قياسا الى اجمالي حجم تجارتها الخارجية، فان نسبة التجارة البينيه بين دول مجلس التعاون الخليجي لم تشهد تطورا ملحوظا خلال العشر سنوات الاخيرة حيث بقيت عند مستوى 6% من اجمالي التجارة الخارجية. الا اننا اذا نظرنا الى معدل نمو التجارة البينية من السلع غير النفطية خلال عامي 1990 و2000 لوجدنا انه يبلغ حوالي 22%، وتعبر النتيجة السابقة عن حقيقة مهمة جدا تتعلق بتفسير انخفاض نسبة التجارة البينية الاجمالية لدول المجلس، وهي ان هذه النسبة مقبولة الى درجة ما ضمن اطار الهياكل الانتاجية القائمة لدول المجلس وان انخفاضها مقارنة بالتجمعات الاقتصادية الاخرى، وبالطموحات والآمال المعقودة عليها من قبل مواطني دول المجلس، لا يعكس ضعف العلاقات التجارية بين دول المجلس بقدر ما يجسد ضعف ومحدودية القاعدة الانتاجية غير النفطية ـ انتاج القطاع الزراعي وقطاع الصناعة التحويلية تحديدا ـ لهذه الدول، وسيطرة الانتاج النفطي على اقتصاداتها. ويشير التحليل لواقع التبادل التجاري بين دول المجلس الى ان هناك الكثير الذي يمكن عمله لزيادة هذا التبادل الى المستويات المطلوبة والمرغوبة، غير ان هناك مجموعة من الصعوبات والمعوقات التي تقف حجر عثرة امام زيادة المبادلات التجارية بين دول المجلس التي ان تمت معالجتها رفعت معدلات نمو هذه المبادلات الى مستويات مقبولة ضمن اطار الهياكل الانتاجية القائمة التي سوف تحد من مدى زيادة نسب التجارة البينية في المديين القصير والمتوسط. وقد سبق للامانة العامة لدول المجلس أن اعدت مذكرة ضمنتها قائمة عريضة من المعوقات الاقتصادية والتجارية والاجرائية التى تحول دون تنمية المبادلات التجارية الخليجية، كما تقترح وسائل العلاج لهذه المعوقات. وتشير مذكرة الامانة العامة لدول المجلس الى ان تأخر دول المجلس بتطبيق تعرفة جمركية موحدة تشكل اهم العقبات او المعوقات لزيادة التبادل التجاري بين دول المجلس وتتوقع ان يؤدي تطبيق التعرفة الموحدة تجاه العالم الخارجي الى تخفيض تكاليف النقل والتخليص وتكاليف الانتاج والتوزيع عموما بحيث ينعكس ذلك ايجابيا ليس فقط على حجم التجارة بين دول المجلس بل ايضا مع الدول والتجمعات الاقليمية والدولية الاخرى. ان بقاء التفاوت في معدلات الرسوم الجمركية بين دول المجلس يؤدي الى بروز ظاهرة «تحويل التجارة» حيث تتجه الواردات الى الدولة الاقل تعرفة لتنتقل بعد ذلك الى الاعضاء الآخرين ذوي التعرفة المرتفعة، مما يدفع بهذه الدول الى اتباع اجراءات غير جمركية للحد من تدفق السلع اليها من الدولة او الدول ذات التعرفة المنخفضة. اما بالنسبة للمعوقات غير الجمركية، فان تلك المتعلقة بالمنتجات ذات المنشأ الوطني هي الاكثر تعقيدا حيث يتطلب التصدير لدول المجلس مستندات كثيرة ويستغرق وقتا اطول من التصدير للدول الاخرى في حين تفضل بعض المنشآت اخضاع منتجاتها ذات المنشأ الوطني للرسوم الجمركية المقررة عن المرور عبر الاجراءات المطلوبة للحصول على اعفاء منتجاتها من الرسوم الجمركية لدى دخولها اسواق بقية دول المجلس، وتضمنت المذكرة عددا من المعوقات الاخرى التي تعترض التبادل التجاري البيني وهي طول اجراءات فحص وتفتيش الشاحنات على الحدود وتخليص حمولتها وصعوبة الحصول على تأشيرات دخول السائقين الاجانب ووجود منتج مشابه ومنافس لمنتج او منتجات المنشأة وتباعد اسواق الدول الاعضاء وارتفاع تكاليف النقل البحري وتفاوت الحواجز والمزايا والتسهيلات بما فيها رسوم الموانيء بين دول المجلس وتباين انظمة وقوانين التجارة بدول المجلس وعدم التقيد بتطبيق بعض احكام الاتفاقية الاقتصادية الموحدة وصعوبة تحقيق نسبة الاربعين بالمئة كقيمة مضاعفة. وللأسف فان هذه القائمة الطويلة من المعوقات تكشف عن حقيقة مؤلمة توضح تأخر دول المجلس فى تجاوز العديد من بديهيات التعاون فيما بينها، فعندما يجرى الحديث عن تشابه الهياكل الاقتصادية والصناعات الخليجية كعامل اساسي يحد من نمو المبادلات التجارية البيئية فالامر يصبح مقدرا نظرا لكون تنويع قاعدة الصادرات والتصنيع والخدمات القابلة للتصدير يتطلب جهدا ووقتا كبيرين تتشابك معهما العديد من المعطيات الاقليمية والدولية ذات التأثير المباشر وغير المباشر، وبالتالي فان العمل من اجل تنمية حصة هذه المبادلات الى اجمالي المبادلات التجارية لدول المجلس يرتبط بصورة عملية