لم تنجح الاجراءات التي اتخذتها الحكومة لاحداث تغيير كبير في الطبيعة الصحراوية للتضاريس والمناخ في موريتانيا، البلد العربي الافريقي الذي يشكل خط التماس بين العالم العربي ودول إفريقيا السوداء، رغم مرور أكثر من 40 عاما على إنشاء الدولة. فالرمال لا تزال تزحف بمعدل ستة كيلومترات سنويا كما كان الحال غداة الاستقلال عن فرنسا في 28 نوفمبر1960، مهددة المدن والقرى والتجمعات السكانية للبدو الذين أصبح توافدهم فرادى وجماعات على المدن الكبرى وبخاصة العاصمة نواكشوط مصدر قلق للسلطات. وقد دفع هذا الواقع الحكومة إلى التركيز في مختلف برامجها الانمائية على المناطق الريفية لعل ذلك الاهتمام يكون عاملا مساعدا للحد من الهجرة من الريف إلى المدينة. ومما لا شك فيه أن الجفاف غير تماما من وجه البلاد وفرض أسلوبا جديدا من التعاطي مع الامور الاقتصادية والاجتماعية أهم مميزاته إقرار الحكومة لالزامية وجدوى دمج البعد البيئي في جميع الخطط والبرامج التي تعتزم الحكومة تنفيذها في الفترة بين الاعوام 2000 و 2015. وما زال زحف الرمال مستمرا في موريتانيا على الرغم من الاحزمة الخضراء التي وضعت في أكثر مناطق البلاد معاناة من التصحر. وقد ساعدت عمليات البذر الجوي التي تنظم كل عام على استعادة الغطاء النباتي لانواع الاعشاب والنباتات، كانت مشاهدتها ضربا من ضروب الخيال نتيجة الجفاف الذي اجتاح البلاد في عقد السبعينيات. ويقول مسئولو مركز التوقعات الجوية ـ الزراعية التابع لوزارة الزراعة في العاصمة الموريتانية أن كميات الامطار التي تم تسجيلها في موسم 1999 والتي اعتبرت غير مألوفة في البلاد وما صاحبها من فيضانات أتلفت جزءا كبيرا من المحاصيل، لا يعول عليها لطي صفحة الجفاف. ويكشف هؤلاء المسئولون عن ظهور كثبان جديدة من الرمال في مناطق مختلفة من البلاد مما يستدعي سنوات لتجديد الغطاء النباتي. ولعل ضاحية جنوب العاصمة حيث أقامت الحكومة حزاما أخضر نموذجيا أصدق مثال على قوة التصحر وعوامل التعرية المرافقة له. ويمكن مشاهدة أشجار اقتلعتها الرمال وأنقاض بيت غطته الرمال الزاحفة بالكامل. وتكتمل حلقات هذا المشهد الذي يقترن بالجفاف والتصحر مع رؤية رعاة الابل عند غروب الشمس وقد اضطروا لشدة الجفاف إلى نصب خيامهم عند مداخل العاصمة، وهم يتسارعون لحلب نوقهم. لكن هذه المرة لن يتكرموا بتقديم الحليب مجانا كما كان الحال قبل الجفاف لكن لبيعه لشركات إنتاج الالبان المنتشرة في العاصمة مما يدر عليهم أموالا لم تكن في متناولهم. ومع بداية الالفية الثالثة تمثل نواكشوط عاصمة موريتانيا المطلة على شاطئ الاطلنطي مثالا حيا على الخلط بين البداوة والمدنية حيث تمتزج أفخم المباني والبيوت حديثة التخطيط مع جمال ونوق الموريتاني شديد التمسك بأصالته التي يراها متجسدة في الجمل أكثر من أي شيء آخر. وحتى إذا استمرت الامطار لمواسم متتالية وعلى مدار السنة وتوقف زحف الرمال فان التغيرات الاجتماعية متسارعة ومترسخة أكثر من أي وقت مضى، إضافة إلى التغير الملحوظ في العادات الغذائية. وتحاول الحكومة جاهدة إقناع الموريتانيين بالقبول بهذه المعطيات التي لا شك ستربطهم بقطار التطور والحداثة لكن بعضهم يرفض التخلي عن العفوية والبساطة والاريحية وهي مميزات أساسية لحياة الموريتانيين معتقدا خطأ أن مواكبة التطور سيعني لا محالة الاندثار. ويرى كثيرون أن الفصول لم يعد لها وجود في موريتانيا. فالامطار الغزيرة التي تساعد على نمو محاصيل زراعية جيدة، كانت تبدأ مطلع يوليو لتنتهي في سبتمبر. إلا أن بداية موسم الامطار لعام 2001 جاءت متأخرة في خضم أغسطس. والجديد الغريب أيضا هطول أمطار غزيرة أودت بحياة أكثر من عشرين شخصا وأدت إلى نفوق أكثر من 100 ألف رأس من الماشية في 9 و 10 و11 يناير الماضي في ثلاث من أكبر محافظات البلاد الزراعية والرعوية الواقعة في جنوب موريتانيا. ـ د.ب.أ