استعرضنا في الحلقة الماضية المراحل التاريخية التي مر بها الاقتصاد الأمريكي ومدى تطبيق السياسات المالية المقدمة من قبل السلطات النقدية هنا. ومنها يتضح ان الخلل في النمو قد ظهر قبل احداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة ولم تكن تلك الاحداث السبب الرئيسي للتباطؤ في النمو الاقتصادي. من هنا يظهر دور البنوك المركزية في عملية مكافحة التضخم، فالبنك المركزي يمثل الاداة التنفيذية بالنسبة للحكومة ويتحمل اعباء السياسة المالية حسب رغبات رئيس الحكومة او وزارة المالية. وتمتلك بعض الدول الصناعية بنوكاً مركزية مستقلة كما هو الحال في الولايات المتحدة. فالمحصلة النهائية لتوسع الانشطة الاقتصادية هو توفير النقد الكافي الذي بدوره يسبب التضخم وكنتيجة لهذا التضخم، فقد اولت البنوك المركزية اهتماما كبيرا لعرض النقد، ومراقبة نسب الفائدة. كما تواجه البنوك المركزية قضايا صعبة تخص الوزن النسبي الذي يعطى لتقييم النقد ونسب الفائدة على المدى القريب والبعيد. كما ان التضخم غالبا ما يؤدي إلى انخفاض اسعار الفائدة حيث يمكن حسم فائدة المدفوعات لاغراض ضريبة الدخل. وتنقسم السياسات الاقتصادية والتي من خلالها يمكن للسلطات النقدية ان تقدم سياساتها العلاجية إلى قسمين سياسات نقدية ومالية واخرى هيكلية. حيث تعتمد السياسات النقدية على اجراء التغييرات اللازمة في كمية النقود عن طريق خفض معدلات التغيير فيها ربما إلى الصفر احيانا كما تعتمد ايضا على سياسة رفع سعر الفائدة. وهذا مما حدا المجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الامريكي)، باجراء خفض للفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية ليجعل فائدة الودائع بين البنوك لليلة واحدة 1.75% وهو ادنى مستوى له منذ اربعة عقود. وهذا هو الخفض الحادي عشر هذا العام 2001 بهدف انعاش ثقة المستهلكين ورجال الاعمال نظرا لبلوغ معدلات البطاقة ذروتها منذ ست سنوات. اما اوروبيا وقرب موعد تداول اليورو في يناير عام 2002 الذي عزز من فرص قيام البنك المركزي الاوروبي بخفض اسعار الفائدة، فيمكن ارجاع هذا للتباطؤ والحد من الانفاق قبل صدور اليورو. ونتيجة لهذه التأثيرات التضخمية فإن البنوك المركزية لم تعان من تدهور في نسب الفائدة فقط وانما من التدهور في حالة اجمالي المالية. اما السياسات المالية فتجرى عن طريق السياسات الانكماشية المتمثلة في خفض الانفاق العام للدولة او رفع معدلات الضرائب. وتعتمد الدول المتقدمة اساسا على السياسات النقدية والمالية في معالجة الركود الاقتصادي اما البنوك المركزية في الدول النامية فإن بإمكانها الاستفادة من هذه السياسات كلما طبقتها باساليب رشيدة ولكنها لن تستطيع معالجة الظاهرة التضخمية بها وحدها مهما كان الامر ولابد من التجائها إلى سياسات هيكلية. لذلك من الواضح بان البنوك المركزية قد ترتكب اخطاء او مفارقات في كل مجال من مجالات عملية وضع السياسة المالية واحيانا فإن احتمال ارتكابها الاخطاء يزداد في عصرنا هذا المتسم بالتضخم. وقد اعتادت البنوك اليوم باعتبارها جهة ملمة بالامور المالية بصورة عامة، على اعتبار النسب المرتفعة لفوائد السوق عوامل معرقلة للتوسع الاقتصادي. ومع ذلك فإن هذه التجربة تميل إلى دحر التصورات التي توحي بأن التضخم سيصبح سائدا في العالم، ويتوقع المقرضون حينئذ ان يدفع لهم بعملة ذات قيمة ولذلك فإنهم يميلون إلى طلب فائدة اعلى وبما ان المقترضين لهم الشعورنفسه فهم راغبون في الاستجابة. وكذلك فإن (تضخما استثنائيا) بدأ يحدث في نسب الفائدة هذا وطالما هي باقية اقل من معدل التضخم او اعلى بقليل منه، فمن المحتمل ان يكون لها تأثير سلبي على الاقتصاد، وهذا مما يؤدي إلى رفع تكاليف العمل ولكنها سوف تؤثر بصورة قليلة او قد لا تؤثر على النفقات. وكون توقع حدوث التضخم يختلف من شخص لآخر، فإن البنوك المركزية لا تستطيع التأكد من حجم التضخم لاجل تلافيه. ومع ذلك ففي العديد من الدول اصبحت هذه النسب في السنين الاخيرة اقل من نسبة التضخم المرتفعة حيث من الصعب على الفرد ان يتجاهل الشعور بخصوص فشلهم المنطقي في تحقيق التوقف الذي