لمواجهة التراجع المتوقع للطاقة التقليدية من البترول والغاز هل يدخل القطاع الخاص المصري مجال انشاء المفاعلات النووية لتوليد الكهرباء؟ هذا الاقتراح قدمته احدى لجان هيئة الطاقة الذرية، بمصر خبراء الطاقة النووية اكدوا ان مصر تمتلك الخبرات اللازمة لذلك .. وان هذه الخطوة توفر الاحتياجات المتزايدة للدولة من الوقود وستكون بداية للدخول في صناعات اخرى تعتمد علي الطاقة النووية وكذلك في مجال استصلاح الاراضي واستخدام هذه الطاقة في تحلية مياه البحر وتوظيفها في الاستخدامات السلمية من علاج وتعقيم والمنتجات الغذائية. الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدورها والتي من اهم وظائفها مراقبة ومتابعة اي منشأة نووية تقام للاغراض السلمية في اي دولة من العالم دعت كل الدول النامية الى سرعة القيام بتنفيذ برامج نووية لتوفير بدائل للطاقة التقليدية خاصة وان هناك مؤشرات تؤكد تراجع البترول والغاز الطبيعي عالميا بالاضافة الي تحولهما الي وقود ملوث للبيئة.. خبراء الطاقة النووية بدورهم طالبوا بدخول القطاع الخاص في مجال انشاء المفاعلات النووية لمواجهة تراجع الطاقة التقليدية وكذلك لتحلية مياه البحار وتوظيفها في الري والزراعة بدلا من الدخول في نزاع حول مياه الانهار. الحكومة المصرية بدورها اعلنت عن مخاوفها من حدوث ازمة طاقة عالمية خاصة ان الزيادة المتوقعة في سكان العالم سوف تصل الى نحو 8 مليارات نسمة في عام 2020 بينما يوجد في العالم حاليا نحو 2 مليار نسمة يفتقدون لمصادر الطاقة. الدكتور محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية يقول: الدول المتقدمة صناعيا بدأت الانسحاب كحكومات من مجال توليد الكهرباء نوويا لصالح القطاع الخاص والذي يتولي مهمة انشاء المفاعلات المتوسطة وصغيرة الحجم لتوفير الكهرباء اللازمة. ويرى د. البرادعي ان المحطات النووية ذات اقتصاديات تنافسية تفوق المصادر الاخرى للطاقة خاصة ان تطور اقتصاديات توليد الكهرباء نوويا يتزامن مع تطوير شامل وتحسين كلي لامان المفاعلات. ويقول البرادعي ان دخول القطاع الخاص بدوره في هذا المجال سوف يحدث طفرة حقيقية ليس في مجال زيادة الطاقة اللازمة لتوليد الكهرباء بل في مجال استصلاح الاراضي ايضا نتيجة لاستخدام هذه الطاقة وبكفاءة من تحلية مياه البحر وبالتالي استصلاح الصحراء والتي تزيد على نسبة 94% من مساحة مصر .. خاصة ان المياه هي العنصر الوحيد الذي تفتقده الصحراء لتتحول الي اراض زراعية. ويؤكد د. البرادعي ان مشاركة القطاع الخاص في هذا المجال اصبحت واقعا نلمسه في كل الدول المتقدمة حيث انه يمتلك الاستثمارات الضخمة وكذلك القدرات التكنولوجية اللازمة لاقامة مثل هذه المحطات التي يمكن ان ترفع قدرات الطاقة في مصر والدول النامية من خلالها كما ان هذا المجال من ا لممكن ان يكون الاكثر قدرة علي بناء مناخ الاستثمار الذي يسهم في النمو المتواصل ونشر التقنيات اللازمة للطاقة الحديثة. اما الدكتور محمد مصطفي عبدالباقي بهيئة الطاقة الذرية فيؤكد ان فكرة مشاركة القطاع الخاص في مجال توليد الطاقة ليست حديثة لكنها تعود الى الثمانينات وذلك لارتفاع تكاليف انشاء المفاعلات النووية وبالتالي لم تكن الحكومات لديها القدرة على ضخ المزيد من الاستثمارات لزيادة الطاقة المولدة ويأتي الدور الذي لعبته الشركات الكبرى في انشاء مفاعلات نووية الى توفير عنصر المنافسة لدى الطاقة النووية في مواجهة الانواع الاخرى من الطاقة خاصة الغاز والبترول. ويضيف ان مصر لديها الخبرات اللازمة لانشاء المفاعلات النووية لتوليد الكهرباء ولم يعد ممنوعا الاستثمار فيه عالميا نظرا لارتباطه باقتصاديات الدولة ويعد وسيلة فعالة للانتاج .. كما ان الخبرات الموجودة في مصر من الممكن مضاعفتها وزيادة قدراتها على الابتكار اذا ما توافرت الاستثمارات اللازمة لهم خاصة ان العديد من خبراء الطاقة النووية قد هاجروا ليمارسوا دورهم فعليا من خلال المفاعلات النووية المنتشرة في العالم. والاستثمار في مجال توليد الطاقة النووية