في أول يناير الماضي بدأ اليورو الأوروبي في أخذ مكانه الكامل ومكانته القوية بين الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي «باستثناء إنجلترا والدانمارك» حيث تم تداوله بهذه الدول كعملة كاملة تحويلات وبنكنوت ومعدنية كما أصبحت تتم به التسويات الداخلية والخارجية وفتحت به الحسابات الجارية وحسابات الودائع والمدخرات والاستثمارات في بنوك الدول الأوروبية التي وافقت عليه اثنتى عشرة دولة. وإن كان تداول اليورو قد بدأ في أول يناير الماضي فسوف تستمر عملات الدول الأعضاء في التداول بجانبه حتى يونيو من هذا العام أي خلال ستة شهور، وذلك في ضوء إعلان البنك المركزي الأوروبي الذي وافق على استبدالها باليورو حتى تاريخ تحدده البنوك المركزية المحلية في كل دولة ولا يزيد عن شهر يونيو المقبل، وبعده ستنتهي تماما العملات المحلية وسيسود التعامل باليورو فقط وهو الذي سيكون العملة الوحيدة للدول الأوروبية الأعضاء، مبشرا ببداية عهد أوروبي جديد لدولة أوروبية موحدة تبدأ وحدتها على المستوى الاقتصادي الكامل ثم تمتد فيما بعد إلى كل الجوانب الأخري. ولاشك أن العمل باليورو كعملة أوروبية وحيدة في الدول الأعضاء باستثناء الدولتين المذكورتين «يتوقع عدولهما عن عدم الإنضمام قريبا» سيكون مفيدا على الجانب الاقتصادي لدول الإتحاد الأوروبي، وذلك من عدة جوانب: ـ ان اليورو سيمثل قفزة كبيرة في الحياة التجارية الأوروبية لأن 60% من تجارة الدول الأوروبية تتم داخليا، أي تجارة بينية، وطالما تتم هذه التجارة بعملة واحدة، فإنها ستخفض تكلفة التحويل والعملات البنكية ومصاريف الإرسال والإتصالات.. الخ. ـ كما أن معدل التجارة البينية الأوروبية سيتزايد نتيجة التعرف بسهولة على أسعار السلع المثيلة باليورو في أي من الدول الأوروبية الأعضاء، خاصة عن طريق الوسائل الالكترونية الحديثة، وهو ما سوف يؤدي إلى إتمامها بسرعة والاستغناء عن استيراد أمثالها من الدول الأجنبية البعيدة كالولايات المتحدة الأمريكية. ـ ان اليورو سيخدم الاقتصاد الأوروبي من ثلاث نواح على الأقل، أولها أنه سيجنب الأوروبيين مساويء تقلبات أسعار العملات المحلية إرتفاعا وانخفاضا، مما يؤثر على معدلات النمو وفرص التوظيف، وعلى سبيل المثال تكلف آخر إنهيار في العملات الأوروبية الذي تم عام 1995 حوالي 2% إنخفاضا في معدلات النمو، بالإضافة إلى ضياع 1.5 مليون فرصة عمل، كما سيساعد الشركات على تخفيض مصروفاتها المحلية وزيادة أرباحها، وأخيرا فسوف يؤدي اليورو إلى إنخفاض أسعار الفائدة وهو ما سوف ينعكس على الاستثمار وحركة الاقراض والاقتراض وزيادة العمليات المصرفية. لقد ظهر اليورو الحسابي في يناير عام 1999، واستخدم في التحويلات بين الدول الأوروبية وبعضها وبين الدول الأوروبية والخارج، ولكنه لأسباب اقتصادية وسياسية وعسكرية ظل ينخفض أمام الدولار الأمريكي حتى وصل الإنخفاض إلى 30% ثم بدأ في العام الماضي يعاود الإرتفاع ويعاود أيضا استرداد قوته كعملة نقدية سيشكل التعامل بها ثلث معاملات العالم، وهو ما يزعج الولايات المتحدة الأمريكية، إن لم يكن علنا فسوف يكون في الخفاء. ولاشك أن ظهور اليورو الأوروبي بهذا الشكل الواسع سيكون دافعا قويا لاتمام الخطوات الخليجية في توحيد العملات والتي بدأت باهتمام منذ سنتين عندما أقر قادة الخليج في إجتماعهم في نهاية عام 2000 إتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ المادة (22) من الإتفاقية الاقتصادية التي تنص على توحيد العملات الخليجية، وإن كان هذا القرار من أهم القرارات الصادرة عن القمة الخليجية بالرغم من أهمية القرارات الأخرى التي تصدرها القمة. وفي إجتماعات مجلس التعاون الخليجي التي تمت في مسقط أواخر ديسمبر الماضي وافقت القمة أيضا على اللائحة الزمنية للإتحاد النقدي بين دولهم والتي تقضي بالوصول إلى العملة الموحدة خلال عشر سنوات على أن يعتمد الدولار الأمريكي كمقياس مشترك لعملات الدول الخليجية خلال تلك الفترة.