طالما حاولت البنوك المركزية التوصل اليه، بالرغم من كون هذه النسب مرتفعة او خالية كما تبدو للمراقبين الذين اعتادوا ان يحكموا عليها على اساس تاريخي. وبعبارة اخرى فالتضخم غالباً ما يؤدي إلى انخفاض الفائدة كما اسلفنا وهذا ما يحدث في الولايات المتحدة حيث يمكن حسم فائدة المدفوعات لاغراض ضريبة الدخل. وبالاضافة إلى هذه التأثيرات المباشرة للتضخم هناك تأثيرات اخرى تؤدي إلى زيادة الشكوك حول معنى نسب النمو الخاصة بالنسبة للمالية ككل. ويمكن ان نستخلص التحليل الخاص بتأثيرات البنوك المركزية في معدلات تباطؤ بأن الغريب بالنسبة للركود الاقتصادي الحالي هو ليس ما تمارسه البنوك المركزية وانما ما تعكسه القوى السياسية وخاصة التيارات الفكرية والفلسفية التي تتصادم في الحياة الاقتصادية منذ الكساد العظيم وخاصة اواسط الستينيات. وهذا معناه انه من غير الواقعي ان نتوقع من البنوك المركزية ان تضع حدا للتضخم الذي تسببه دائما القوى السياسية. وقد ساعدت البنوك المركزية عبر التاريخ، على تخفيف سرعة النشاط الاقتصادي في اوقات معينة، وتحفيز تلك السرعة احيانا اخرى، وقد ساهمت ايضا في ارساء التوازن الاقتصادي عن طريق عملها كملجأ اخير للاقراض واحيانا تتصرف ابعد من تلك المهمة. فمن خلال التجارب السابقة لمعالجة الازمات المالية نرى الاحتياطي الفيدرالي قد حاول في مناسبتين على الاقل ايقاف الازمات المالية التي كان من المحتمل ان تظهر، وهما على وجه الخصوص الفشل الذي عانت منه (شركة بين للنقل المركزي) في يونيو 1970 والفشل الذي عانى منه بنك فرانكلين الوطني عام 1974. وكانت الحالة السابقة نتيجة لعدم كفاءة شركة (بين) في اعادة تمويل سنداتها التجارية الموقوفة التي سببت عدم الاطمئنان بين حامليها عامة. ولايقاف الفزع ازاء الظروف المالية تخلى الاحتياطي الفيدرالي عن اهدافه النقدية لبعض الوقت وقد فتح آفاق الخصم وغير توصياته لكي تتمكن البنوك التجارية من رفع قدرتها المالية في الاسواق المفتوحة لتمويل المؤسسات العاجزة عن تجديد استحقاق سنداتها التجارية. اما بالنسبة لبنك فرانكلين الوطني فإن الاحتياطي الفيدرالي قام باقراض البنك حوالي ملياري دولار لتجاوز هذه الازمة وعندما كانت هذه التطورات موقوفة كان من الممكن تنظيم سيطرة من قبل بنك آخر يوفر حماية لفوائد مودعي وعملاء بنك فرانكلين. كل هذه الامور وغيرها من الجهود التي تبذلها البنوك المركزية وخاصة جهودها التي تبذل في توعية المواطنين حول الاخطار الاقتصادية والاجتماعية التي يفرضها التضخم. فإنها السبل الوحيدة التي تستطيع ان تتغلب على الركود الاقتصادي في وقتنا الحاضر، وان الركود الاقتصادي الذي يسيطر على الولايات الامريكية وبعض الدول الصناعية سوف لا ينتهي او على الاقل لا يمكن السيطرة عليه تماما، ما لم تقم التيارات الفكرية بخلق ببيئة سياسية تساعد على اتخاذ اجراءات مالية بعيدة عن الضغوط السياسية التي تمارس بين الفينة والاخرى ضد اقتصاديات دول العالم الثالث. وبهذه الاجراءات تكون مدرسة (كينز) ـ التي رأت انه للخروج من هذه الصورة القاتمة لازمة النظام يتعين التدخل المباشر في حجم الطلب الكلي الفعال وان الدولة هي الجهاز الوحيد القادر على احداث هذا التأثير ـ قد فقدت الكثير من نشاطاتها السابقة وثقتها بنفسها وتأثيرها. ولم يعد الاقتصاديون يولون اهتماما للبطالة والادارة الحكومية بالنسبة للطلب الاجمالي. ويعطون اهتماما اكبر لايجاد طرق تحفيز الادخار والاستثمار واولوية لازالة عوائق المنافسة، مع اتخاذ اساليب لتقليل الاعباء المفروضة على الصناعة والتجارة واخيرا الوسائل الاخرى لدعم الثقة بالعمل. ليس من السهل تعيين العلاج الدقيق الذي يساعد البنوك على تخطي محنتها، وان ما ينطبق بنجاح في دولة ما قد لا ينجح في دولة اخرى، وان معدل التباطؤ الذي تعاني منه الاقطاب المالية الثلاثة في العالم وهي الولايات المتحدة واليابان واوروبا والذي اصبح خطراً كبيراً على الرفاهية في معظم دول العالم مستمر بمعدلات متذبذبة ولكننا على يقين بأن تجاربهم السابقة في معالجة ازماتهم الاقتصادية كافية بوضع الحلول المناسبة لحل هذه المعضلات.