غالباً ما يحاول البعض، عند تناوله المركب المعقد للحياة الأمريكية الداخلية، الذي يرتكز إلى حكم النخبة المتمثل ب 120 شخصية، المعبر عنه بتحالف الكارتيلات الثلاثة ، الفولاذ والنفط والبنوك، رسم صورة مثالية، تعجز عن تصويرها استوديوهات هوليوود، بل أكثر من ذلك تكاد تعجز الكلمات عن وصف تلك الصورة المشرقة لنمط الحياة الأمريكية المبهرة، والنجاحات التي تقدمها المؤسسات الأمريكية على اختلافها. حتى ليذهب هؤلاء البعض في تقييميهم لهذا النمط إلى تحاشي استخدام لفظة أزمة، استناداً إلى قناعاتهم المعلبة، أو إذا شئت السرمدية، التي تقول بإمكانية أو بقدرة المؤسسة الأمريكية على ترميم نفسها ذاتياً لما تمتلكه من قدرات وآليات، وان كل ما يقال حول جملة الأزمات والأمراض التي تنخر المؤسسات الأمريكية مجرد أمنيات يطلقها البعض لغاية في نفسه ليس إلا. فقبل الدخول في تفاصيل فضيحة إنرون، لا بد لنا من تبيان حقيقة قد تكون غاية في الأهمية، وهي أن إمبراطوريات القوة ورأس المال، غالباً ما تكون عرضة للأمراض الخطيرة على المستوى الداخلي، أكثر من الأطراف، لان أمراضها أكبر ومشكلاتها أعم، قياساً بالأطراف التي ترمم ذاتها المراكز على حسابها. بكلام أوضح، ان الأمراض التي تطال الجسد أسهل للتدابير من الأمراض التي تصيب الرأس بشكل مباشر، أعني بذلك أن ما تعيشه الولايات المتحدة من أزمات مركبة منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي بشكل واضح، لا يمكن تجاهلها أو التغاضي عنها باعتبارها أزمات عابرة، بل أصبحت تشكل أزمات بنيوية، طالت بدورها العلاقات السياسية والاجتماعية والثقافية والمالية ... الخ. وهنا، من قبيل التذكير، لا بد من تبيان الحقيقة القائلة لدى جمهور واسع من المتخصصين الأمريكيين بخاصة والأوروبيين بعامة، بأن أحداث 11سبتمبر الماضي، كانت نتيجة وليست سبباً على الإطلاق، لجملة من الأزمات المركبة، التي كانت وما تزال تعيشها المؤسسات الأمريكية بكل مسمياتها، بداية من مؤسسة البرلمان والكونجرس مروراً بالبنتاجون ومجمع الصناعات العسكرية وانتهاء بالرئاسة، وما بين هذا المربع المقدس من علاقات ومنافسات وصراعات، خفية تقبع خلف الستارة. ولعل مثلنا الصارخ، وإن كان الأمر فيه بعض من اجترار الماضي، ما عاشه العالم من فصول دراماتيكية على مدار خمسة أسابيع ،من الفراغ السياسي الذي انعكس ليس على الولايات المتحدة سيدة القطب الواحد وراعية العولمة، بل على كل العالم بما في ذلك المناطق التي لا تزال تحظى بالكثير من الصراعات الدامية . فقد وضع الفراغ الدستوري الصوري في شكله والسياسي في مضمونه، الولايات المتحدة على محك الاختبار، ليس الديموقراطي وحسب، بل وعلى محك قدرة هذه القوة الفريدة في عالم اليوم على محك اختبار قوتها وقدرتها على المستويين الداخلي والخارجي على تقديم المثل النموذج الذي يحتذى .خاصة إذا ما علمنا بأن الرئيس جورج بوش الابن الذي يشغل منصب الرئاسة ال43 ،والذي وصل إلى البيت الأبيض بأكثرية صوت واحد في «الهيئة الانتخابية» وبأكثرية صوت واحد في المحكمة الفدرالية العليا ،وهو الرئيس الأول منذ 124 عاماً ،الذي وصل إلى سدة رئاسة الولايات المتحدة بما يحمل للآخر هذا الاسم من معنى ،من دون أن يحصل على أغلبية أصوات الناخبين الأمريكيين. وستعيش المؤسسات الأمريكية، بكل تأكيد على مدار الأربع سنوات، التي نعيش أيامها يوماً بيوم، هاجس انقسام مجلس الشيوخ، بالتساوي بين الفيل والحمار ،حيث غاب ولاول مرة نسر الولايات