ان رؤيتنا إلى مستقبل وآفاق الاقتصاد الوطني في الامارات يجب ان تبنى على اساس واقعي وعلمي بعيداً عن التضليل والتطبيل والتضخيم. وهذه الرؤية العلمية يجب ان تستند إلى مؤشرات حقيقية تبين حقيقة وواقع الاقتصاد الوطني ذلك ان بناء رؤيتنا على تقارير دولية تصدر من منظمات ومؤسسات اجنبية تسعى إلى تحقيق اغراض مشبوهة واهداف غير مرئية ودون ان نتحقق من مضمون تلك التقارير والتأكد من مصداقيتها والاسس والمعايير التي اعتمدت عليها تلك المنظمات في تقييمها للاقتصاد الوطني في كثير من الاحيان بين الوقت والآخر بتقارير اقتصادية تصدر من منظمات ومؤسسات اقتصادية دولية تضع اقتصاد الامارات واقتصاديات دول المجلس في مصاف اقتصاديات الدول الكبرى في بعض الاحيان الامر الذي يدعونا للتساؤل والاستغراب في الوقت نفسه!! وآخر تلك التقارير ما صدر عن منظمة التجارة العالمية W.T.O والتي صاغت اهدافها ونظامها وقوانينها من قبل دول عظمى تسعى ومن خلال المنظمة إلى تحقيق اهدافها الاستراتيجية ذات المدى الطويل. ولما كانت هذه المنظمة من وحي فكر تلك الدول فإنه من الطبيعي ان تتلاعب هذه المنظمة بالارقام والبيانات التي تضخم من اقتصاديات محدودة وضعيفة وناشئة!! فالبيانات التي اصدرتها المنظمة مؤخراً والمتضمنة لحصص دول مجلس التعاون في خريطة التجارة العالمية (الصادرات والواردات). قد وضعت الامارات في المرتبة الثانية بين دول الشرق الاوسط من حيث حجم الصادرات إلى بقية دول العالم!! حيث تشير إلى ان قيمة صادراتها قد بلغت نحو 39.9 مليار دولار امريكي في العام الماضي وبزيادة بلغت نسبتها 29% عن العام 1999 وبالتالي فإن حصة الامارات حسبما ورد في التقرير قد بلغت 15.2 % من صادرات الشرق الاوسط في حين احتلت السعودية المرتبة الاولى من حيث حجم الصادرات اذ قدرها التقرير بنحو 84 مليار دولار!! فيما جاءت ايران ثالثاً من حيث ترتيب دول الشرق الاوسط وبنسبة 11.4% والعراق قد حلت في الترتيب الخامس وبنسبة 7.3% وسوريا تاسعاً وبنسبة 1.6%!! اما على صعيد حجم الواردات فإن الامارات ووفقاً لتلك الاحصاءات قد جاء ترتيبها في المركز الاول اذ بلغت قيمة وارداتها بنحو 31.9 مليار دولار بالنسبة لدول الشرق الاوسط وبنسبة 18.6 فيما جاءت السعودية في المرتبة الثانية وبلغت قيمة ورداتها 30.3 مليار درهم وبنسبة 17.7%. لما كانت التجارة الخارجية والتغيرات التي تحدث فيها تعتبر احدى المؤشرات الاقتصادية المهمة التي تحدد مسار الاوضاع الاقتصادية لاية دولة ولما كان للتركيبة التجارية الخارجية ولاسيما في جانب الواردات الاثر المباشر في مسيرة التنمية الاقتصادية فإن هذه التجارة تلعب دوراً واضحاً في اقتصاديات الامارات باعتبار ان اقتصادنا يعتمد إلى حد كبير في تلبية احتياجاته ومتطلبات السوق فيه على الواردات من الاسواق العالمية فضلا على ان الصادرات النفطية تشكل اهمية كبرى في الاقتصاد الوطني سواء في الناتج المحلي او المالية العامة او ميزان المدفوعات من هنا فإن التجارة الخارجية تعتبر البوابة الرئيسية لاقتصاد الامارات وهي حلقة الارتباط بين اقتصادنا بمختلف مكوناته وقطاعاته مع الاقتصاديات الاخرى في ظل السياسات الاقتصادية والتجارية التي تعتمدها الدولة سواء على صعيد المداخل (حرية التجارة او اقتصاد السوق) او على صعيد الخارج (سياسة الباب المفتوح) واذا كانت الامارات قد برزت في الساحة الاقتصادية العالمية بسبب اهميتها النفطية وبصفتها احدى الدول الرئيسية المنتجة والمصدرة للبترول فإنها تعتبر من الدول الرئيسية التي تشكل الواردات اهمية كبرى في اقتصادها. تؤكد بيانات التجارة الخارجية للامارات لفترة التسعينيات على الارتقاء المستمر في قيمة الواردات ففي النصف الاول من هذه الفترة (1990 ـ 1995) سجلت قيمة الواردات نمواً بلغ معدله السنوي 15.5% مقابل معدل سنوي للصادرات بلغ 5.5% وهذا التباين بين حجم الواردات