تشهد اقتصاديات دول مجلس التعاون ، بيئة اقليمية ودولية متغيرة. فعلى الصعيد الدولي ازداد ترابط اقتصاديات دول العالم مع تسارع وتيرة العولمة وما يتصل بها من تعاظم اهمية قطاع الاتصالات والمواصلات من ناحية، وظهور منظمة التجارة العالمية وانضمام معظم دول العالم اليها وما سيترتب على ذلك من تراجع الحواجز الجمركية وغير الجمركية وانفتاح اسواق اقتصاديات العالم بعضها على البعض الآخر. اما على الصعيد الاقليمي، فان هناك سعيا ومحاولات تبذل لانشاء سوق خليجية موحدة.وهناك جهود دؤوبة لتذليل عقبات تطبيق الاتفاقية الاقتصادية الموحدة على الرغم من ان الجغرافيا الخليجية تشكل الاطار الموضوعي المناسب لسوق خليجية اقتصادية مزدهرة. ان حركة ما تسمى بالعولمة الاقتصادية مازالت حتى الآن تتسم بطابع التكتلات الاقليمية.وعليه، اصبحت الدول الاقتصادية المتشابهة في هياكل اقتصادياتها تدخل في روابط اقتصادية متينة على غير ما كانت تشير اليه نظريات اقتصاديات التجارة التقليدية الى اهمية اختلاف الهياكل الاقتصادية لتحقيق الروابط الاقتصادية والتجارية. ولكن - وكما يقول الدكتور عبدالله الصادق مساعد الامين العام للبرامج البحثية بمركز البحرين للدراسات والبحوث في دراسة له حول هذا الموضوع - يبدو انه لاتزال هناك قناعات في بعض اوساط القطاع الخاص او القطاع العام لم تتبلور بوضوح حول الاهمية الاقتصادية الكبيرة للسوق الخليجية الموحدة.وربما يرجع عدم تبلور هذه القناعات الى عدم المعرفة الواضحة بالمترتبات الاقتصادية المستقبلية التي ستنتج عن تلك السوق على اقتصاديات كل دولة على حدة وخاصة ما يتصل بمستقبل مؤسسات القطاع الخاص، وكذلك يمكن القول بان عدم هذا الوضوح يرجع الى عدم الاستعداد الكافي او عدم وجود الرؤى الاقتصادية الواضحة حول كيفية التعامل وخاصة لمؤسسات القطاع الخاص في حالة ظهور السوق الخليجية الموحدة.وما ترتب على ذلك من حالات الانتظار والترقب لادوار نشطة من قبل المؤسسات والاجهزة العامة للدول تجاه ما يمكن ان تتخذه من اجراءات ادارية او قانونية وما قد يترتب على ذلك من تطورات سيتم التعامل معها في حينها بالشكل المناسب، ولكن الترقب والانتظار لن يؤدي الا لرفع التكلفة في اعادة هيكلة هذه المؤسسات او ربما القطاعات الاقتصادية وربما تكون فرص اعادة الهيكلة قد اصبحت من الصعوبة القيام بها. وعودة الى جوهر موضوعنا الاساسي، فانه لابد من التأكيد هنا - او على الاقل هذا ما تشير اليه الادبيات والدلائل الاقتصادية - بان المدخل المناسب للاقتصاديات الخليجية تجاه المستجدات الاقتصادية الجديدة هو المزيد من تعميق الروابط الاقتصادية بينها.ولكن ماذا يعني بتعميق الروابط الاقتصادية بين اقتصاديات دول المجلس. للاجابة على هذا السؤال المهم والملح في الفترة الحالية، خاصة وان هناك اهتماما كبيرا في دول المجلس في ايجاد السياسات المناسبة لتنشيط الاقتصاد الوطني وزيادة وتيرة نموه الاقتصادية ، فمن المفيد الاشارة إلى اسباب نجاح السوق الاوروبية المشتركة.فعندما تشكلت السوق المشتركة الاوروبية في عام 1958 كان التصور ان تؤدي هذه السوق الجديدة الى تحويل كبير في التجارة عن اقتصاديات دول السوق الاوروبية .ولكن ما ادى الى تحول هذه السوق الى تجربة اقتصادية ناجحة هي حدوث تجارة بين الصناعات في الصناعة التحويلية بدول السوق بشكل متعاظم ومتزايد بالاضافة الى ما ارتبط بذلك من اقليمية الانتاج.هذا الذي حدث هو ما ساهمت اتفاقية روما في ايجاده.وبالتالي فقد اوجدت السوق الاقليمية الكبيرة فرصا لرجال الاعمال والمستثمرين بامكانية التخصص والاستفادة من خاصية اقتصاديات انتاج الحجم الكبير او ما يسمى احيانا بتزايد او تعاظم الغلة وبالتالي تخفيض كلفة وحدة الانتاج وما ينتج عن ذلك من رفع الانتاجية او زيادة انتاجية العمل.ولكن، ماذا يقصد هنا باقتصاديات انتاج الحجم الكبير؟ وما علاقة هذا الموضوع برفع الانتاجية وبالتالي تحقيق النمو المطرد في الاقتصاد الوطني؟ يشير مصطلح اقتصاديات انتاج الحجم الكبير الى الزيادة في الانتاجية او الانخفاض في متوسط التكلفة للانتاج الذي ينتج عن الزيادة في جميع مدخلات الانتاج بنسب متساوية.وتعكس حالة اقتصاديات الحجم الكبير وجود دالة انتاج تتسم بخاصية ما تسمى بتزايد مردود الغلة والتي تشير الى زيادة الناتج بمعدل اعلى من معدل زيادة جميع المدخلات.وعليه يمكن القول بانه اذا كان الناتج ينمو اعلى من الضعف عندما يتم مضاعفة جميع مدخلات الانتاج فان عملية الانتاج المذكور تشير الى وجود ما يعرف بتزايد مردود الغلة. ولكن ماذا يمكن القول عن المدخلات الاخرى في عملية الانتاج والتي تمتد من رأس المال الى المواد الاولية وغير ذلك.هنا يرى الدكتور عبد الله الصادق ان المنشآت الاقتصادية ذات انتاج الحجم الكبير تتمتع بالقدرة على تخفيض تكلفة المدخلات بشكل عام مقارنة بالمنشآت الاخرى التي تعتمد على مستويات اقل في حجم الانتاج .وطالما يدور الحديث عن انتاج الحجم الكبير او تزايد مردود الغلة للمنشأة، فان الجواب المفضل هو ان مثل هذه المنشآت تتطلب بالضرورة توفر سوق كبيرة. ولكن ماذا نقصد بالسوق؟ السوق ليست، بالطبع ، المساحة الجغرافية لبلد ما ولكن حجم القوة الشرائية في اقتصاد ذلك البلد.ولقد كانت الحدود الجغرافية الى وقت بعيد تشكل عاملا مهما في تحديد حجم السوق، ولكن، لا شك، بان الحدود الجغرافية بدأ يتقلص دورها في العالم، وينطبق هذا الامر على دول مجلس التعاون الخليجي.فالقوة الشرائية في أسواقها لم تعد الجغرافيا تمنعها من ان تنتقل - ولو بتكلفة معينة - الى مناطق اخرى وبالتالي شراء المنتجات والخدمات المتوفرة في اقتصاديات تلك الدول.