أكد مركز زايد للتنسيق والمتابعة ان ظاهرة غسيل الأموال رغم خطورتها وسلبيات تأثيراتها على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والأمني لم تنل حقها في الدول العربية من البحث والاهتمام من جهة الباحثين والمؤسسات ذات الصلة. وعرفت دراسة حديثة للمركز عملية غسيل الأموال بأنها محاولة اعطاء الصفة الشرعية للأموال الناتجة عن نشاطات غير مشروعة موضحة ان الحاجة لغسيل الأموال ظهرت كنتيجة للتضخم الهائل في أموال النشاطات الاجرامية في العالم والتي لايستطيع أصحابها تبرير الحصول عليها مع اصرارهم على الاستفادة منها واستخدامها في أغراض تجارية واستثمارية عبر وسيلة قطع الصلة بين أصل المال غير المشروع ووضعه النهائي بعد اتمام كافة مراحل الغسيل. وأوضحت ان عملية غسيل الاموال تتم خارج اطار الاحصائيات التي يشملها الاقتصاد المعلن للدول، وحسب تقرير صندوق النقد الدولي ـ كما تذكر الدراسة ـ فان حجم الأموال التي يتم غسلها في العالم تتراوح ما بين 2 الى 5% من الناتج الداخلي الخام العالمي، وهو مؤشر على كبر حجم الظاهرة وبالتالي خطورتها المتزايدة في الاخلال بالسير الطبيعي للاقتصاد العالمي ولاقتصاديات الدول والشعوب. وأكدت الدراسة انه في السنوات الأخيرة ازدادت ظاهرة غسيل الاموال واتسع نطاق انتشارها بفعل مدخلات العولمة التي بسطت نفوذها المادي على الانسان والمكان، على القيم التي أعادت صياغتها أو صياغة معظمها بطريقة قسرية صارت معها هذه القيم قابلة وجاهزة للتصدير، وأصبحت الجريمة كقيمة لا أخلاقية منبوذة، محررة هي الأخرى تماما كالسلع والخدمات من الحدود والقيود، ومتجاوزة في تعاملاتها الأعراف والمباديء والقوانين التي تنظم السلوك البشري، وجريمة غسيل الأموال لم تكن بمنأى عن هذه التحولات أو بعيدة عن رياح العولمة والانفتاح العالمي، فقد استفادت بدورها من أحدث الوسائل التكنولوجية وطوعتها لخدمة أغراضها المشبوهة، دونما النظر الى نتائجها السلبية على البيئة الانسانية، اذ ان ميكيافلية غاسلي الأموال لاتتورع عن ركوب أي مطية أو اتخاذ أي وسيلة في سبيل الاستزادة من المال والثراء الفاحش، والذي يكون لا محالة على حساب الآخرين وسلامتهم. وعلى الصعيد الاقتصادي أكدت الدراسة ان نجاح تسرب الأموال المغسولة الى الاقتصاد القومي للدول يؤدي الى حدوث تشوه في نمط الانفاق والاستهلاك، مما يؤدي الى نقص المدخرات اللازمة للاستثمار، وبالتالي حرمان النشاطات الاقتصادية المهمة من الاستثمار النافع للمجتمع، ومن جهة اخرى فان نجاح حركة الأموال المغسولة في الاقتصاد القومي للدول يؤدي الى زيادة العجز في ميزان المدفوعات وحدوث أزمة سيولة في النقد الاجنبي مما يهدد احتياطات الدولة لدى البنك المركزي من العملات المدخرة، كما يمكن ان تؤدي عملية غسيل الاموال الى انهيار البورصات التي تستقبل الأموال الناتجة عن الجرائم الاقتصادية، حيث يكون اللجوء الى شراء الأوراق المالية ليس بهدف الاستثمار، ولكن من أجل اتمام مرحلة معينة من مراحل غسيل الاموال، ثم يتم بيع الأوراق المالية بشكل مفاجيء مما يؤدي الى حدوث انخفاض حاد في أسعار الأوراق المالية بشكل عام في البورصة ومن ثم انهيارها بصورة مأساوية. وعن الآثار الاجتماعية لظاهرة غسيل الأموال تشير الدراسة الى ان تسرب الأموال غير المشروعة الى المجتمع يقلب ميزان البنك الاجتماعي في البلاد، بصعود المجرمين القائمين على عملية غسيل الأموال الى هرم المجتمع في الوقت الذي يتراجع فيه مركز المكافحين والمجدين الى أسفل القاعدة، كما تقود عملية غسيل الأموال الى تفشي الجرائم في المجتمعات بشتى أشكالها، حيث يصبح المعيار الاجتماعي لقيم الفرد هو المال، بصرف النظر عن مصدره وأوجه نشاطه، وهو تشجيع للسلوك المنحرف وقلب للقيم الاجتماعية السامية وللفطرة التي تمقت الاجرام والمجرمين. واستعرضت الانشطة ذات العلاقة بعملية غسل الاموال، كالاتجار في المخدرات وفي الاسلحة وفي البشر، والفساد السياسي والمالي والغش والتزييف والارهاب، والعديد من الانشطة الاخرى، وتعطي بيانات