يحسب لوزير المالية السعودي الدكتور إبراهيم العساف شجاعته حينما كشف عن الرقم الحقيقي للدين الحكومي والذي تجاوز 600 مليار ريال (160 مليار دولار)، إذ أن تصريح الوزير ازال كثيرا من اللغط حول تقديرات هذا الرقم وأثره في مسيرة الاقتصاد. ومنذ الاعلان عن ذلك الرقم، تباينت ردود الفعل بين الاقتصاديين والخبراء حول تأثيراته السلبية ومطالبة الدولة بتقليصه، لكن يبدو أن ما يدور عن الحديث في (الدين الحكومي السعودي) اشبه بالمقولة الدارجة، هل بالامكان احسن مما كان، أو بعبارة أخرى أن هناك ظروفا اقتصادية وضعت صانع القرار في الحكومة في اختيار الدين الحكومي كاحدى أبرز الادوات المالية. هذه المقولة الدارجة تجعلنا نعود للخلف ونسأل انفسنا... لماذا فضلت الحكومة السعودية الاقتراض من الداخل دون سواه من الخيارات؟ الحقيقة.. إن قدرا كبيرا من الإجابة على هذا السؤال يستدعى الخوض في تعريف الاقتراض العام للدولة وأهميته في النشاط الاقتصادي، وتوقيته، وأنواعه، وتنظيمه الفني، وكيفية انهائه. بشكل عام، يُعرّف اساتذة الاقتصاد في مراجعهم الدين العام للدولة بأنه مبلغ من المال (غالبا في صورة نقدية) يُدفع للدولة أو أحد أشخاص القانون العام من قبل وحدات اقتصادية محلية أو أجنبية وبصورة إختيارية وبموجب عقد يستند إلى تصريح سابق تتعهد الدولة بموجبه بدفع فوائد على مبلغ القرض وسداد أصله، وعادة ما تلجأ الحكومات إلى الاقتراض حينما تنخفض الإيرادات العامة لمواجهة متطلبات النفقات العامة حيث تصدر مقابل هذه القروض سندات دين تسمى سندات الدين العام Public Debt. وينظر إلى أهمية القروض العامة أو (الدين العام) على اعتبارها كأداة لتمويل النفقات العامة للدولة حتى باتت ظاهرة (مالية) تستخدمها جميع الحكومات للتأثير في النشاط من أجل تحقيق أهداف اقتصادية، مالية، سياسية، وإجتماعية. هذا التطور بطبيعة الحال لم يكن ليحدث إلا بعد تغيرت النظرة للمفهوم نفسه بل واستخداماته، فحين كان الاقتصاديون التقليديون يرفضون ويعارضون مبدأ الدين العام على اعتبار أنه تحويل لمدخرات الأفراد للاستخدام الحكومي الاستهلاكي قد ينتهي إلى نقص الرساميل المعدة للاستثمار وبما ينحسب أخيرا على ارتفاع تكاليف الإنتاج إثر زيادة معدلات الفائدة على رأس المال المقترض، وهو بذلك إهدار للمدخرات القومية كان من الممكن توجيهه إلى مجالات أخرى. ولذا فإن رواد المدرسة التقليدية كانو يسمحون في أضيق الحدود باقتراض الدولة في الحالات الاستثنائية وفي أضيق الحدود مثل الحروب وما يترتب عليها من نفقات عسكرية على اعتبار معظم القروض التي حصلت عليها الحكومات في عهدهم كان لتمويل حروب لا فائدة منها للمجتمع أو من أجل إنفاق إستهلاكي أو بذخي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاختلاف في كيفية تمويل النفقات العامة عبر زيادة إيرادتها من الاقتراض مرده الأساسي إلى الاختلاف الجوهري بين رواد المدرستين الاقتصاديتين التقليدية والحديثة في أهمية دور النفقات في النشاط الاقتصادي أو ما يعني عمليا دور الدولة، لكن المجال هنا ضيق لشرح جوهر تلك الاختلافات. وتبعا