تناولنا في الحلقة الماضية الارهاب الاقتصادي في بعض صوره الدولية واشرنا إلى جذور هذا النوع من الارهاب الضاربة في اعماق تاريخ الدول التي تبنته خلال الحركة الاستعمارية وهي الدول الصناعية التي بنت ازدهارها ونهضتها الاقتصادية على حساب دول وشعوب العالم الثالث التي تعتبر ضحية الارهاب الاقتصادي في صورته الدولية والذي يعتبر اشد فتكا وظلماً لشعوب العالم الثالث وللانسانية!! اذا كانت الدول الارهابية قد استخدمت الخيار العسكري إبان الحركة الاستعمارية ضد دول ومناطق النفوذ في العالم الثالث فإنها قد استخدمت خيارات اقتصادية ومالية واستثمارية خلال الفترة الحالية. فقد استخدمت الولايات المتحدة سلاح تجميد اصول واموال دول من العالم الثالث للحيلولة دون سحبها من السوق الامريكية، حيث فعلت ذلك ضد ايران حينما جمدت ارصدتها في مصارفها، وكذلك الامر حينما جمدت الاموال الليبية بعد افتعالها لمشكلة (لوكيربي). وكما فعلت دول اوروبية وغربية في قضية بنك الاعتماد والتجارة الدولي وعلى رأسها بريطانيا حينما قامت بالاجهاز على هذا البنك الرائد في العالم بعد ان اصبح يشكل ثقلا كبيراً من خلال توسع فروعه وشركاته التابعة له وكانت تلك ضربة اقتصادية لم تستهدف الامارات بذاتها وانما لضرب اي نجاحات لاستثمار المال العربي وتوسعه. ـ استخدمت الدول الغربية في ارهابها الاقتصادي ضد دول العالم الثالث اساليب مختلفة تعتبر غير اخلاقية ولا تراعي مصالح الطرف الآخر فقد اصبحت هذه الدول تفرض شروطاً قاسية ومذلة عندما تقدم لدول العالم الثالث ولاسيما الفقيرة منها منحاً ومساعدات مالية او قروضاً طويلة الاجل حيث تشترط عليها شراء السلاح من مخازن الشركات المنتجة في الدول الصناعية، او التحكم في سياساتها الداخلية وفي علاقاتها الخارجية وفي نظامها الاقتصادي، او قيامها اي الدول الصناعية باستغلال الموارد الطبيعية بالدول المقترضة وفق شروط مجحفة صعبة ومذلة في بعض الاحيان خاصة عند التعاقد مع الدول الفقيرة التي تخضع لهذه الشروط في سبيل استمرار التحكم فيها والاستقرار الامني!! ثم تستخدم الدول الارهابية سلاح الفقر في دول العالم الثالث لتمرير مشاريعها الاستراتيجية. ومن ناحية اخرى فإن الدول الغربية شرعت في استخدام الاستثمار كسلاح حديث في تحقيق مآربها واهدافها الاستراتيجية وتواجدها في دول بعينها عندما اخذت تضع شروطها القاسية الظالمة والقاهرة عندما تتفق مع حكومات الدول الساعية للاستثمار الاجنبي والراغبة في معالجة اوضاعها الاقتصادية المتردية او تنمية مشاريع معطلة او بهدف ايجاد مشاريع لتوظيف العمالة التي تعاني من البطالة وتشكل تهديداً للاستقرار والامن بتلك الدول الخاضعة لشروط الاستثمار. وربما تكون هذه الدول المتلقية للاستثمار غنية وذات امكانيات مالية ومادية جيدة ولكن السياسات الداخلية، وربما تكون الحروب الاهلية والاقليمية، قد حولت هذه الدول من دول ذات فائض مالي وربما دائنة إلى دول ذات عجز مالي ومدينة وخاضعة لشروط الاستثمار الاجنبي الظالمة!! ومن الاسلحة الفنية التي استخدمتها الدول الغربية ضد دول العالم الثالث، ومنها دول عربية وخليجية، والتي تدخل في اطار اسلحة الارهاب الاقتصادي ضريبة الكربون التي فرضتها الدول الاوروبية على صادرات الدول الخليجية من النفط الامر الذي شكل عقبة امام انسيابية النفط وتحقيق عائدات مالية للدول النفطية الخليجية ثم فرضت عليها ما يسمى بضريبة الالمنيوم ضد صادرات دول خليجية ومنها الامارات والبحرين. وتلك الضرائب تشكل تهديداً مباشراً لمصالح دول العالم الثالث التي تسعى لتحقيق ذاتها الاقتصادية وتنميتها الشاملة، كما تستهدف الدول الغربية ضرب اسعار الصناعات والمنتجات الصناعية بدول من العالم الثالث للحيلولة دون فتح الاسواق الاوروبية الغربية امام هذه المنتجات التي تملك الدول المنتجة لها ميزة نسبية فيها. ـ لم تكن ما سميت بـ (علة القرن) في نهاية عام 1999 سوى احد سيناريوهات الحرب الاقتصادية التي تشنها دول الارهاب الاقتصادي