لقد حددنا منذ بداية المسيرة الفكرية للاقتصاد الاسلامي نظم التوزيع بأربع فقرات اساسية هي: نظم الثروات الطبيعية ونظم توزيع الثروة والدخل ثم نظم التكافل الاقتصادي الالزامية ونظم توزيع اخرى، لقد وقفنا على مواضيع الفقرتين الاوليين وبشيء من التفصيل، واليوم نكمل المشوار لنتصدى للنوعين الآخرين. أولاً: يجب ان نضع في اعتبارنا ان نظم التكافل الاقتصادي الاسلامي هي غير نظم التأمين في الاقتصادات الوضعية، وهناك جملة فروق اهمها: - ان نظام التكافل الاسلامي اوسع واعم واشمل من نظام التأمين لانه كما سنرى لا يقتصر على فئة معينة او حلقة ضيقة من حلقات المجتمع، بل يبدأ من الفرد وينتهي في المجتمع ككل مرورا بالاسرة والعائلة والمهنة.. الخ، في حين ان نظام التأمين لا يشمل سوى الشخص أو الاشخاص أو الاشياء موضوعة البحث فقط. التكافل الاسلامي الزامي، ولا تقتصر الزاميته على الجانب الديني - الترغيب والترهيب - وحسب وانما يمتد ليشمل تدخل الدولة والمجتمع والقانون في تطبيقه في حين ان نظم التأمين الوضعية اختيارية ونادرا ما تكون الزامية. - في التكافل الاسلامي تشتد وتتعاظم روابط المحبة والالفة والتآزر الاجتماعي والوفاق الوطني وبالتالي يساهم التكافل في صهر المجتمع في بوتقه الوحدة الوطنية والوفاق الاجتماعي في حين انه في التأمين الوضعي لاشيء من هذا القبيل. ان نظم التكافل الاسلامي كثيرة ومتعددة، وتتعدد الجهات التي عليها ضمان حد ادنى لمعيشة محترمة للفرد في النظام الاسلامي واهمها: ـ صندوق الزكاة «وقد شرحت سابقا». ـ بيت المال العام وهو ما يعادل الميزانية. ـ نظام النفقات الواجبة بين الاقارب. ان النظام الاخير. يعني ان الاسلام يوجب على كل شخص مسلم غني نفقه كافية وبالمعروف لقريبه الفقير العاجز عن الكسب. وبالطبع تبدأ النفقة من الاقرب فالقريب ثم الابعد فالأبعد فالابن مثلاً يتوجب عليه اعالة والديه ان اصبحوا فقراء عاجزين واذا لم يستطع الابن أو احد أولاد الابوين من الفروع، فالواجب ينسحب على الاصول الاباء وما علوا.. وان لم يوجد من الأصول من هو قادر على تحمل النفقة. عندئذٍ ينتقل الواجب إلى الاخوة. او الاخوات او الاعمام او الاخوال.. وهكذا. وهناك اختلاف فقهي في بعض شروط هذا الواجب، ونعتقد أن أقربها للحق وللمنطق الذي يربط هذا الواجب (نفقة الاقارب) لحق الارث. فتجب نفقة الفقير العاجز على قريبه الغني الذي يرثه حيث لو فرض ان هذا الفقير قد مات عن مال فيستفيد منه الورثة. واذا تعدد الاقارب الاغنياء توزع بينهم نفقة قريبهم الفقير بحسب حصتهم في الارث المحتمل، عملاً بالقاعدة الفقهية «الغرم بالغنم». ضمان بيت المال لحد ادنى من المعيشة ولكل مواطن: ان الشرع الاسلامي لا يوجب ضمان الحد الادنى من حياة كريمة وألفة للمسلمين فقط وانما لكل مواطن سواء كان مسلماً او غيره كتابياً او غيره. ولا حاجة للافاضة في هذا الموضوع لان التطبيقات الاسلامية السابقة والمراجع المعاصرة اوضحت ذلك وبدقة وتفصيل متناهيين.. ولكننا نورد هنا ملاحظتين: ـ ان هذا الاجراء ليس جديداً على الفكر الاسلامي كما يظن البعض، او انه مستحدث. ان كتاب الصلح من خالد بن الوليد (رضي الله عنه) إلى اهل الحيرة وكانوا نصارى.. يشير بما لا يقبل الجدل إلى مرجعية هذا الاجراء وقدمه. «وجعلت لهم