وسط العديد من المتغيرات الاقتصادية العالمية يقف البنك الاسلامي للتنمية كمؤسسة اقتصادية عربية اسلامية رائدة ليواجه الكثير من التحديات مثل العولمة والاتفاقات الاقتصادية العالمية والنظام العالمي الجديد، الذي لن يكون فيه مكان سوى للكيانات الاقتصادية القوية، اضافة الى التحدي الاكبر والاساسي وهو تنمية المجتمعات الاسلامية في كل مكان اضيفت الى هذه التحديات الهجمة الشرسة التي تعرض لها الاقتصاد الاسلامي بسبب احداث الحادي عشر من سبتمبر والتي اثارت البلبلة والشكوك للعديد من المؤسسات الاقتصادية الاسلامية وفي هذا اللقاء يتحدث معالي الدكتور احمد محمد علي رئيس البنك الاسلامي للتنمية عن واقع البنك الان ومشروعاته القادمة، كما يجيب على كافة الاستفسارات المتعلقة بالتحديات القادمة التي يواجهها البنك: ـ تنمية التجارة البينية للدول الاسلامية هدف اساسي ماهي ابرز المعوقات التي تحول دون تحقيق هذا الهدف؟ ـ المعوقات التي تعترض تطوير وزيادة حجم التجارة البينية للدول الاعضاء تعود الى عدة اسباب منها أن حوالي 70% من واردات تلك الدول هي سلع صناعية لاتتوفر في معظم الاحيان في الدول الاعضاء، أما صادرات الدول الاعضاء فهي تقتصر غالبا على سلع محدودة مثل النفط الخام، الاسمدة، المنتجات الزراعية، وبعض السلع الصناعية الوسيطة. كما أن تكلفة واجراءات الاستيراد من الدول الاعضاء قد لاتكون منافسة للتكلفة والاجراءات المقابلة لاستيراد السلعة نفسها من دول غير اعضاء. وهناك معوقات اخرى تحول دون تنمية وزيادة حجم التبادل التجاري بين الدول الاعضاء في البنك تتلخص في العوامل الثلاثة الاتية: ـ عدم وجود شبكة نقل أو مواصلات متطورة تساعد على تدفق السلع بين الدول الاعضاء من مناطق الانتاج الى الاسواق. ـ قاعدة الانتاج محدودة وغير متنوعة في الدول الاعضاء بالاضافة الى تشابه المنتجات مما يؤدي الى تقليل فرص التبادل التجاري بين هذه الدول. ـ ضعف التشريعات والقوانين التي تساعد على التدفق التجاري وتحرير التجارة بين الدول الاعضاء، فضلا عن عدم كفاءة نظام التبادل السريع للمعلومات بين هذه الدول. ـ ماهي الاجراءات التي اتخذها البنك لازالة هذه المعوقات؟ ـ أنشأنا العديد من برامج تمويل التجارة بهدف تعزيز التبادل التجاري بين الدول الاعضاء وتشجيع التجارة البينية لما لذلك من اهمية في زيادة حجم التعاون بين الدول الاعضاء، وقد بذلت طوال السنوات الماضية جهود مكثفة لتطوير حجم التبادل التجاري بينها بواسطة تمويل عمليات تجارية من خلال برامج متخصصة (برنامج تمويل الواردات، برنامج تمويل الصادرات، محفظة البنوك الاسلامية ، وصندوق حصص الاستثمار) حيث بلغ اجمالي هذه التمويلات اكثر من 15 مليار دولار امريكي، نحو 80% منها مثلت عمليات تبادل تجاري بين الدول الاعضاء في البنك، كما استطاع البنك ان يسهم ضمن عوامل اخرى في رفع نسبة التجارة البينية بين الدول الاعضاء من حوالي 4% عام 1975 الى نحو 10% في الوقت الحاضر ويسعى البنك في الوقت الحالي بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة في الدول الاعضاء لرفع تلك النسبة الى 13% بنهاية 2003 وذلك عملا بتوصيات القمة الاسلامية الثامنة التي عقدت في طهران 1997 وسعيا من البنك لدعم التجارة البينية لدوله الاعضاء أنشأنا شبكة لنظم المعلومات تقوم بربط الدول الاعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي بشبكة معلومات متطورة لتسهيل تبادل المعلومات بشكل اسرع وكلفة اقل ويسعى البنك ايضا لانشاء موقع لخدمة المصدرين والمستوردين في الدول الاعضاء، كما أنشأ البنك في عام 1994 المؤسسة الاسلامية لتأمين الاستثمار وأئتمان الصادرات ومقرها مدينة جده بهدف توسيع نطاق المعاملات التجارية وتشجيع تدفق الاستثمارات بين الدول الاعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي. السوق الاسلامية المشتركة ـ لم يزل مشروع السوق الاسلامية المشتركة لم يتعد دائرة الحلم، متى تتوقعون قيام هذا السوق؟ وماهي ابرز الاسباب التي تعيق قيامها؟ ـ يعد هذا المشروع من الامور الاكثر الحاحا في وقتنا الحاضر نظرا للمتغيرات الاقتصادية الاقليمية والدولية، والنظام التجاري العالمي الجديد، ونحن لانألو جهدا في سبيل المساهمة في حدود امكانياتنا ومواردنا المتاحة لتقديم أي دعم ممكن لانشاء هذه السوق والتي ظلت لسنوات طويلة حلما يراود قادة الدول الاسلامية وشعوبها لما لها من منافع اجتماعية واقتصادية يصعب حصرها. ويوجد صعوبات تقف امام قيام هذه السوق وعوائق تستدعي بذل كافة الجهود المخلصة من جانب جميع الدول الاسلامية للتغلب على مشاكل المراحل الاولى من انشاء هذه السوق واخراجها الى حيز الوجود . ـ ماهي حقيقة الفوائد التي حصل عليها البنك من بعض البنوك الاجنبية؟ ـ عندما تأسس البنك الاسلامي للتنمية في العام 1975 لم تكن هناك بنوك اسلامية يمكن للبنك الاسلامي للتنمية أن يتعامل معها، مما اضطره لايداع أرصدته السائلة لدى بعض البنوك التجارية العاملة في اسواق المال الدولية، وقد استحقت تلك الودائع فوائد وعندها استأنس البنك برأي العلماء المسلمين فأفتوا بجواز استخدام تلك الفوائد لاغراض انسانية كتقديم مساعدات الاغاثة العاجلة للدول الاعضاء التي تتعرض للكوارث، وكذلك تقديم المنح والمعونات لصالح مشروعات التنمية في المجتمعات الاسلامية في الدول غير الاعضاء، وهذا ماحدث بالفعل حيث أنشأ البنك حسابا خاصا لاستيعاب تلك الفوائد التي تم استثمارها وقد تحول منذ عامين فأصبح يعرف باسم «صندوق الوقت» برأسمال قدره مليون دولار امريكي، ويقدم البنك من خلال هذا الصندوق المنح والمعونات للدول الاعضاء التي تتعرض لكوارث طبيعية مثل الزلازل والفيضانات والجفاف، وكذلك للمجتمعات الاسلامية في الدول غير الاعضاء، وقد بلغ اجمالي ماقدمه الصندوق حتى الآن من منح ومساعدات لاترد نحو خمسمئة مليون دولار امريكي، شملت تقديم معونات الاغاثة العاجلة للعديد من الدول الاعضاء، الى جانب تقديم اكثر من خمسة آلاف منحة دراسية ومساعدات في مجال التعليم الى 63 مجتمعا اسلاميا في الدول غير الاعضاء. الموارد واحتياجات التنمية ـ التنمية هدف اساسي للبنك، والربح ايضا لتعظيم رأس المال، لاستمرار نشاطه، كيف أمكنكم التوفيق بين الهدفين؟ ـ لاشك أن موارد البنك المالية تبقى محدودة اذا ماقورنت باحتياجات التنمية في دوله الاعضاء التي من المعروف ان اكثر من نصفها تعد من الدول الاقل نموا في العالم وحتى يستمر البنك في آداء الرسالة وتستفيد من تمويلاته الاجيال القادمة في أمتنا الاسلامية كان لزاما على البنك ان يراعي في عملياته التنويع قدر المستطاع بحيث يتمكن من توفير العائد المناسب اللازم لضمان استمراريته في دعم خطط وجهود التنمية في الدول الاعضاء مع مراعاة تقديم تمويلات يغلب عليها طابع المنح والمساعدات والقروض الميسرة لدوله الاعضاء الأقل نموا وللمجتمعات الاسلامية في الدول غير الاعضاء ولتحقيق هذه المعادلة قام البنك بتقديم التمويلات ذات العائد لدوله الاكثر نموا عن طريق عمليات الاجارة والبيع لأجل وتمويل التجارة «صادرات وواردات» وهي عمليات حققت للبنك ولله الحمد ايرادا لابأس به مكنه من الاستمرار في تقديم مساعداته وقروضه الميسرة لدوله الاعضاء الأقل نموا. شركات التأمين ـ ماهو الفرق بين نشاط المؤسسة الاسلامية لتأمين الاستثمار وأئتمان الصادرات التابعة للبنك، وبين شركات التأمين الاخرى من الناحية الاقتصادية والشرعية؟ ـ المؤسسة الاسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات مؤسسة مستقلة تابعة للبنك الاسلامي للتنمية، تهدف الى توسيع اطار المعاملات التجارية وتشجيع تدفق الاستثمارات بين الدول الاعضاء فيها، وذلك عن طريق توفير خدمات التأمين على الاستثمارات وائتمان الصادرات، والفرق بين نشاط المؤسسة وشركات التأمين الأخرى أن شركات التأمين التجارية تقدم خدمات التأمين العام في مجالات مثل الحريق، وحوادث السيارات، والتأمين البحري، بينما تتخصص المؤسسة في التأمين على مخاطر عدم الدفع التي تنتج عن تحقق مخاطر قطرية أو تجارية مرتبطة بعملية الصادرات والمخاطر القطرية المرتبطة بالاستثمار، وشأنها في ذلك شأن مؤسسات ضمان الصادرات، والاستثمار الوطنية في كثير من الدول الصناعية مثل الوكالة الدولية لضمان الاستثمار، والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار والتي تعود ملكيتها للدول العربية، فمن الناحية الفنية البحته لاتوجد أي فروق تذكر بين نشاط المؤسسة الاسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات ونشاط مؤسسات التأمين الأخرى العاملة في نفس مجال المؤسسة. أما من الناحية الشرعية فإن المؤسسة هي الجهة الوحيدة في العالم التي توفر خدمات التأمين على مخاطر ائتمان الصادرات والاستثمار وفقا لأحكام الشريعة الاسلامية. دراسات استراتيجية ـ ماهي ابرز المشاريع القادمة للبنك الاسلامي للتنمية؟ ـ يحرص البنك دائما على تلمس احتياجات دوله الاعضاء سواء في مجال تمويل المشروعات أم في التجارة ام في المعونة الفنية ام غيرها وفي هذا الاطار يندرج انشاء البنك لكل من صندوق البنية الاساسية والمؤسسة الاسلامية لتنمية القطاع الخاص التي وافق مجلس محافظي البنك في اجتماعه الاخير في مدينة جده على تأسيسها على غرار مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي وقد باشرت المؤسسة نشاطها بحمد الله من مقرها في جده، وهي مؤسسة دولية مستقلة رأسمالها المبدئي بليون دولار امريكي تعنى بدعم جهود التنمية الاقتصادية في الدول الاعضاء من خلال تمويل القطاع الخاص في تلك الدول. وتندرج في هذا الاطار كذلك مشروعات البنك المستقبلية التي تتحدد وفق خطط قطرية مدتها ثلاث سنوات لكل دولة عضو تعرف باسم استراتيجية المساعدة القطرية (CASS) وقد أعد البنك حتى الآن دراسات استراتيجية المساعدة القطرية لـ 22 دولة من الدول الاعضاء فيه حيث يتم من خلالها تحديد المشروعات التنموية التي سيسهم البنك في تمويلها في كل دولة عضو على حدة. وقد أسهم البنك في بلورة وتنفيذ عدة مشاريع اقليمية كبيرة نذكر منها على سبيل المثال الطريق عبر الصحراء الذي يهدف الى ربط شمال القارة الافريقية وغربها بشرقيها ومشروع تنمية حوض نهر السنغال الذي شمل بناء سدين كبيرين ومحطة توليد كهرباء واستصلاح مساحات كبيرة من الاراضي الزراعية واستفادت منه ثلاث دول اعضاء اضافة الى مشروع الربط الكهربائي بين الدول الاسلامية وغيرها.