بجهود التنسيق والتكامل الاقتصادي الخليجي ومحاولة ايجاد مزيد من الصناعات التكامليه والمشروعات الانتاجية المشتركة وولوج انشطة تصديرية متطورة تتجاوز انتاج السلع التقليديه القائمة اساسا على النفط والبتروكيماويات، ان الجهود المرتبطة بهذه الخطوات سوف تسهم في خلق الاطار الموضوعي والقاعدة المادية لتنمية المبادلات التجارية البينية. الا انه وللأسف فان الحديث لا يجرى فى الوقت الحاضر عن هذا المعوق الاساسى وانما عن استمرار وجود بعض العقبات الاجرائية والتنفيذية التى تعوق تنمية المبادلات التجارية الخليجية البينية، فعندما يجري الحديث وبعد اكثر من 21 عاما على بدء مسيرة التعاون بظل مجلس التعاون الخليجي وقبلها اعوام مماثلة من العمل التعاوني الاقليمي، عن معوقات مثل اجراءات التأهيل للاعفاء الجمركي للمنتجات الوطنية والاختلاف حول معايير القيمة المضافة بالاضافة الى تفاوت الاجراءات الجمركية ومعوقات النقل، نرى انها معوقات طال الحديث عنها لاكثر من سبع سنوات حاليا وان بقاءها حتى الان لا يعنى سوى شيئا محدودا وهو ان المصالح الذاتية لا تزال تتغلب على نزعة التعاون والتكامل الاقتصادي الخليجي. ويجب الا يفهم من كلامنا هنا اننا نعارض او نقلل من اهمية مراعاة المصالح الوطنية لكل بلد خليجي، بل على العكس نحن نفترض ان التكامل الاقتصادي الخليجي عندما يأخذ مداه البعيد والاستراتيجي سوف يمثل المدخل الامثل لحماية المصالح الوطنية لكل بلد خليجي لذلك فاننا نعتقد ان التمسك المغالى به بالمصالح الذاتية لا يأخذ بالاعتبار تلك الحقيقة وانما ينظر لما يحققه الحاضر فقط من مصالح آنية دون النظر الى ما يحمله المستقبل من مخاطر على الجميع. ولسنا بحاجة الى ضرب الكثير من الامثلة على دول اكبر في حجمها ومواردها عشرات المرات من دولنا مع ذلك سارعت بالدخول في تجمعات اقتصادية اقتضى منها التنازل عن بعض المصالح الانية والقصيرة من اجل تحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الاجل. لذلك لابد من العمل من اجل تجاوز هذه العقبات بشكل جماعي يمهد الطريق للنمو الطبيعي والسريع للمبادلات التجارية البينية خصوصا اذا ما اخذنا بالاعتبار ان الصناعات الوطنية الخليجية تعتبر صناعات وليدة وبحاجة الى تشجيع ودعم، والاحرى ان تجد هذا الدعم والتشجيع في الاسواق الخليجية قبل غيرها من الاسواق. ومن المفيد ان ننوه هنا الى بعض من الاجراءات التي من شأنها ان تسهم في تنمية المبادلات التجارية البينية. ومن بين هذه الاجراءات مواصلة توسيع قاعدة المواطنة الاقتصادية من خلال السماح بممارسة مزيد من الانشطة والمهن لمواطني دول المجلس لأن هذا التوسع يعنى توحيد الانظمة والقوانين وتنقل العمالة والاستثمارات، هذا جميعه يسهم في تعزيز القاعدة المادية لتنمية المبادلات التجارية. كذلك فان اقامة المزيد من المعارض الوطنية والمشتركة الخليجية للتعريف بالصناعات والخدمات الخليجية يسهم في تعزيز ثقة المستهلك الخليجي بالصناعات الوطنية، ومن الانظمة والتشريعات التى يتوجب النظر في توحيدها من اجل تنمية المبادلات التجارية الخليجية هى تلك المتعلقة بالوكالات التجارية والقوانين التجارية وقوانين الاستثمار ومزاولة المهن وصيانة حقوق الملكية وبراءة الاختراع. ان السماح للمنتجين الخليجيين بتعريف منتجاتهم في الاسواق الخليجية الاخرى دون الحاجة الى وكيل محلي من شأنه ان يسهم بصورة ايجابية في هذا الشأن. كما ان اقامة مشروعات مشتركة في مجال النقل البري والبحري واعطاء التسهيلات الضرورية لهذه المشروعات ومعاملتها كمشروعات وطنية من شأنه ان يسهم بصورة فاعلة في تقليص الفروقات فى اسعار السلع الوطنية في اسواقها الوطنية والاسواق الخليجية الاخرى. ومن القضايا الهامة التى لا تزال قيد الدراسة والمعالجة على الرغم من مضى فترة طويلة على الدعوة اليهما هي توحيد اسعار صرف العملات الخليجيه والسماح للبنوك الخليجيه بفتح فروع لها في الدول الخليجية الاخرى. ان اهمية توحيد اسعار صرف العملات الخليجيه فى تشجيع قيام المشروعات المشتركة هي واضحة ولا تخفى حيث ان تقلبات اسعار صرف هذه العملات فيما بينها، وبين العملات العالمية الرئيسية تثير مخاوف المصدرين والمستوردين الخليجيين فيما بينهم وتدفعهم لتحمل اعباء ونفقات اضافية لحماية أوضاعهم ازاء مخاطر تقلبات اسعار العملات.