ايما شيخ ضعف عن العمل او اصابته آفة من الآفات! وكان غنياً فافتقر وصار اهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما اقام بدار السلام والاسلام». ـ يتطلب تنفيذ ضمان بيت المال لحد ادنى من حياة كريمة للمواطن تحديداً صريحاً للاموال التي يحق فيها للفرد ان يسأل بيت المال عن حقه في المعونة ـ الضمان ـ ان كتاب الصلح المشار اليه انفاً يعد نموذجاً جيداً ومثلاً صالحاً لحالة استحقاق اهل الذمة حق الحصول على ضرورات الحياة، لنفترض جدلاً ان صادف الفرد حالة لم يتمكن كل ورثته من اسعافه، كما ان بيت المال لم يكن في حالة تسمح له بها امداد الفقراء المعوزين بحاجتهم من اجل سد رمقهم ـ على الأقل ـ أو اذا صادف الفرد حالة يخشى معها الهلاك لحاجته الى الماء والطعام فان له ان يأخذ ما يقيم به أمده في أي مكان يجده، وفي اي ملك تقع عينه عليه، سواء كان ملكاً شخصياً أو ملكاً عاماً أو ملكاً للدولة، والفقهاء في هذا الأمر على اتجاهين، اتجاه يرى بضرورة دفع العوض والاخر يرى بدون ذلك اطلاقاً، وللشيخ ابن تيمية رحمه الله رأي يجمع بين الاتجاهين، وهو ان المضطر اذا كان فقيراً لايجوز اخذ العوض منه اما اذا كان غنياً فلا ضرر من اخذ العوض. هذه هي أهم نظم التوزيع الاسلامية، والواقع انها نظم توزيع واعادة توزيع الثروة والدخل في المجتمع، وهذه النظم تستطيع ان تعيد التوازن للمجتمع كلما اصابه نوع من الخلل في مسيرته الاقتصادية ولا يعقل ان نجد مجتمعاً كائنا من يكون، لا يصيبه نوع من الاضطراب والخلل في مسيرته الاقتصادية والاجتماعية، لان الاقتصاد يتعامل مع بشر، والبشر مهما ارتفعوا في سلم الاخلاقيات لن يصلوا الى مرتبة الملائكة، فهم دائما معرضون للخطأ، وفيهم المقتر والمبذر، والامين والقادر، والصادق والكاذب، وصحيح ان التربية الاسلامية تخلق ضميراً يقظاً ووجداناً حياً يخشى الله ويخاف عقابه ويرجو ثوابه باستمرار، الا انه مع ذلك تبقى بعض النفوس المريضة التي تحاول العبث حتى في القانون الآلهي بدافع من مصلحتها الخاصة الضيقة وانانيتها القبيحة، على كل لو لم تستطع هذه النظم من ترميم الفجوات التي قد تحصل في هذا البناء الشاهق، فان نظماً اسلامية اخرى للتوزيع كفيلة باعادة الامور الى نصابها والحقوق الى أصحابها هنالك نظم تتعلق بالتوزيع مباشرة والاسلام يحض عليها واحياناً يوجبها، كأحكام الصدقات التطوعية والهبات والهدايا والضيافة والكفارات والاضاحي.. الخ، ومنها ما هو أهم ولكنه يتصل بالتوزيع بطريقة غير مباشرة، ان اثرها وزخمها كبيرين في قضية التوزيع. وقد شرحنا العديد منها، في حلقات سابقة، منها على سبيل المثال لا الحصر، تحريم الربا ومنع الاحتكار وتقيد اجارة الارض (وجوباً عند البعض) والمنع المؤقت للأدخار تشجيعاً للبذل واحكام التبادل الاجباري بسعر المثل وما أوجبته الشريعة الاسلامية من تقديم بعض الخدمات العامة مجاناً كبعض أنواع التعليم وخدمات الصحة، وخدمات الجهاد والامامة، ويمكن التوسع في مجال الخدمات العامة المجانية بما يلائم كل ظرف مستجد، أو كل اداة أو حاجة مطلوبة، ومن المعلوم اقتصادياً ـ حسب القوانين والنظريات الاقتصادية الحديثة ـ ان تقديم أي سلعة أو خدمة مجاناً يقلل من سوء توزيع الدخل والثروة في المجتمع، ويساهم في رفاهه واستقراره.