أنهى مجلس الشيوخ الأرجنتيني مؤخراً مهمة المصادقة على البرنامج الاقتصادي الجديد للرئيس إدواردو دوهالدي، وكان مجلس العموم قد وافق عليه في اليوم السابق، البنوك ظلت مغلقة يومي السابع والثامن من يناير بينما سعت الحكومة لاعلان مكوناته ولاضافة الكثير من التفاصيل، وهذا هو بالطبع، الجانب المحلي المحتوم من الفشل في الابقاء على الاتجاه العام حول الدين الخارجي للارجنتين والبالغ 135 مليار دولار، وتبرز ثلاث مزايا للخطة بشكل واضح. القابلية للتحويل، كما تعرف من خلال الصرف الحر مقابل البيزو بسعر ثابت انتهت بشكل قاطع بعد مرور أكثر من 10 سنوات، وكذلك الحال بالنسبة لسعر الصرف المتمثل ببيزو واحد مقابل دولار واحد، ويتوقع تطبيق سعر مزدوج، واحد للتجارة بسعر دولار واحد بـ 104 بيزو، وآخر سعر حر للسياحة والتمويل. وستحدث ايضاً عملية «تحويل للبيزو» بالنسبة للديون الخاصة بالأعمال الصغيرة ومتوسطة الحجم، بالاضافة الى الرهونات الشخصية للاسكان والأرصدة غير المدفوعة لبطاقات الائتمان حتى 100 ألف دولار، وعلى نحو مماثل، فان التعرفات الجمركية لشركات الهاتف والمنافع والخدمات العامة الاخرى سيتم تغييرها من مستواها الحالي بالدولار الى النسبة نفسها بالبيزو، وسيتم تعويض البنوك جزئياً عن الخسائر التي تكبدتها من خلال فرض ضريبة جديدة على صادرات الطاقة، وهذا التدبير هو هدف واضح يقصد به ضمان دعم الطبقة المتوسطة للبرنامج. لقد تم منح نطاق من الحرية للحكومة بهدف التطبيق وسيكون لديها الصلاحية لاعادة هيكلة ديون البنك وتثبيت الاسعار الاساسية وتحديد سعر الصرف وما الى ذلك، سيعتمد ماسينجر على ما يعتبر ضرورياً لتجنب انفجار تضخمي بدأ بالفعل في الاسبوعين الاخيرين من التعاقب السياسي. هل هذه، كما ذهب البعض الى القول، هي نهاية الليبرالية المحدثة والاعتماد على صندوق النقد الدولي وبداية البيرونية عتيقة الطراز مجدداً؟ مما لاشك فيه ان الاداء السابق لدوهالدي كحاكم لمقاطعة بيونس آيريس واداء مستشاره الاقتصادي آنذاك ووزير الاقتصاد حالياً جورج ريميز لنيكوف لايعتبر مشجعاً، وبالتالي، فان الاثنين وجميع الحكام أسهموا في النتيجة الراهنة من خلال عجوزات اقليمية منتظمة ومتزايدة، وقد تحدث دوهالدي ووزيره الجديد للانتاج عن الحاجة الى التحول من الاعتماد على الاستثمار الدولي والقطاع المالي الى التركيز على الانتاج المحلي والعمالة المحلية، أم ان ما يجري هو نسخة ارجنتينية لعام 2002 من البرازيل في عام 1999 مع قليل من المكسيك في عام 1995؟ عكست هاتان التجربتان الحديثتان في أمريكا اللاتينية تخفيضاً كبيراً في قيمة العملة وبعض عمليات اعادة الهيكلة المالية الداخلية، وكلتاهما شهدت برامج كبيرة من المساعدة المالية الخارجية من صندوق النقد الدولي والحكومات الاجنبية وانتعاشاً اقتصادياً سريعاً نسبياً وتضخماً مالياً محدوداً على وجه الخصوص مع تغير حسابات الحكومة من عجوزات أساسية الى فائض مالي. هذا هو جوهر المسألة، هل تستطيع حكومة دوهالدي ان تدير سياسة مالية بطريقة تعيد المصداقية في وقت مبكر؟ من المؤكد ان الارتباط بالدولار القوي بعد عام 1997 حد من الصادرات وشجع الواردات، ولكن الأمر كان يتعلق أكثر بفشل الانتاجية في الازدياد على أساس منتظم وبالعجوزات الاتحادية والمحلية المتوسعة التي تعتبر المتهم الحقيقي في المسألة، فقد قادت الى ازدياد سريع في الدين العام، ومع ذلك وعلى الرغم من هذا الطلب الاضافي، فان النسب العالية المستمرة من البطالة بمقدار 20% حدثت مع تضاؤل الاستثمار، وعمل تخفيض العملة بالاضافة الى التخفيض الراهن في الرواتب العامة على تقليل كلفة العمالة ووفر فرصة للبدء بأداء أفضل، ولكن أي برنامج مالي له معنى سيتعين عليه ان يتعامل جدياً مع هذه المشكلة، والزيادة في الصادرات ستكون محدودة في البداية مع الأخذ بعين الاعتبار التوقع القائل بأن التجارة العالمية ستزداد بنسبة 2% فقط هذا العام، وبالتالي، فان الاصرار الفوري على وقف العجز عند الصفر، مثلما فعل صندوق النقد الدولي في وقت سابق في اللحظات الأخيرة لوزير المالية السابق دومنجو كافالو يبدو انه المكان الخاطيء للانطلاق. وعلاوة على ذلك، فان الارجنتين تنطلق من الميزة الهامة للقبول المعمم لعجز الدولة عن تسديد ديونها الخارجية كما هو متفق عليه، وتلك الحقيقة ترد كثيراً في الاخبار، وحتى صندوق النقد الدولي يقربها، وفي الوقت الحاضر، تمكنت الحكومة من تأمين تخفيض حديث في التزاماتها تجاه الدائنين الداخلين، وهذا العنصر الجديد ـ المختلف جوهرياً عن تجارب الانتعاش السابقة للمكسيك والبرازيل ـ يعطي اعانة أكبر بكثير على النفقات الحكومية ويصبح وسيلة لتخفيض الانفاق، وبالاضافة الى ذلك، فانه وفي حين ان مثل هذه النتيجة ستعني بشكل لا مناص منه تردداً أولياً أكبر من جانب المقرضين من القطاع الخاص في العودة، فان تلك الفترة ينبغي الا تدوم للأبد، وكان من المعتاد ان يعني التخلف عن سداد الديون الاستبعاد من الأسواق المالية لمدة عقدين وربما أكثر، ومع ذلك، فقد شهدنا انتعاش التمويل الدولي في حالة روسيا وذلك التخلف الرسمي عن سداد الديون لم يحدث إلا قبل ما يزيد قليلاً عن ثلاث سنوات. لقد عبر حاكم مقاطعة قرطبة خوسيه مانويل دي لاسوتا عن أمله في ان يكون دوهالدي، في العامين المتبقيين من فترته الرئاسية أدولفو سواريز الارجنتين، فقد مثل رئيس الوزراء الاسباني ذاك الجسر الحقيقي بين الفرانكوية والامتداد اللاحق للديمقراطية والنمو الاقتصادي السريع. وحقق دوهالدي انطلاقة بدمجه ممثلين عن الراديكاليين والفريباسو في حكومته، وقد حصل على أغلبية كاسحة من الأصوات في الكونجرس الموافقة على برنامجه الاقتصادي، واذا كان يرغب بالنجاح، فليمض قدماً الان في المسألة الثانية التي تثير الاهتمام الوطني وهي: مسألة الفساد الرسمي. كان الرئيس السابق كارلوس منعم أحد المؤمنين بالبيرونية الذي انتقل الى هيئة للقابلية للتحويل وقام عملياً بخصخصة جميع الممتلكات العامة، دوهالدي يمكن ان يكون البيروني الذي يقطع خطوة اخرى على طريق إقامة دولة مسئولة مالياً، ودولة تبقى مفتوحة على الصعيد الدولي، وفي تلك الظروف، ستصبح الالتزامات بسعر صرف ثابت الذي هو ضروري جداً في البداية لوضع حد التضخم المفرط ستصبح عديمة الصلة بالموضوع. وسنرى الان عاجلاً وليس آجلاً، ما اذا كانت الارجنتين ستتخذ خطوة عملاقة الى الأمام أم ستعود الى الماضي المأساوي المتميز بتدهور مستمر في الدخل النسبي والعلاقة الدولية.