اصبح مجالا يمكن جذب العديد من المستثمرين المحليين والاجانب اليه خاصة ان عائداته ضخمة وتتمثل في توفير المياه اللازمة لاستصلاح مساحات من الاراضي الصحراوية والتي تتسع رقعتها وذلك في ظل محدودية مياه النيل وزيادة الاحتياجات السنوية من الغذاء وغيره. ويؤكد د. حافظ حجي الرئيس السابق لهيئة المحطات النووية ان مجال الاستثمار في الطاقة النووية يحقق طفرة من خلال توفير الاحتياجات المتزايدة لقطاعات الدولة من الوقود والذي تعتمد عليه اقتصاديات اي دولة. ويرى د. حافظ حجي ان عدد العلماء المصريين العاملين في هذا المجال داخل الدول الاخرى يتجاوز اكثر من 500 عالم من الممكن ان يقوموا بتولي مهمة انشاء المفاعلات النووية المطلوبة والاشراف عليها سواء صغيرة او متوسطة الحجم اذا كان هناك مصدر تمويلي لشراء تلك المفاعلات وكذلك الاجهزة والمعدات اللازمة لذلك . ويرى د. حافظ حجي ان امتلاك مصر للخبرات اللازمة في هذا المجال سوف يحقق للقطاع الخاص فرصة ذهبية باعتبار ان الكوادر البشرية تمثل العنصر الرئيسي القادر على ادارة تلك الاستثمارات وتنميتها كما تزخز الاراضي المصرية وفي مواقع عديدة بجميع الاحتياجات من المواد الخام اللازمة لتشغيل تلك المفاعلات وتوظيفها في مجال توليد الكهرباء وتحلية مياه البحر وكذلك في العديد من الاغراض السلمية الاخرى. ويشير د. حجي الي المناطق التي تحتوي على الرمال السوداء في شمال مصر وفي شواطئها الشمالية مؤكدا انه تم اجراء دراسات عديدة على تلك المناطق خاصة منطقة ساحل البحر المتوسط امام محافظتي كفر الشيخ والبحيرة فوجد انهما من افضل المناطق المؤهلة لتوفير احتياجات اي عدد من المفاعلات من الوقود النووي اللازم .. وقال د. حجي ان مخزون مصر من المواد النووية يقع بتلك المناطق كما ان الهيئة لديها خريطة متكاملة توضح حجم ونوع المواد المتوافرة بالمنطقة وبالتالي فمن الافضل ان تتم تنمية هذه المناطق والبدء في استخلاص اليورانيوم الموجود فيها وهو احد المواد المتجددة باستمرار في الرمال السوداء ومع توافر الخبرات والخامات الرئيسية يكون المطلوب فقط توفير الاستثمارات اللازمة وهو ما يقع على كاهل القطاع الخاص الذي من المفترض أنه صاحب القرار في إنشاء المشروعات اللازمة للدولة .. استصلاح واستزراع الأراضي الصحراوية بدوره يرتبط عمليا بوجود المياه وهي السبب الرئيسي في حدوث أزمات بين الدول وبعضها نتيجة لندرتها وبالتالي فليس امام معظم دول العالم سوي اللجوء إلي مياه البحر وتحليتها باعتبارها البديل المناسب وهو ما يمكن توفيره ولكن من خلال مفاعلات نووية قادرة على تحلية تلك المياه. ويؤكد د.حجي أن الطاقة النووية أصبحت هي البديل الاقتصادي للطاقة الحرارية حيث إن تكلفة توليد الكهرباء من النووية لا تتجاوز نسبة 50% من تكلفة توليدها حراريا بينما باقي الاستخدامات الاخرى من الطاقة المائية والمتجددة غير ذات جدوى فالأولى محدودة بطبيعتهاحيث انه تمت الاستفادة القصوى من المصبات المائية والثانية مكلفة جدا سواء من الرياح أو الطاقة الشمسية ومازالت لم تدخل حيز التوليد الاقتصادي. فيما يرى الدكتور محمد خميس أستاذ الطاقة البديلة بجامعة القاهرة أن البحث عن بدائل للبترول والغاز مطلوبه لكن ليس بالطاقة النووية ولكن بطاقتي الرياح والشمس وهي الرؤية البديلة التي يجب أن نهتم بها ويشير د.محمد خميس إلى أن الشمس في مصر تمثل طاقة دائمة تصل إلى 300 يوم في السنة، ولكن الاعتماد على الطاقة النووية رغم وسائل الامان المتاحة حاليا ليست اقتصادية خاصة لو وضعنا في الاعتبار تكاليف انتاج الكيلووات ساعة كهرباء طوال العمر الافتراضي لمحطة التوليد النووي مقابل تكاليف نفس الوحدة من محطة التوليد الشمسي. ويؤكد د. محمد خميس أن المزايا التي تتمتع بها مصر في مجالي الرياح والشمس تجعل الاقتناع بجدوى إنشاء المحطات النووية في الوقت الحالي صعبا إذا كان الهدف هو توليد الكهرباء فقط لكن تكاليف الانشاء للمحطة الشمسية أو محطة الرياح لابد أن تكون أعلى تكلفة من المحطة النووية.