ومعلومات عن هذه الانشطة وارتباطها الوثيق بتبييض الاموال موضحة انه بالموازاة مع بلورة مفهوم الظاهرة وافرازاتها تفرد الدراسة فصلا كاملا للحديث عن الاجراءات الدولية لمكافحة الارهاب، بدءا من فريق العمل المالي لمكافحة غسيل الاموال (FATF) الذي تأسس في مؤتمر قمة الدول الصناعية السبع في باريس عام 1989، والذي يضم في عضويته حاليا حوالي 26 دولة اضافة الى منظمتين هما: مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي. كما ان هناك آليات اخرى فعالة تستخدم في مكافحة غسيل الاموال كالبنوك والتشريعات القانونية الخاصة، وتجنيد رجال الامن والشرطة، وغيرها من الآليات التي تنزع اليها الدول وتتبادل التجارب والخبرات بشأنها للحيلولة دون تفشي الظاهرة واستئصال جذورها. واشارت الدراسة الى الجهود والاجراءات التي تبذلها دولة الامارات من اجل التصدي لظاهرة غسيل الاموال، حيث اقرت السلطة بالدولة سلسلة اجراءات وتشريعات باشرتها قبل سنوات عديدة، واصدرت توجيهاتها الى الجهاز المصرفي للانتباه الى الظاهرة، واخذ كل وسائل الحيطة التي تحول دون تسرب «الأموال القذرة» اليها، كما قامت بتأسيس لجنة وطنية لمواجهة غسيل الاموال، وهو ما يشير الى وجود تنسيق بين الجهات المختصة للتحكم في الظاهرة، وسد كل منفذ حقيقي او احتمالي يمكن ان يعبر من خلاله الذين يستغلون الانفتاح الاقتصادي للدولة لتحقيق اغراضهم الشخصية على حساب الاقتصاد الوطني. واوضحت في هذا الصدد الى ما اقره كل من مجلس الوزراء وكذلك المجلس الوطني في دولة الامارات بشأن القانون الاتحادي رقم (04) لعام 2002، والمتعلق بتجريم غسيل الاموال، ويشتمل القانون على اركان جريمة غسيل الأموال، والافعال التي تدخل في نطاقها، والعقوبات المقررة على مخالفة القانون، ويغطي القانون جميع القطاعات الاقتصادية والجهات الخاضعة لرقابة وتفتيش المصرف المركزي، وكذا المنشآت المالية التي لا تخضع لرقابته، كالتأمين والاسواق المالية وكذا المنشآت التي تقع في المنطقة الحرة. واضافت ان ذلك يؤكد النهج الواضح والسياسات الحكيمة والصارمة التي تتبعها دولة الامارات في تصديها المستمر لجريمة غسيل الاموال، وتعاونها في ذلك مع الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الدولية المختصة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها الفاعلة. ومن جهة اخرى اوضحت الدراسة عددا من النماذج والطرق المستعملة في دول عربية واجنبية، والاستراتيجيات المتبعة لعزل الظاهرة وحصر قنواتها وآثارها، سيما وان تبادل التجارب والخبرات في هذا الموضوع يقود الى نتائج عملية اكثر نجاعة وفعالية مشيرة الى انه على مستوى دول الخليج العربية تؤكد الدراسات ان مجلس التعاون الخليجي يبذل جهودا مكثفة من خلال مجالس وزرائه والجهات المختصة لتعزيز التعاون المشترك في مجال مكافحة الجريمة الوافدة والمخدرات والجرائم المنظمة وخصوصا جريمة غسيل الأموال، التي تم بحثهافي اكثر من اجتماع خليجي، ولا تعتبر الجهود الخليجية في مكافحة غسيل الاموال وليدة السنوات الاخيرة فقط، وانما بدأ التنسيق في هذا المجال منذ ان انشيء مجلس التعاون الخليجي في مطلع الثمانينات، حيث تعمل اللجان الامنية التابعة للمجلس الاعلى على تبادل المعلومات، خاصة منها المتعلقة بالصفقات المالية المشبوهة التي تتم في اي من الدول الخليجية. واكدت الدراسة التي اصدرها مركز زايد للتنسيق والمتابعة على ان التصدي لظاهرة غسيل الاموال لا يمكن ان يتم من منظور واحد يقتصر على اجراءات الرقابة والتشريع، من دون تحصين المجتمع فكريا وتوعيته بأشكال واضرار هذه الآفة حتى لا يتعاطاها بأي صورة من الصور، وكي لا يقع في حبالها، وهو ما يستوجب وجود نسق تربوي وثقافي واعلامي يسلط الضوء مليا على الظاهرة وانعكاساتها، وتكون له مهمة ارشاد المجتمع نحو الفضيلة. يذكر ان الدراسة معززة بالملاحق المتضمنة للقوانين الاتحادية المحلية ذات الصلة بالموضوع اضافة الى بعض الاتفاقيات الدولية التي تدخل ضمن نطاق الجريمة المنظمة وغسيل الأموال.