المتحدة من حلبة الصراعات الداخلية التي حملت وستحمل جملة الاعياءات الداخلية، وما سيتبعها من تثاقل أو ثقل في تنفيذ القرارات بسبب ذلك الانقسام . هذا إذا تجاهلنا حركة الحقوق المدنية، والذي بدأ الأمريكيون السود يتذكرون بكل أسى ،من خلال مظاهرتهم التي قاموا بها في «تالاهاسي» عاصمة ولاية فلوريدا، والذي عبر من خلالها أحد أهم الزعماء التاريخيين لحركة الحقوق المدنية والمرشح السابق لمرتين عن الحزب الديمقراطي للرئاسة، جيسي جاكسون، بخطابه الذي قال فيه: لقد أدليتم بأصواتكم ،وأنكروها .بل قالوا إن هذا يحدث منذ زمن طويل. علاوة على ذلك، كان منذ البداية ،قد حمّل الرئيس بوش الابن إدارته أعباءً كبيرة جداً في غمرة التنافس بين البرامج الانتخابية الطموحة والتي تحتاج لميزانية حكومية إضافية ،في مرحلة تعاني الولايات المتحدة حالة من الكساد العام والمركب ،فقد طالب بمزيد من الحرية للمؤسسات التربوية، ونظام خاص للأهالي الذين يجدون صعوبات في دفع الأقساط المدرسية ،مع مراقبة منتظمة لمستوى التعليم الرسمي واداء المعلمين وخفض معدلات الضريبة للسنوات العشر المقبلة، بحيث لا تتجاوز 1300 مليار دولار بالعام ،ناهيك عن التعهد بتوظيف 158 مليار دولار في القطاع الصحي ،على مدى عشر سنوات أيضاً ،وتخصيص 110 مليارات من برنامج التغطية الصحية للمسنين. إضافة إلى ذلك إيجاد حماية أفضل للبيئة على المستوى الفدرالي، والذي اضطر في الأيام الأخيرة بوش، للعودة بالتذكير إلى كيوتو لخفض التلوث والأبخرة الحرارية المنبعثة من المصانع الأمريكية، لاثبات حالة من المصداقية الشكلانية داخلياً وخارجياً .إلا أن ذلك كله، بما في ذلك الحرب ضد الإرهاب المعلن بهدف تصدير الأزمات إلى الخارج، ووضع أعداء جدد على خارطة الإرهاب المعدة سلفاً، لم تشفع لبوش الابن فشل إدارته في الخروج من هذه الأزمات المركبة، بل زاد بالطنبور نغماً، إفلاس شركة إنرون التي أعلن عنها في ديسمبر الماضي، كأول فضيحة سياسية مالية تطول الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن وتخضع لتحقيق قضائي إضافة إلى نحو 12 تحقيقاً آخر في الكونجرس. حتى الألعاب البهلوانية التي مارسها كبار مسئولي الشركة بتضخيم الأرباح حتى حوالي مليار دولار وتحويل ملايين الدولارات إلى جيوبهم، باتت أمام الرأي العام والمحققين لعبة مكشوفة لا يمكن تجاهلها أو القفز عنها. وعلى ما يبدو أن الأحزاب والرئاسة في الولايات المتحدة، مجرد مؤسسات ريعية، تنم عن تحالف السياسة مع رأس المال، وقد تجلى الأمر بأوضح صوره بالموقف الدفاعي الذي اتخذه الجمهوريون بسبب العلاقات الممتازة التي كانت قائمة على أعلى المستويات بين الرئيس بوش ومستشاريه وبين مسئولي الشركة التي تتخذ هيوستن، تكساس مقراً لها بغض النظر عن الادعاءات التي نسمعها، والتي يزفها بعضهم لنا بين الفينة والأخرى عن النموذج المثل. وهنا ليس مستغرباً، إذا قلنا أن ثمة أمراً خطيراً قد تتكشف معالمه، في مجريات التحقيقات، في الكونجرس بعد أن وافق الرئيس السابق لمجلس إدارة المجموعة الأمريكية «إنرون» كينيث لاي على الإدلاء بشهادته أمام لجنتين تابعتين له تسعيان للحصول على توضيحات حول أكبر حالة إفلاس في تاريخ الولايات المتحدة، يجمع ما بين هذه الفضيحة وبين أحداث 11سبتمبر. كما أننا لا نستبعد قطعاً، أن حالة الإفلاس هذه قد جاءت نتيجة ما خلفته تلك الأحداث من تخصيص 400 مليار دولار لمجمع الصناعات العسكرية التابعة للبنتاجون، باعتبار ذلك القطاع الصناعي مسيطر عليه بشكل واسع من الجمهوريين، بالإضافة إلى كارتيلات النفط والطاقة، التي تعتبر مجموعة إنرون العملاقة ناشطة بشكل كبير في هذا المجال .