 11 سبتمبر، إلاّ أن أساسيات الاستثمار في الأسهم تبقى كما هي، فالمستثمر الواعي هو الذي يبدأ بالشراء عندما يكون الاقتصاد قد وصل إلى أدنى مراحل الركود قبل أن يبدأ في التحسن. وإذا أخذنا آخر فترة ركود شهدها الاقتصاد الأمريكي والتي امتدت من يوليو 1990 وانتهت في مارس 1991، نجد أن مؤشر ستاندرد آند بورز كان قد انخفض بحدود 15% في الفترة من يونيو إلى أكتوبر 1990، ثم ابتدأت الأسهم بالصعود في بداية نوفمبر 1990 عندما كان الاقتصاد ما زال في منتصف فترة الركود. وبعد حوالي سنة أي في ديسمبر 1991، كان مؤشر ستاندرد آند بورز قد ارتفع 43%. ومن الواضح أن الاقتصاد الأمريكي سيستفيد من السياسة النقدية والمالية التوسعية التي انتهجتها الحكومة، إذ انخفضت الفائدة على ودائع الدولار قصيرة الأجل إلى أدنى مستوياتها منذ أوائل الستينات، فوصلت إلى 1.57% للودائع بين البنوك وسيكون للحوافز المالية تأثيرها الإيجابي على عودة النمو للاقتصاد الأمريكي هذا العام إذ تشمل هذه الحوافز تخفيضاً في الضرائب وزيادة في الإنفاق الحكومي قد تصل إلى 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي الأكبر منذ عام 1975. ويبدو أن سوق الأسهم الأمريكي سيشهد تحسناً واضحاً خلال الأشهر القليلة القادمة والوقت أصبح ملائماً للاستثمار في هذا السوق. غير أن التحسن المتوقع في أسعار الأسهم لن يكون بنفس الزخم الذي شهدناه في السابق. ومؤشر ستاندرد آند بورز ما زال يعتبر مقوماً بأعلى من قيمته الحقيقية إذ أن معدل السعر إلى العائد هو في حدود 25 مقارنة بمعدل تاريخي يبلغ 15 فقط. كذلك، فإن تراجع ثقة المستثمر في نوعية التدقيق المالي للشركات المدرجة، خاصة إذا ما أعلنت شركات أخرى إفلاسها بالإضافة إلى شركة إنرون (Enron) وكي مارت (K mart) فإن هذا قد ينعكس سلباً على الاستثمار في سوق الأسهم الأمريكية. ومن غير المحتمل أن يكون أداء سوق السندات الأمريكي أفضل من أداء سوق الأسهم في وول ستريت هذ العام. فعودة النمو الاقتصادي إلى الولايات المتحدة وأوروبا سيكون تدريجياً، وليس هناك تخوف من ظهور ضعوط تضخمية فأسعار النفط والسلع ما زالت منخفضة والاقتصاد الياباني في حالة كساد دائم لذلك لا يتوقع أن يقوم البنك المركزي الأمريكي باتباع سياسة نقدية متشددة خلال الشهور القليلة المقبلة. وإذا ما حافظت أسعار الفائدة العالمية على معدلاتها الحالية المنخفضة ومع توفر فائض السيولة في الاقتصاد العالمي، فإن الاستثمار في الأسهم يعتبر أفضل من الاستثمار في السندات. أما أولئك الذين يرغبون في الاستثمار في سوق السندات، فعليهم أن يبحثوا عن أوراق مالية ذات مردود مرتفع، بما في ذلك السندات التي تصدرها الشركات ذات الملاءة الائتمانية الجيدة والسندات التي تصدرها دول نامية مختارة في سوق اليورودولار. فالتحسن الاقتصادي سينعكس إيجابياً على أداء الشركات وملاءتها الائتمانية وبالتالي سترتفع أسعار سندات هذه الشركات في السوق العالمية. كما أن السندات السيادية للدول العربية والتي لها درجة ائتمان جيدة مثل قطر وتونس وعمان والمغرب ومصر، فمن المحتمل أن يكون أداؤها طيباً هذا العام أيضاً. وقد يحقق المستثمرون في هذه السندات أرباحاً رأسمالية مع ارتفاع أسعار هذه السندات إضافة إلى الفائدة العالية التي تدفع عليها. وتعتبر السندات المتداولة حالياً في سوق اليورودولار والصادرة من المنطقة العربية «باستثناء لبنان» من الموجودات ذات العائد الجيد التي تستحق أن يزداد الاستثمار فيها هذا العام. وستؤدي مجموعة من العوامل منها تراجع الفائدة على ودائع الدولار والخوف من قيام السلطات الرقابية في الخارج وخاصة في الولايات المتحدة من تجميد ودائع وأصول لمستثمرين عرب إضافة إلى مبادئ الاستثمار التي تدعو إلى توزيع المخاطر ستشجع كلها على عودة بعض رؤوس الأموال المستثمرة في الخارج إلى أسواق الأسهم والسندات العربية. وقد جاء أداء أسواق الأسهم لكل من الأردن والكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر والسعودية أفضل من أداء أسواق الأسهم العالمية في العام الماضي، إذ ارتفع المؤشر لهذه الأسواق في حدود قدرها 30%، 27%، 26%، 37% و8% على التوالي، وباستثناء مصر ولبنان، فإنه من المتوقع أن يكون أداء معظم أسواق الأسهم العربية جيداً هذا العام أيضاً، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أسواق الأسهم العربية ليس لها علاقة ارتباط قوية مع الأسواق الناشئة الأخرى والأسواق المتقدمة، مما يعطي المحافظ الاستثمارية في أسواق الأسهم ميزة تنويع المخاطر. ولو افترضنا عودة 1% فقط من الأموال العربية المهاجرة والمقدرة ب 1300 مليار دولار، فإن ذلك سيعزز السيولة في أسواق الأسهم العربية ويحسن أداءها إذ أن إجمالي القيمة الرأسمالية لهذه الأسواق كانت أقل من 170 مليار دولار في عام