لذلك، يمكن النظر إلى أهمية الاقتراض العام للدولة الناحية المالية بأن أسلوب تلجأ إليه الحكومات في حالة عدم حدوث توافق زمني بين للإيرادات العامة مقابل النفقات العامة في فترة معينة خلال العام لسد هذا العجز المؤقت، كما قد تلجأ إليه كمصدر للإيرادات حين لا تتمكن من فرض ضرائب أو رفع معدلاتها، ويهدف الاقتراض العام إلى تعبئة المدخرات القومية والإسراع في التكوين الرأسمالي والتنمية الاقتصادية، وأخيرا يمكن أن يكون للاقتراض مبررات سياسة وإجتماعية للدولة فهي أنها ستخفف من العبء الضريبي من الجيل الحالي ليحقق أخيرا هدف إشراك الأجيال المقبلة في تكاليف الإنفاق العام، وفي النهاية يعتبر نجاح سياسة الاقتراض العام ما هو إلا تعبير عن ثقة الأفراد في حكومتهم ودعمهم لبرامجها. وتقسم القروض العامة على أساس مصدرها إلى قسمين: ـ محلية. ـ اجنبية. وتضم الأولى نوعين ـ حسب طبيعة الدائن ـ فإذا كانوا أفراد المجتمع سمي (حقيقيا)، حيث أنهم ـ أي الأفراد ـ يسلمون جزءا من قوتهم الشرائية إلى الحكومة مقابل الحصول على عائد لهم في فترات زمنية، أما إذا كان الاقتراض من الجهاز المصرفي (البنك المركزي) سميّ (ظاهريا) أو الاصدار النقدي المقنع، حيث لا يتم هنا حدوث أي عملية تنازل عن قوة شرائية يملكها البنك المركزي مقابل الفوائد التي تلتزم الدولة بدفعها، وإنما تدفع الحكومة مبالغ نقدية من الأرصدة المتجمعة لديها (على شكل حساب دائن للحكومة بمبلغ القرض) للحكومة مقابل سندات دين تصدرها الحكومة، والدين المحلي ينحصر بين هذين النوعين، وغالبا ما يكون الجزء الأعظم من الدين مكونا من (الظاهري) خاصة في الدول التي يصعب فيها استخدام (الحقيقي) لعدم تطور السوق المالية فيها. أما القروض الأجنبية فإن الدولة تقترض هنا من وحدات أجنبية حين لا تتمكن المدخرات أو الجهاز المصرفي من تلبية القرض، وهذا النوع يمكن الدولة من الحصول على عملات أجنبية تتمكن بها من شرآء سلع وخدمات، لكن خدمته (فوائده) تتم بالعملات الأجنبية من فائض الصادرات على الواردات، وفي النهاية يعني تحويلا للموارد الاقتصادية وعبئا على الاقتصاد ويسبب ضغوطا حين تعجز الدولة عن الوفاء به. وتبعا لذلك، فإن هناك فرقا بين القروض المحلية والأجنبية، فالأول يتم بالعملات المحلية ويتأثر بقيم العملة الوطنية أما الآخر فإنه يتم بالعملة الأجنبية وقد يتأثر بتغير قيمة سعر الصرف فتحقق الدولة مكاسب أو خسائر في حالة زيادة أسعار الصرف بالنقصان أو الزيادة، وإضافة إلى ذلك، فإن الأول يعتبر تحويلا للقوة الشرائية من الوحدات الاقتصادية إلى أخرى داخل الاقتصاد، مما يعني أنه لن تكون هناك زيادة صافية ومباشرة في الموارد التي يتملكها المجتمع، أما القرض الخارجي فإنه يؤدي إلى زيادة صافية في الموارد في المجتمع، لكن وجه الخطورة أنه لدى عملية التسديد للقرض الاجنبي فإن جزءا كبيرا من الموارد سوف تتسرب إلى الخارج. وهناك عدة أشكال من القروض العامة، وهي - سندات الدين الحكومية وهي صيغة القروض طويلة الأجل منها سندات الادخار والحكومية الطويلة الأجل. - سندات الخزينة فهي صيغة