والصادرات يشير إلى خطورة الوضع في هذا التصور ولاسيما على الميزان التجاري الذي اصبح يميل وبشكل حاد نحو الواردات وحتى لو كان جزءاً من حجم الواردات يعاد تصديره إلى دول اجنبية ودول المنطقة الا ان الزيادة المستمرة في حجم الواردات يبعث على القلق لاسيما اذا كانت الامارات قد انتهت إلى حد كبير من الهياكل التحتية التي تطلبت حجماً كبيراً من الواردات خلال سنوات السبعينيات والثمانينيات الامر الذي يعني ان هناك طلباً كبيراً في سوق الامارات نابعاً من تفاقم المشكلة السكانية وتزايد السكان (الهجرة الخارجية) وهذا ما يبعث إلى خطورة الاوضاع الاقتصادية خاصة وان جزءاً كبيراً من الواردات هي سلع وبضائع استهلاكية تعزز النزعة الاستهلاكية في مجتمع الامارات وتؤدي إلى عجز مزمن في الميزن التجاري وميزان المدفوعات وهذا يعني ايضاً ان هناك نزفاً شديداً للسيولة المحلية التي تذهب سداداً لتلك الواردات فقد اشارت النشرة الاقتصادية الصادرة عن وزارة التخطيط (التطورات الاقتصادية والاجتماعية في الامارات 1990 ـ 1995) إلى ان قيمة واردات الدولة خلال النصف الاول سجلت زيادة كبيرة خلال السنوات الاولى من عقد التسعينيات اذ ارتفع حجم الواردات السلعية من 42.5 مليار درهم في عام 1990 لتصل إلى 87.3 مليار درهم في عام 1995 اي بزيادة بلغت قيمتها 39.2 مليار درهم وما نسبتها 27% للفترة (1995 ـ 2000). ان زيادة حجم الواردات خلال العقد الثالث من عمر الدولة يؤكد على وجود خلل كبير في الميزان التجاري للامارات، خاصة وان هذه الزيادة في قيمة وحجم الواردات لم تأت من منطلق الطلب على السلع الرأسمالية او الوسيطة التي تخدم الصناعة والتنمية في الدولة وانما جاءت بسبب الزيادة في السلع الاستهلاكية التي شكلت في نهاية الفترة الحجم الاكبر اذ بلغت قيمتها 46 مليار درهم وما نسبته 48.5% ويعزى ذلك إلى زيادة السكان وارتفاع نسبة الاستهلاك في المجتمع. اما في جانب الصادرات فإن معدل النمو السنوي خلال النصف الاول من عقد التسعينيات لم يتجاوز 5.5% الامر الذي ترتب عليه تناقص تدريجي في رصيد الميزان التجاري حتى اصبح معدل النمو سالباً بنسبة 14.7% وذلك حسبما ورد في نشرة وزارة التخطيط وهنا تكمن وضعية التجارة الخارجية للامارات ومدى انعكاس ذلك على الاقتصاد الوطني حينما تسجل الواردات تزايداً مستمراً ولاسيما السلعية منها مقابل تناقص مستمر في حجم الصادرات على الرغم من ان هذه الصادرات في معظمها صادرات نفطية (نفط خام وغاز ومنتجات نفطية) والتي بلغ حجمها 63.2 مليار درهم في عام 1990 وما نسبته 79.4% من حجم الصادرات السلعية لينخفض إلى 65.9 مليار درهم وما نسبته 56.9% من قيمة الصادرات السلعية في عام 1995 ويعزى سبب الانخفاض هذا إلى الانخفاض الكبير في حجم صادرات الدولة من النفط الخام بسبب التطورات الدولية المستجدة في السوق النفطية وذلك قبل ان تتحسن الاسعار خلال النصف الثاني من العقد ذاته لترتفع قيمة الصادرات النفطية وتصل إلى 104 مليارات درهم جاء معظمها في هيئة صادرات للنفط الخام اثر تحسن اسعاره ولتبلغ الزيادة خلال هذا النصف نحو 40.8 مليار درهم وما نسبته 39.3%. من هنا فإنه لابد من التحقيق من طبيعة الاحصاءات والبيانات التي ترد في تقارير المنظمات والمؤسسات الدولية لانه في كثير من الاحيان تخفي اهدافاً غير مرئية ثم ان هذا التضخم ليس له ما يبرره حينما نقوم بتحليل هذه البيانات والتأكد من حقيقتها وذلك حسبما وضح من خلال حجم التجارة الخارجية للامارات التي تؤكد على مدى خطورة الوضع لاسيما وان الامارات مازالت تعتمد على النفط الخام في صادراتها السلعية إلى العالم، بينما هي تستورد حجماً آكبر من صادراتها في هيئة واردات سلعية معظمها سلع استهلاكية تؤكد على ان اقتصاد الامارات اقتصاد ريعي في صادراته واستهلاكي في وارداته، فأين هي هذه التقارير من حقيقة الواقع الاقتصادي لدولة الامارات!!