لكن الأخطر من ذلك بالنسبة للأزمات الداخلية الأمريكية، شبكة الفساد الكبيرة التي بدأت تعبث بمقدرات ليس الولايات المتحدة، بل والعالم، فقد أكد التقرير الخاص الذي وضعه المحققون والمؤلف من 217صفحة، أن قيام الشركات بالتغطية على خسائرها أتاح للشركة إخفاء خسائر كبيرة ناجمة عن استثماراتها عبر الإيحاء بأن تلك الاستثمارات مغطاة ـ أي أن هناك طرفاً ثالثاً ملزماً بدفع قيمة الخسائر لانرون ـ في حين أن هذا الطرف الثالث لم يكن سوى شركة تملك انرون قسماً كبيراً منهاً . وهنا يكمن السؤال الخطير من هو هذا الطرف الخفي الملزم بدفع الخسائر؟ الأجوبة واضحة ولسنا بصدد نبش القبور، لكن يمكننا الاعتقاد أن جزءاً من هذه الخسائر تدفع من جملة الأموال والأرصدة التي جمدت قبل وبعد 11 سبتمبر على ما يبدو، من خلال شبكات التلاعب المحبوكة بشكل جيد بين البنوك وشركاتها، وبعض مؤسسات غسل الأموال التي ابتدعتها أجهزة الاستخبارات الأمريكية وعممت خاصيتها على العالم، على شكل إتاوات، ومن خلال المزايا الوهمية ومنطقة التجارة الحرة التي ابتدعتها الولايات المتحدة وأصبحت سمة أو مزية بالنسبة لدول العالم الثالث .المهم بالأمر أن فضيحة إنرون التي زعزعت ثقة المستثمرين، قد تلجم انتعاش الاقتصاد الأمريكي الذي يبدو حتى هذه اللحظة أضعف بكثير مما كان في الفترات السابقة لمسارات الخروج والانكماش. وقد عبر عن المخاوف أو الهواجس الخبير الاقتصادي أنتوني شان في شركة «بنك وان انفستمنت ادفايزورز» بقوله: «سينجم تأثير عن قضية إنرون، والسؤال الوحيد هو معرفة حجم هذا التأثير، ونحن في صدد إدراك أن لظاهرة إنرون تشعبات أوسع مما كنا نود أن نظن». بل ذهب الخبير الاقتصادي في مؤسسة «فاشوفيا سكوريتيز» للاستثمارات «مارك فينتر» إلى أبعد من ذلك، بالقول: «إلى أن المستثمرين فقدوا الثقة في الأرباح التي تعلنها الشركات وفي إدارتها®. فقد أدت خسارة ثقة المستثمرين فعلاً إلى تدني البورصة لكنها أيضاً قد تؤثر أيضاً على ثقة المؤسسات والمستهلكين». أما ستيفن ويتينج المحلل لدى مؤسسة «سالومون سميث بارني» سواء كان الأمر حقيقياً أو خيالياً، فقد أثرت فضيحة إنرون على الأسواق المالية، والأسواق المالية شديدة الارتباط بالأداء الاقتصادي وثقة المؤسسات والإنفاق والاستهلاكي عبر مفعول الثراء . وتعتبر هذه الظاهرة بالغة الأهمية في الولايات المتحدة حيث يوظف نصف العائلات أموالاً في البورصة. والإنفاق الاستهلاكي هو إلى حد بعيد المحرك الأساس للاقتصاد الأمريكي لانه يشكل وحده ثلثي الناتج القومي الخام . وقد ذهب محللون بالقول ان هذا التطور الملحوظ منذ أسبوعين سيترجم قروضاً أكثر كلفة ما يعني تراجعاً في الاستثمارات، ومزيداً من الإفلاس .وهنا لا بد لنا من التنويه بالقول ان فضيحة إنرون عرض لمرض يصعب استئصاله كما يظن البعض بأنه هزة عابرة، وأن إمبراطوريات القوة والمال يغزوها المرض بالرأس قبل الجسد كما جرت العادة بالإمبراطوريات السابقة عامة .لكن يبقى السؤال عربياً، هل المطلوب اثر عمليات النصب الكبيرة التي تغزو العالم الغربي بعامة والولايات المتحدة بخاصة، تغييراً جذرياً في أصول التعامل مع شركات تقييم الائتمان العالمية، أم أننا سنبقى كشركات وبنوك، نخضع لرؤية واستشارة هذه الشركات لنفيق على أمراض خطيرة لم نكن في صددها سابقاً؟