القروض المتوسطة الأجل تتراوح آجالها بين عام إلى خمسة أعوام. - أذونات الخزانة العامة وهي الشكل الرئيسي للقروض قصيرة الأجل تتراوح مدتها بين 90 إلى 180 يوما، وتلجأ إليها الحكومات من أجل تغطية العجز المؤقت أو الموسمي في إيرادات الخزانة وهي بديل للنقود ما توافرت إمكانية تحويلها إلى سيولة، وهذه القروض هي ما تفضل البنوك الاكتتاب فيها لتوظيف فائض السيولة لديها لفترة من الزمن. وفي الناحية الأخرى يرتبط توقيت إصدار القروض العامة بالحالة الاقتصادية التي تعيشها الدولة فإذا كانت هناك حالة كساد فإن هدف الاقتراض هنا زيادة الطلب الكلي، وتلجأ الدولة هنا إلى الاقتراض الظاهري في محاولة إلى زيادة القوة الشرائية عن طريق إصدار نقود في المجتمع لتحفيزه على الإنفاق? أما إذا كان الاقتصاد يعاني من نسب تضخم فإن هدف الاقتراض هنا هو كبح الطلب الكلي، وتقوم الدولة هنا بالاقتراض الحقيقي. إن هذه القواعد العامة تفسر بشكل واضح فسلفة الاقتراض الداخلي، فعلى سبيل المثال فإن السعودية وبعد تجربة الاقتراض الخارجي الذي أنهته في العام 1995 وما تبعه من آثار شهدها الاقتصاد خلال فترة التسديد، باتت أشد حرصا من ذي قبل على تمويل عجز ميزانيتها في الأعوام القليلة الماضية من الاقتراض من الجهاز المصرفي لما له من إمكانيات، التي تبلغ مايزيد عن 400 مليار ريال كموجودات داخلية وأكثر من 100 مليار ريال خارجية. وفي الناحية الاخرى، اتاح توسع اقتراض الحكومة للمصارف فرص توظيف له أنعكست إيجابا على أرباحه نتيجة زيادة استثماراتها الداخلية في العام الماضي في السندات الحكومية وأذونات الخزانة ذات العوائد المتغيرة والثابتة من نحو 60 إلى 88 مليار ريال، مقابل انخفاض رصيد الدولية من 38.9 إلى 36 مليار ريال، ليرتفع حجم محفظتيها إلى 124 مليار ريال مقابل 101.4 مليار ريال، وبما انسحب أيضا على الخروج من دوائر نسب الانكماش والتضخم إلى مستويات منخفضة، وصل إلى نحو 3.4% بالنسبة للتضخم، وهو معدل منخفض تقليديا نظرا لوجود عدد من المنتجات والخدمات المدعومة على الرغم من انفتاح الاقتصاد السعودي إلا أنه لم يمر عمليا بظواهر تضخمية انعكست آثارها على العملة الوطنية أو على أسعار المواد المستوردة بالدولار. وإذا كان البعض ينتقد التوسع في الاقتراض الداخلي نظرا لما يترب عليه من تراكم خدمة الفوائد فإن الإحصائيات التي قدمتها مؤسسة ضمان الصادرات الفرنسية في نيسان (أبريل 1998) تلفت النظر إلى أن طبيعة الدين تعتبر قصيرة المدى مما يعني أن حجم المخاطر المالية والاقتصادية تعتبر ضعيفة نسبيا، وتمثل خدمة الدين إلى الصادرات ما نسبته 11%. يبقى القول أخيرا أن جميع المراقبين للاقتصاد السعودي يدركون أن أبرز العقبات التي يعاني منها تتلخص أساسا العجز في الحساب الجاري لميزان المدفوعات (تعاملات الاقتصاد المحلي مع الخارج) وليس العجزفي الميزانية العامة (تجاوز النفقات عن الإيرادات)، فهناك فرق بين الاثار المترتبة، فالأول يعني ضغوطا خارجية تختص بالسمعة المالية وتعاملاته الخارجية ومتانة الوضع، أما الثاني فيمكن اعتباره شأنا داخليا بحتا.