الدولي الذي تقوده دول صناعية غربية ضد دول العالم الثالث حينما افتعلت مشكلة فنية في الحاسبات الآلية لاسيما تلك المستخدمة في مصارف وشركات ودوائر ومؤسسات الحكومات حيث وجدت شركات الدول الصناعية الضالعة في الارهاب الاقتصادي في هذه المشكلة الفنية فرصة لتحقيق مكاسب قياسية حينما حققت هذه المشكلة لتصبح بعد ذلك معضلة اقلْقت الشارع التجاري والاقتصادي والحكومات في دول تعتمد كلياً على حاسبات آلية مستوردة من الدول الصناعية الامر الذي دفع الشركات والمصارف والحكومات إلى شراء اجهزة جديدة لتجاوز هذه المشكلة (المعضلة) المفتعلة ولتحقق الشركات الصانعة لها مكاسب قياسية لم تكن لتحلم بها الامر الذي يندرج تحت باب الابتزاز الاقتصادي الذي تمارسه شركات الدول الصناعية ضد دول العالم الثالث ومنها الخليجية خاصة بعد ان تم التأكد من ان المشكلة كانت مفتعلة وقد تم تضخيمها بشكل كبير من اجل اشاعة البلبلة لترويج سلع الدول الصناعية واستنزاف موازنات دول وشركات ومصارف العالم الثالث!! ومن ناحية فإن فلسفة الارهاب الاقتصادي التي تعتمدها الدول التي تقود الارهاب الاقتصادي قائمة على ترويج اشاعات تستهدف الاسواق المالية بدول العالم الثالث لنفضها من السيولة وتصديرها لاسواق الدول الراعية الحقيقية للارهاب للاستقرار فيها ولتخدم اقتصادياتها. ـ ان سياسة التحكم في اسعار المواد الغذائية ذات الاهمية الكبرى للانسان، كالقمح مثلاً والتي تعمد اليها الدول الغربية انما تدخل في اطار الارهاب الاقتصادي الحديث، حيث تستخدم هذه السلع الاستراتيجية في حربها الاقتصادية ضد دول اخرى ربما تكون دولاً اوروبية وارهابية ولكن يكون الضرر الذي يقع على انسان العالم الثالث جسيماً حينما تتفشى المجاعات ويتفاقم الفقر ويصبح كل شيء معروضاً للبيع في عالم ثالث تتسم هياكله الاقتصادية بالتخلف واوضاعه الاجتماعية بالتردي بسبب الازمات التي تعرض لها إبان الاستعمار الاجنبي، حينها تصبح اسعار المواد الغذائية الرئيسية سلاحاً خطيراً تستخدمه دول الارهاب ضد شعوب ومجتمعات عالمنا الثالث خاصة حينما تعمد الدول المنتجة للقمح إلى رمى الفائض منه في قيعان المحيطات مع علمها بمدى حاجة شعوب العالم الثالث له. من ناحية اخرى فإن سلاح الاسعار والاحتياطيات النفطية الذي تمتلكه الدول العظمى وهي ذات نزعة ارهابية يعتبر احد آلات وادوات الارهاب الاقتصادي الذي تشهره في وجه الدول النفطية التي يكاد يكون النفط مصدر دخلها الوحيد، ولعل تحول سلاح الاسعار من الدول المنتجة إلى الدول المستهلكة او المستوردة للنفط لا يشكل مخالفة لقانون العرض والطلب فحسب وانما يمثل تهديداً مباشراً لمشاريع التنمية والاستقرار الامني والاقتصادي والاجتماعي في الدول المنتجة، على الرغم من التزام الدول المنتجة هذه بالاسعار وبحجم الانتاج المحددين من قبل الدول التي تملك السلاح الارهابي ذاته، الامر الذي يعد ارهاباً اقتصادياً واستغلالاً لضعف قوة الدول المنتجة ومدى حاجتها لعائدات النفط!! ـ ان التاريخ الاقتصادي للدول الاستعمارية في العصر الحديث يؤكد على ان هذه الدول تعمل جاهدة على افتعال ازمات داخلية واقليمية في او بين دول العالم الثالث لاسيما الغنية منها بهدف قيام هذه الدول الاخيرة بشراء اسلحة من الدول الصناعية لتحريك النشاط او دفع حركة الانتعاش الاقتصادي فيها لاسيما اذا كانت الدول الصناعية هذه تعاني من ركود اقتصادي او ان شركاتها المصنعة للاسلحة تعاني من ضعف ايراداتها وانخفاض مبيعاتها من السلاح او حتى حينما ترغب بالتخلص من الاسلحة الكاسدة او الفائضة لديها وخاصة وان الشركات المصنعة للسلاح تشكل ثقلاً كبيراً في اي عمليات انتخابية بالدول الصناعية وهنا تجد الدول المشترية للسلاح بأنها مجبرة على شراء السلاح الكاسد بغرض الدفاع او الدخول في حروب خاسرة حتى لو كانت موازناتها تعاني من عجز مزمن او متفاقم وحتى لو ان اقتصاديات الدول المشترية للسلاح تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية داخلية متفاقمة.