الخير والشر نقيضان لايمكن للحياة الاستمرار دونهما، فمثلما هو الخير يبنى نجد الشر في الجهة المعاكسة يهدم ما بناه الخير؟ وهكذا تسير الحياة منذ ولادة التاريخ، وستستمر كذلك الى ما لانهاية، وحيث ان سنة الحياة هي التطور، بالتالي تتطور أشكال الشر المتمثلة في الجريمة، فجريمة العصر الحجري كانت تتم بطريقة وتفكير انسان ذلك العصر، أما اليوم فقد اتخذت وسائل وأساليب متقدمة حتى انه لم يعد بمقدور السلطات الأمنية ملاحقتها، كما أصبحت الجريمة أكثر تنظيماً من الناحية التقنية والادارية، وتدار بواسطة شبكات عالمية معقدة لها نفوذها القوى حتى على أصحاب السلطة السياسية، فباستطاعة هذه المنظمات خلع رئيس وتنصيب آخر؟ ان جريمة غسيل الاموال من أخطر الجرائم التي تواجه دول العالم لما لها من آثار تخريبية كبيرة على اقتصاديات الدول، وغسيل الاموال هي النتيجة النهائية لسلسلة عمليات اجرامية تبدأ من الاتجار في المخدرات والرقيق الأبيض الى الابتزاز والسرقة وتنتهي بالقرصنة الالكترونية، وتشير احصائيات صندوق النقد الدولي الى ان حجم الأموال المغسولة سنويا يتراوح ما بين 590 ملياراً الى 1.5 تريليون دولار أمريكي أي ما بين 2% الى 5% من اجمالي الناتج المحلي العالمي، وأكثر الدول التي تتم فيها مثل هذه العمليات هي الولايات المتحدة ودول أمريكا اللاتينية. وحسنا فعلت السلطات المختصة في دولة الامارات باستصدار قانون لمكافحة غسيل الأموال، فهذه الخطوة ستجعل العصابات الدولية تعمل الف حساب قبل ان تفكر في غسيل أموالها القذرة في بلادنا ومن ثم تخريب اقتصادنا. والحقيقة ان بلادنا كانت حتى عهد قريب مرتعاً خصباً لهذه العصابات التي استغلت موقعنا الاستراتيجي الهام بين الشرق والغرب، وبنيتنا التحتية المتطورة، وعدم وجود أية قيود على دخول وخروج الأموال من موانئها الجوية والبرية والبحرية، فقد كانت الملايين من مختلف العملات العالمية تدخل الى أسواقنا في شكل نقد سائل، وقد شاهد الجميع كيف يدخل مواطنو الجمهوريات السوفييتية سابقاً حاملي ملايين الدولارات في أكياس بلاستيكية يتجولون بها في الأسواق، كما ان التحويلات المصرفية عبر البنوك لم تكن عليها قيود. والطريف والخطير في نفس الوقت ان أحد مسئولي الأمن لدينا صرح للاعلام بأن احدى العصابات الدولية اتصلت به وأبلغته بأنها ستحول الى حسابه المصرفي مبلغا من المال نظير عمولة تقدر بالملايين، وبالطبع رفض المسئول العرض كونه يعرف الأهداف الاجرامية من وراء ذلك، ولكن هناك الكثيرون الذين يغريهم الحصول على المال بأسهل الطرق، فالعملية مغرية للغاية، اذ أنك تصبح من أصحاب الملايين بين يوم وليلة بمجرد الموافقة على تحويل مصرفي الى حسابك عن طريق نظام «سو يفت». ولكن ما هي الآثار التخريبية لدخول أموال قذرة الى دور النشاط الاقتصادي؟ أول هذه الاثار هو زيادة كمية النقد المتداول عن كتلة النقد الرسمية التي تكون تحت اشراف ورقابة السلطات النقدية، وهذا بدوره يؤدي الى ارتفاع الاسعار نتيجة لزيادة كمية النقود مما يحدث آثارا تضخمية لها إضرار بالغة، وثاني هذه الاثار هو اعطاء صورة مغايرة عما هو حاصل فعلياً في الاقتصاد، وتشويش الصورة أمام المخطط الاقتصادي لعدم واقعية حسابات الناتج المحلي وغيرها من الحسابات القومية. وثالث هذه الآثار وأخطرها هو الاستثمارات غير المجدية التي تستثمر فيها الأموال المراد غسيلها فالهدف من هذه الاستثمارات ليس التنمية وانما من أجل تبييض هذه الأموال كي تخرج ثانية وكأنها جاءت نتيجة عمل تجاري مشروع، وما أكثرها تلك الشركات والمؤسسات التي جاءت الى بلادنا وخرجت بعد سنة أو سنتين. لقد أدت السلطات المختصة ما يمليه عليها الواجب، ولكن لايمكن وقف مثل هذه الجرائم عن طريق استصدار قانون، صحيح انه سيخففها ولكن لن يوقفها، وعصابات الشر لها أساليبها وطرقها للالتفاف على القوانين. لذا وجب على أفراد المجتمع ان يضغوا يدهم مع السلطات الحكومية من أجل التقليل بقدر الامكان من التأثيرات التخريبية لمثل هذه الجرائم.