في ظل توجه غالبية مؤسسات العالم للتوجه نحو الاعتماد على «فرق العمل» كمنظومة جديدة تعيد صياغة العمل الاداري وتمحو كل مظاهر البطء الاداري والبيروقراطية والروتين، فقد أثبتت تلك الفلسفة الجديدة جدواها في العديد من دول العالم التي بادرت بانتهاجها في أعمالها المؤسساتية وأصبح نموذجاً ادارياً تستخدمة المؤسسات التي تطمح لمستقبل أفضل، وذلك بعد ان ثبت ان الاستقلالية التي كانت تعد من المزايا الجيدة في الادارة سابقاً فشلها وصار الاعتماد على الآخر والعمل بروح الفريق هو الخيار الأفضل في ظل تشعب التحديات وتسارعها مما يتطلب معها وجود عدة خبرات تحت سقف واحد لاتخاذ قرار بشأنها وبشكل سريع والذي يبدو واضحاً في منظومة فرق العمل. وتعد دائرة الطيران المدني بدبي من اوائل الادارات التي انتهجت تلك الفلسفة الادارية الجيدة في اطار خطتها الاستراتيجية الطموحة نحو التحول ووصولاً للريادة والتميز في الاداء. حيث بادرت في عام 1999 بالاعداد لبناء جيل إداري جديد يعتمد على فلسفة فرق العمل من خلال توفير العناية والتأهيل والتدريب اللازم والابتعاد عن منهجية الهيكل التنظيمي التقليدي التي تظل فرصة اتخاذ القرار فيه صعبة في زمن يتسم بسرعة الانجاز وانسيابية القرارات، وفي ظل هذا الفكر الجديد تم الغاء فكرة الرئيس والمرؤوس ووضع قائد مسئول للفريق أمام الادارة وتحمل المسئولية بشكل جماعي ضمن منظومة الفرق. ومما يثير الاعجاب والاشادة انه مع نجاح هذه التجربة الفريدة ارتفعت معها نسبة المشاركة من قبل الموارد البشرية المواطنة العاملة بالدائرة فبلغت نسبة اعضاء وقادة فرق العمل 85% من المواطنين والمواطنات. ويقول قاسم كناكري مدير الاستراتيجية والتخطيط بدائرة الطيران المدني بدبي وخبير عملية التحول الاستراتيجي ان الهرم التنظيمي المتعدد الطبقات بمثابة آفة تقليدية تحد من حركة الدوائر والمؤسسات ويقف حائلاً بينها وبين تحقيق أهدافها وطموحاتها في التحديث والمنافسة والتقدم. وأضاف ان علاج هذه الآفة يتمثل في تشكيل وتدريب وقيادة مجموعة مرنة من فرق العمل وتوفير الدعم والمساندة والصلاحيات لها وتوزيعها في كل المواقع لنشر ثقافة العمل الجماعي وإنجاز مهامها في التطوير والتحديث وصولاً للريادة والتميز. ومن هذا المنطلق تبنت دائرة الطيران المدني بدبي عملية التحول الاستراتيجي لتحسين الاداء من خلال تشكيل وقيادة فرق التحول الاستراتيجي واحداث تغييرات جذرية في فلسفة العمل تعتمد على وضوح وفاعلية الاستراتيجية وكفاءة العمليات وصولاً الى تحقيق أفضل اداء وتحقيق الرؤية والرسالة وخططها وأهدافها. وقال ان دائرة الطيران المدني وبإيعاز من سمو الشيخ أحمد بن سعيد رئيس دائرة الطيران المدني بدبي رئيس طيران الاماراتاختارت ألا تتم عملية التحول والتغير من خلال برامج بطيئة أو مشتتة بل اعتمدت على التحول الاستراتيجي كاستراتيجية لتحسين الاداء في كل مواقع العمل وصولاً للتميز. وأضاف انه لكي تكون هذه العملية منظمة تم تنفيذها من خلال تشكيل فرق العمل المنظمة لنقل هذه الرؤية الطموحة الى واقع ملموس وبالاعتماد على عقول ومعارف العاملين بالدائرة واشراكهم في التخطيط والتنفيذ مشيراً الى ان الدائرة تعد أول مؤسسة تعمل بمبدأ الفرق وتسميتها بفرق التحول الاستراتيجي لتأكيد موضوع التحول الجذري في الثقافة المؤسساتية. وأوضح كناكري انه قبل البدء في تنفيذ نظام الفرق تمت دراسة حالات عديدة له على مستوى العالم سواء تلك التي حققت نجاحاً أم التي فشلت للاستفادة من الايجابيات والابتعاد عن السلبيات، مؤكداً ان الادارة العليا هي التي بيدها تحقيق نجاح أو فشل فرق العمل، لذلك انصب التفكير الأول في ان تبدأ فرق العمل بتشكيل فريق عمل استراتيجي مكون من الادارة التنفيذية لدائرة الطيران المدني تضم سمو رئيس الدائرة ومدراء الادارات الاساسية البالغ عددهم 13 مديراً، وتم وضع استثمارات ضخمة في عملية بناء هذا الفريق. وأوضح ان الفريق القيادي بمجرد بنائه قام بتحديد مسئوليات الفريق ومعايير الاداء وشخصية القيادة المعاصرة القادرة على مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية والاتجاه الاستراتيجي للدائرة. وأضاف كناكري ان الفريق عند تكوينه اعتمد على توفر 42 معياراً بالشخصية التي يمكن ان اعتبارها ملائمة لقيادة الدائرة في القرن الواحد والعشرين وهي معايير مأخوذة من أفضل الممارسات لأفضل مؤسسات العالم والتي زاد عددها عن 1300 معيار تم انتقاء 42 معياراً واختير منها 42 معياراً تلائم احتياجات الدائرة الحالية والمستقبلية وتم البدء في التطوير على أساس هذه المعايير. وأشار انه ومن خلال نظام فرق العمل يجري عملية تقييم لكل عضو من بقية الاعضاء بهدف تحسين الاداء وليس بهدف الاساءة للعضو والتعرف على مستوى الاداء مقارنة مع اداء الشخصية المنشودة واتخاذ الاجراءات التصحيحية اللازمة لذلك الوضع. مهام فريق القيادة وقال كناكري ان فريق القيادة يضطلع بمسئوليات ومهام كبيرة وأساسية حيث يقوم برسم وتحديد الرؤية المستقبلية للدائرة ووضع استراتيجية واضحة لتنفيذها وتوصيلها لبقية الادارات في شكل أهداف تشغيلية سنوية توضع على أساسها الأولويات والميزانيات. وأضاف ان فريق القيادة من مهامه كذلك اعادة هيكلة الوحدات التنظيمية بالدائرة والعمليات الاساسية فيها بما يتلاءم مع الرؤية الاستراتيجية الجديدة، ويجتمع هذا الفريق اسبوعياً برئاسة سمو الشيخ أحمد بن سعيد رئيس دائرة الطيران المدني بدبي رئيس طيران الامارات لمناقشة انجازات الادارات المختلفة بالنسبة للأهداف الشمولية للدائرة. فوائد الفرق وأشار الى انه من فوائد بناء هذا الفريق هي اتجاه كافة الاعضاء والعمل في نفس الاتجاه والرؤية من خلال أفق استراتيجية واضحة للجميع، وهذا أدى الى تركيز الموارد تجاه هذه الرؤية وعدم تشتت النشاطات والجهود وطاقات الموظفين باتجاهات مختلفة حسب إداراتهم وألغى من حياة المؤسسة عملية الرