يبدو الاكتفاء الذاتي هدفا ووسيلة في آن واحد.. فهو هدف تسعى إليه كافة الدول عن طريق ترسيخ آلية انتاج زراعية وصناعية من خلال الموارد المتاحة لديها لتعفي نفسها من اللجوء لمسألة الاستيراد الذي يعتبر الطرف السلبي من المعادلة المعمول بها في تجارة عالم اليوم القائمة على التصدير والاستيراد. كما انه ـ الاكتفاء الذاتي ـ وسيلة لصياغة ارضية اقتصادية متينة من شأنها الحفاظ على هيبة الدولة وسياستها، واستقلال القرار السياسي والاقتصادي فيها، وهو وسيلة ايضاً للانطلاق نحو تنمية حقيقية للموارد، تتيح تحقيق معدلات عائدات كبيرة، من خلال تحفيز العملية التصديرية. ولسنا بحاجة هنا إلى اضافة. فالتصدير هو من اهم ما يمكن ان تحققه اي دولة على الصعيد الاقتصادي، وهو المعيار الفعلي الذي ينظرون من خلاله إلى متانة اقتصاد هذا البلد او ذاك.. وبالطبع فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي هو مهمة شاقة وصعبة تحتاج إلى تنسيق الجهود وتوليفها بذات الوتيرة، للنهوض بمختلف القطاعات بناء على جملة دراسات معمقة يتم بموجبها وضع النقاط على الحروف.. اي بمعنى معرفة الامكانات اولا، وطريقة الاستفادة منها ثانياً، بعد تذليل كافة الصعوبات والعقبات القائمة، والمتوقعة فما يبدو في عالم اليوم ان تحقيق الاكتفاء الذاتي كان ممكناً عندما كانت الحياة تتسم بالبساطة وعدم التعقيد، وتقتصر متطلباتها على الغذاء اولاً، واللباس ثانياً والسكن ثالثاً، كعناصر اساسية ومقومات يكتفي بها ليعتبر الفرد نفسه انه حقق ذاته ككائن حي. الا ان هذه الحياة البسيطة، اصبحت ذات متطلبات اكثر واوسع. بدءاً من التنوع في الحاجات الغذائية، إلى تطور النظرة إلى موضوع الكساء واللباس، إلى السعي للارتقاء تدريجياً بوضع السكن. فقد تعقدت المسألة تباعاً وبدأت مرحلة البحث عن وسائل الرفاهية انطلاقاً من هذه العناصر الثلاثة، التي تفرع كل منها إلى تشعبات كثيرة بدت في ايامنا هذه وكأنها بدأت ولن تنتهي.. اي باختصار تغير تدريجياً مفهوم الاكتفاء الذاتي، ليسمى تحدياً حقيقياً ماثلاً امام الدول. فالحضارة بحد ذاتها باتت هي محتوى هذا التحدي، وهنا بدأت المفارقة المدهشة بحق. في مواجهة التحديات الاقتصادية الامر المقلق في موضوع تفاوت ما حققته الدول في مجال الاكتفاء الذاتي بالمنظور الحضاري المعاصر.. هو ان ثمة فرزاً ملفتاً حصل في المقدرات الاقتصادية. ادى إلى فرز واضح في مسألة التبعية. اي امسى هناك تابع ومتبوع لكن بدرجات تبدأ من الجزئي وتنتهي بالكلي إلى من التبعية الجزئية إلى التبعية الكلية.. وقد نتج عن التسابق المحموم في مجال انتاج وسائل الرفاهية التي بدأت تصبح لازمة مع مرور السنين.. ينتج اقتصاد من نوع جديد لا يقوم على الموارد الطبيعية فقط، بل هو اقتصاد مادته الاولية الخبرات والتفنن في صناعة المنتجات التكنولوجية. وكتحصيل حاصل بات للتسويق انظمته الخاصة التي تحكمه. المدهش في الموضوع انه وفي ظل تسابق الدول مصدرة الحضارة في ابتكار انواع جديدة ومنتجات تكنولوجية جاذبة لرغبات الآخرين وبالتالي لاموالهم. في ذات الوقت اصبح هناك نوع آخر من التنافس بين الدول مستوردة هذه المنتجات تتجلى في قدرتها على اقتناء هذه التكنولوجيا!! وهذه بحد ذاتها مشكلة معقدة. فبالتأكيد الذي يصنع الطائرة ليس كالذي يشتريها، ولا مجال للمقارنة هنا.. والمنافسة في الحالة الثانية هي ضرب من جملة اشياء كلها تدعو للتساؤل والوقوف عندها كثيرا؟؟ فالمسألة الصعبة هنا هي قدرة مستورد الحضارة على دفع قيمة الفاتورة التي تكبر احياناً إلى درجات تعجيزية ترتب تبعات قد لا تكون في الحسبان.. فكيف اذا كان مستورد هذه الحضارة والمنتجات المضاربة من دول العالم الثالث الذي مازال التحدي القائم لديها هو تأمين العيش لشعوبها.. ما نريد قوله انه حتى الاكتفاء الذاتي امسى نسبيا، يختلف في كل بلد ما عن الآخر تبعاً لقوة الاقتصاد.. وعلى قدرة شعب هذا البلد على الاستفادة من الموارد وتنميتها بالشكل الامثل.. لكن كيف يحقق هذا الاكتفاء الذاتي؟ المطلوب لذلك هو بناء اقتصاد محلي متين من خلال النظرة الجادة إلى هذا الاقتصاد على انه جزء لا يتجزأ من الاقتصاد العالمي، لا عن طريق الحماية الذاتية.. التي لا يمكن ان تدوم.. اي سوف يتكسر هذا المبدأ امام ضغط العولمة التي لن ترحم احدا. فلابد من تنمية الموارد نحو اقتصاد قادر على مواجهة التحديات والمنافسة في اطار السوق العالمية التي تفرضها العولمة والا كانت النتيجة كارثة اقتصادية. والتنمية المطلوبة هذه تتطلب دراسة كل السلبيات التي يعاني منها الاقتصاد المحلي ومعالجتها بشكل مدروس وهاديء من منطلق المثل الشعبي القائل «ما يصلح للغير يصلح للذات». استراتيجية اصلاحية ضرورية بما اننا تطرقنا إلى النظرة الذاتية المحضة للاقتصاد، وعن فشل اسلوب الحماية، كنتيجة لتدخل السلطات في الاقتصاد بشكل غير مدروس. ارى ان نقف قليلا عند هذه المسألة. فاذا اعتبرنا ان الاقتصاد هو كتلة تضم في جميع جوانبها كافة الانشطة الاقتصادية بغض النظر عن الجهة القائمة بها.. فإن ذلك يرتب علينا ان نخضع امر التصرف بهذه الكتلة إلى استراتيجية معينة يتم وضعها وتحديد معالمها من قبل كافة الجهات المعنية بشئون الاقتصاد، وهنا اقصد الجهات العلمية ذات الخبرة، والجهات الممولة للنشاط الاقتصادي. ثم الجهات المنفذة على حد سواء والمطلوب تشكيل هيئة تضم ممثلين عن كل هؤلاء ـ هيئة علمية متخصصة ـ لبحث كيفية وضع الاستراتيجية الاقتصادية السليمة المتكاملة وسبل تطبيقها مرحلياً.