لم يستطع اللبناني هضم الضريبة المستحدثة على القيمة المضافة ونسبتها 10% حتى انتعش بسماع التوجه الحكومي لإصدار قانون إلغاء الحماية القانونية للوكالات الحصرية الذي تم إقراره في الجلسة الحكومية العادية التي عقدت يوم الخميس في 14 فبراير الجاري. بين بداية شهر التسوق وبدء تطبيق الضريبة الجديدة ساعات حملت للبنانيين آخر بدعة سبق وأعلنت الحكومة اللبنانية أثناء جلسة الثقة أنها لن تقترب منها ولن تلجأ إليها وهي «الضريبة» أيا كان شكلها وأسلوب تحصيلها، بحجة السعي الحكومي الدائم لاصلاح وتعزيز النمو الاقتصادي دون إرهاق المكلف اللبناني بأي ضريبة أو إجراء تصل حد اقتطاع نسبة من قوّته الشرائية مهما كانت نسبتها قليلة وحصل ووقعت الضريبة وطالت نسبة 10% من قدرته الشرائية دون أي إجراءات ممهدة لهضم الضريبة التي زادت الأسعار بنسبة من 10% الى 22% على معظم السلع خاصة تلك غير المصنّعة تحت سقف المؤسسات الخاضعة لهذه الضريبة والتي يزيد رأسمالها على 500 مليون ليرة لبنانية على أن تعمم هذه الضريبة على كل المؤسسات لاحقا كما أشار وزير الدولة اللبناني بشارة مرهج في حوار خاص معه، وشهر التسوق «عيش لبنان» الذي قضى بالضربة القاضية وفي الجولة الأولى عقب تطبيق الضريبة مباشرة سجل انخفاضا في عدد المتسوقين وزيادة ملحوظة في الأسعار وامتعاضا لدى الناس من سياسة التجميل التي تروّج لهذه الخطوة بحجة المواكبة الاقتصادية للتحولات العالمية والغد المشرق الذي ينتظره اللبناني من ربيع أواسط التسعينيات أيام حكومة الرئيس الحريري الثانية حتى اليوم ومهما بلغت الحملة التشجيعية لتقبل هذه الضريبة تبقى ضريبة وبالتالي عبئا ثقيلا على كاهل المواطن اللبناني الذي عانى ويكابد بسبب سياسة الحكومات المتعاقبة التي أوصلت نسبة الدين العام لحدود 30 مليار دولار وبالتالي عليه إيفاء هذا الدين بطريقة الضرائب المباشرة أو غير المباشرة، سيما وأن بلدا مثل لبنان يفتقد إلى كل المقومات القادرة على تعزيز وتطوير اقتصاده حيث لا صناعات ثقيلة ولم يعد المركز التجاري الأول في الشرق وباتت صناعة السياحة لديه الأعلى كلفة في محيطه، إضافة إلى ما أعلنه النواب في جلسة الموازنة الشهيرة حول سياسة الهدر والإنفاق المرتفعة على المشاريع غير المبررة، فضلا عن تقصير الحكومة حيال ضرورة تمهيد الطريق أمام أي قانون بهذا المستوى بسلسلة من الإجراءات القانونية التي تعزز دور الرقابة وتنشط مكتب حماية المستهلك وغير ذلك من القوانين التي يتوجب تعديلها عقب دخول لبنان السوق الأوروبية المشتركة، وأهمها اتباع سياسة واضحة حيال الرسوم الجمركية وحماية الإنتاج اللبناني من خلال ضبط التهريب بل ومكافحته،والتأكيد على عدم حماية المحميين من الوكلاء الحصريين ليأتي الإلغاء مؤديا دوره الطبيعي في فتح الأسواق واحتكام الجميع لمبدأ التنافس كما ونوعا وسعرا وإلا فان هذا القانون الجديد (إلغاء الوكالات الحصرية) الذي سجّل أعلى نسبة رفض بين التجار والمستوردين كانوا أول من أيّد الضريبة على القيمة المضافة وبدأوا باستيفائها من أصغر مؤسسة ومحل الى أكبر شركة دون التقيد بنوعية السلع الخاضعة لهذه الضريبة (حتى منقوشة الصعتر) سيكون سببا لإيذاء الناس والقضاء على ما تبقى من قدرتهم الشرائية بفعل انتشار الفوضى وعدم ضبط المتلاعبين وما أكثرهم في هذا البلد المنكوب اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا بفعل السياسات الحكومية التي أوصلت البلد لما هو عليه الآن. والمفارقة الأبرز أن معظم النواب ليسوا مع تطبيق الضريبة على القيمة المضافة وعلموا بها قبل جلسة الموازنة مؤخرا ولكنهم أيدوها ونالت ما نسبته 83% فيما اعترض البعض سلبا معتمدين أسلوب الامتناع (نواب حزب الله) وهو أللاّ موقف فيما أيدت بعض الكتل وصوتت حضوريا (كتل الحريري - بري - جنبلاط - القومي) فيما البعض الآخر انسحب وأعلن التأييد للموازنة خارج القبة التشريعية (كتلة حزب البعث) ومازالت تصاريح النواب ضد الضرائب مرتفعة واليوم تعلو لتأكيد إقرار قانون إلغاء الوكالات الحصرية خاصة على الدواء الذي اكتوت الفئات الشعبية بظلم المستوردين وجشعهم. ويبقى السؤال هل تنجح الحكومة في إقرار قانون إلغاء حماية الوكالات الحصرية وهل سينعكس ذلك انفراجا لما سببته ضريبة القيمة المضافة وهل سيتحقق النمو الاقتصادي المنتظر وهل ستنخفض الأسعار ويستعيد اللبناني التقاط أنفاسه لينطلق من جديد بعد هذه الإجراءات المتسرعة والتي تحاول الحكومة إيهام الناس أنها في طور الاقتداء بالأنظمة الأوروبية والغربية المتحضرة، الواضح أنها تقتدي فقط بالضرائب دون الاقتداء بما تقدم تلك الدول لمواطنيها من حماية اجتماعية ورعاية كاملة صحيا وتربويا وإنسانيا.