لم تكن مجرد رغبة، أو بالأحرى لم يكن مجرد واجباً لتغطية الحضور العربي في ندوة دولية تقام في العاصمة الإيطالية فحسب ما دفعني للذهاب لتغطية تفاصيلها بقدر ما كان فضولاً لمعرفة، ما يعنيه عنوان هذه الندوة وعلاقة موضوعوها الأساسي بحياتنا في العالم العربي، فقد بدت لي تسمية «الحكومة الالكترونية » كما لو كانت تطوراً نوعياً في المنطلق السياسي لمفهوم الدولة والحكومة. وكانت المشاركة العربية الجيدة في الندوة مؤشراً على تغير ما في المفهوم العربي للحكومة، وهي الحاضرة في الحياة العربية بشكل كبير وواضح لذا فإن تحولها إلى إلكترونية كان يثير في الذهن خيالات عديدة وتوقعات متباينة. الندوة نظمت في روما لأن إيطاليا تعد من الدول المتقدمة في مجال الحكومة الالكترونية وأبدت الحكومة الإيطالية اهتماماً كبيراً فقد حضرها نائب رئيس الوزراء وتحدث فيها ثلاثة وزراء. وكانت المشاركة العربية في الندوة شخصيات ومسئولين من مستويات عليا لها علاقة مباشرة بالحكومة الالكترونية، إضافة إلى مشاركة دول أرادت التعرف على تجربة الخليج في هذا الإطار. وإذا كان مفهوم المواطنة يعني ببساطة شديدة أن يتمتع المواطن بكل ما لذلك الوطن من خيرات ومنجزات وفضائل وأن يؤدي تجاه ذلك الوطن ما عليه من واجبات فإن منطق «الحكومة» بمعناه العام لا يمكن أن يبتعد عن المفهوم القائم عن كونها مؤسسة منوطة بها مهمة إدارة شئون الوطن والمواطنين وأنها «أي الحكومة» في خدمة الشعب تسير أموره وتدير مصالحه وتحافظ عليها وتطور إمكانياته وتستمد قوته منها. فكيف إذن بإمكانها أن تتحول إلى إلكترونية؟ وكيف بإمكان الأتمتة أن تذود عن مصالح الشعب؟ وهل بإمكانها « أي الحكومة » إذا أصبحت إلكترونية أن تكون أقرب إلى المواطن وأكثر «صداقة » معه وأكثر ابتعاداً من منطق العلاقة الفوقية والعذاب البيروقراطي الذي وثّقه الأدب والفن والتلفزيون وكشف عن بلادته ولا معقوليته؟ وكما هي الحالة في الكثير من المجالات كان لإمارة دبي في هذه الندوة الحضارية تواجد وحضور ضخم وكان وفد بلدية دبي ممثلاً بأعلى مستوياته وبرئاسة قاسم سلطان مدير عام بلدية دبي. ولم يكن هذا الحضور الضخم مجرد احتفال من منظمي الندوة ببلدية دبي التي عرفت بكونها السباقة في مجال تطوير الأساليب التي توفّر للمواطن والزائر أسباب الراحة والعيش الهانئ، بل كانت تجربة بلدية دبي (أو بالأحرى التجربة الدبوية) مدار المناقشة والدرس من قبل ممثلي الدول الأوروبية والأسيوية والعربية التي حظرت الندوة. ولا تنطلق أولوية دبي في هذا الإطار من مجرد شعارات أو مشاريع ذات وهج إعلامي، بل من معطيات يومية ملموسة ومعاشة وضعت نصب عينيها المواطن زائراً كان أم مقيماً بالدرجة الأولى وهذا ما يلخصه حسين ناصر أحمد لوتاه مساعد المدير العام لبلدية دبي لشئون البيئة والصحة العامة بقوله «ما نسعى إليه بالفعل هو أن نكون قريبين إلى المواطن الذي يستهلك خدماتنا وأن نكون حاضرين معه في أي وقت يشاء وفي أي مكان كان». ويؤكد: «الانترنيت موجود ومستخدم على نطاق واسع وكبير وما فعلناه هو أننا استخدمنا جزءاً من الامكانيات التي يوفرها الكومبيوتر والانترنيت. وقد أصبح الآن بإمكان الشخص أن يحصل على المعلومة وينجز الكثير من المعاملات دون أن يتطلب ذلك حضوره الشخصي إلى المؤسسة ودون أن يكون مرتبطاً بساعات دوام العمل». كم من الأيام كان يقضيها الناس في الماضي واقفين في الطوابير للحصول على معلومة أو لإنجاز معاملة. وكم من المرات انتهى الدوام الرسمي دون أن يصل الواقف في الطابور إلى طاولة أو شباك الموظف؟ وكم من المرات وصل المواطن إلى الموظف بعد ساعات أو ربما أيام من الوقوف في الطابور وحصل على الجواب أنه كان يقف في الطابور الخاطئ وأن عليه الانتقال إلى الطابور المجاور؟ وكم من المرات تعرض المواطن إلى عقوبات وغرامات ليس لأنه لم ينجز ما عليه بل لأنه لم يتمكن من الوصول إلى الشبّاك قبل انتهاء الدوام الرسمي؟ وكم من المرات انهار مراجعون وتلاكم الكثير منهم مع الموظفين وكم من مرة أصبح الموظف عدواً للمواطن؟ الأسئلة قد تطول والجواب على جميعها بسيط جداً: آلاف المرات! ويقول حسين ناصر لوتاه: «كونك أوصلت الخدمة إلى المواطن وأعطيت له المعلومة الصحيحة في زمانها ومكانها فكأنك رفعت عن كاهله الكثير من الأعباء. الفائدة ليست للعميل المستهلك فحسب بل هي فائدة تعم الجميع بدءاً من المؤسسة التي يراجعها المستهلك والشوارع التي تكتظ بالسيارات والبيئة التي تتلوث بسبب عوادم السيارات والضجيج الذي تولده. ناهيك عن التكلفة الفعلية التي يتكبدها المستهلك بسبب تلك الزيارة إلى الدائرة أو المؤسسة من خلال استخدام السيارة واستهلاك الوقود وتكاليف مرآب السيارات والوقت الضائع». الفائدة لا تقتصر على المستهلك فحسب، بل «هي فائدة للمؤسسة نفسها «كما يؤكد المهندس سمير عبد العزير مرداد المدير الإقليمي لتطوير الشرق الأوسط وإفريقيا في شركة «صن ميكروسيستمز» التي نظمت الندوة العلمية في روما «ما هو مطلوب من الحكومة الألكترونية هو تحقيق الشفافية والفاعلية لمؤسسات الدولة. المواطن لم يعد مستعداً لقضاء ساعات طويلة في المراجعات لأمور يمكن أن تحل دون أن يبذل جهداً ووقتاً ثميناً. والوقت مال وذهب ليس بإمكاني أن أضيع الوقت في الوقوف في الطابور «لماذا لا أنجز ما أريد بواسطة الانترنت». ويضيف منظم الندوة : «الحكومات التي شاركت في هذه الندوة تريد جميعها سحب انتباه المستثمرين لذا فإنها تؤسس لأن تكون حياة وعمل المستثمرين أسهل وأسرع. وأعتقد أنه من مصلحة الدولة نفسها أن تسهل أمور الناس والمستثمرين. لأن المراجعات في الدوائر تكلف المؤسسات والحكومة أيضاً فمثلاً لمجرد دخول العميل إلى مبنى بنك مثلاً فإنه يكلف تلك المؤسسة المصرفية مبلغاً، ذلك لأن على تلك المؤسسة أن تكون بمستوى لائق وأن يكون عدد الموظفين والمستخدمين مناسباً حتى يكون المبنى مستقبلاً للزائر من حيث النظافة والنصاعة. الحكومة لا تريد إنفاق ما يمكن توفيره والحكومة الإلكترونية كفيلة بإنجاز الكثير من هذه الخدمات». الخدمات إذن، وخدمة المستهلك والمواطن والعميل قبل كل شئ؟ إنها ثورة ليس في السلوك وفي العلاقة بين الطرفين فحسب بل هي ثورة في المفاهيم التي تنظم هذه العلاقة، وهي الثورة التي يقول عنها سالم خميس الشاعر مدير الخدمات الحكومية وعضو الفريق التنفيذي بحكومة دبي الإلكترونية: «أجل إنها تغيير في العلاقة ما بين طرفي المعادلة: مقدم الخدمة، أي الموظف من جانب ومتلقّيها من الجانب الآخر وكانت العلاقة تعتمد على منطق : «أنا موظف وأنت مراجع» أي باختصار شديد: «أنا الموظف أجلس هنا وأبرر حصولي على الراتب الشهري من خلال وجودك كمراجع، لذا فإن وجودك مهم وعليك مهمة المراجعة، فاذهب وعد غداً وغداً ستذهب لتعود في اليوم التالي وهكذا دواليك»، وقد أدت التطورات الاقتصادية والتقنية إلى تحول في هذه العلاقة على مرحلتين كانت أولاها أن من كان يلعب دور المراجع تحول إلى عميل ) وصار في المرحلة التالية من مجرد متقبل للخدمة إلى مطالب، وليس ذلك فحسب فقد أصبحت أمامه خيارات عديدة بإمكانه تحقيق ما يريد في مكان آخر إذا لم توفر له هذه المؤسسة ما يرغب فيه ويطمح إليه». يقول لوتاه: «الكفاءة والقدرة على التناسب مع الموقع هو الأساس في تقييم عمل الموظف. وجائزة التميز التي أطلقها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد ولي عهد دبي وزير الدفاع دافع أساسي لجميع المؤسسات والموظفين فيها وفي الدولة لتطوير الإمكانيات». وفي هذا الإطار يضيف سالم خميس الشاعر قوله «هذه الجائزة التي أطلقها سمو الشيخ محمد بن راشد جعلت مؤسسات الدولة بأكملها تتفنن في أساليب إرضاء المواطن والعميل وتوفر لهما الخدمة المناسبة بأفضل الطرق». وماذا عن البطالة التي قد تتسبب بها أتمتة المؤسسات والخدمات ؟ يقول حسين ناصر لوتاه : «المؤسسات لن تستغني عن موظفيها، بل بإمكانها في هذه الحالة تحويل الطاقات المهدورة دون طائل إلى مجالات أخرى لتطوير المزيد الخدمات». ويضيف : «من الأمور الجيدة ومن محاسن منظمومة الدوائر في إمارة دبي هو أن هناك تعاوناً بين هذه الدوائر ومن الأمور الجيدة الأخرى أن بلدية دبي استطاعت بوجود الطاقم الفني والإداري والقيادة الجيدة فيها أن تبني دراسات إستراتيجية. وأعطى وجود هذه الدراسات الاستراتيجية ووضوح الهدف والمنظومة المتكاملة بلدية دبي قدرة أن تكون عند الحدث وأن تكون الأمور لديها واضحة على أساس قاعدة معلومات وأنظمة وتخطيط. لذا عندما تصلنا برامج غير موجودة في هذه المنظومة تجدنا على استعداد لتلقيها والاستفادة منها وإدخالها إلى المنظومة العامة ودمجها في التخطيط والتخطيط المستقبلي. عمل جماعي متكامل ومبني على اسس وقواعد وبيانات فنية ما يعطينا القدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة لأي مشروع يقدم ولجوانبه المتعددة». مهرجان التسوق الذي بدأ هذا الأسبوع هو المختبر السنوي الذي تمتحن فيه قدرات دبي وتطور من خلاله الإمكانيات ويقول لوتاه: «إن بلدية دبي مشارك رئيس في المهرجان ويقع على عاتقها عبئاً كبيراً من النشاطات كونها مؤسسة خدمية فمن ضمن الخدمات العامة نظافة المدينة والتشجير والتزيين وقد كلفنا لجاناً خاصة تتولى شبكات الإضاءة والتزيين والأقواس لتتيح للزائر أن يجد دبي مزهرة منيرة. والجزء الآخر هو الجزء الترفيهي وفي دبي عدد كبير من الحدائق العامة والتي ستشهد فعاليات ترفيهية خاصة للعائلات والأطفال وفيها برامج كثيرة للترفيه. إلى جانب ذلك هناك برامج مراقبة للتنزيلات والتسعيرات بمناسبة المهرجان. فالشركات التجارية تخضع لرقابة كاملة في هذا الإطار من خلال نظام خاص. البلدية شريك أساسي وينظم عملها جهد طويل لسنة كاملة ويبدأ مباشرة بعد انتهاء المهرجان الحالي». ودبي تكتظ في أيام مهرجان التسوق بالآلاف من الزوار وتقم الحكومة الإلكترونبة خدمات لا غنى عنها لجعل إقامة الزوار والمقيمين أكثر سهولة ويقول محمد عبدالله الزفين «الفكرة نابعة من أن الخرائط موجودة ورقياً وأي سائح يأتي إلى البلد يأخذ من الباعة والمكتبة الخرائط السياحية، لكن تطور التكنولوجيا وكخدمة من مركز نظم المعلومات للسائح والمستهلك والمقيم نوفر له البيانات على الشبكة رقمياً بإمكانه الوصول إليها بسهولة وسرعة دو ن الحاجة إلى التوجه إلى المكتبة أو الكشك وتصفح مئات الصفحات. جميع الخدمات من بينها الصيدليات والمطاعم وأماكن دفع الفواتير والمخالفات وكل ما يتعلق بالمراجعات موجودة على الشاشة». النظم المتطورة التي عرضت في الندوة بالتأكيد إلى عملية توعية فهل استطاع المشروع أن يصل إلى متناول يد المواطن، بمعنى هل تمكن المشروع من تبرير وجوده؟ يجيب زفين قائلاً: «بالنسبة للجدوى الاقتصادية، نحن أنجزنا نموذج تسجيل للنظام ومتاح للمواطن فرصة إبداء الرأي فيه وتفاصيله وتقديم الاقتراحات بشأنه وبشأن تطويره وتصلنا آراء كثيرة ما يجعلنا نحسن العمل. وبالنسبة للجدوى الاقتصادية فإن المشروع استلم من أكثر من شركة خاصة تقدم الخدمات وتقدموا بالطلب للتعاون معنا. في البداية لم يكن عامة الناس تعودوا على استخدامه لكن التعامل معه تطور وزاد عدد زائري الموقع ومن الخارج الزيادة مطردة».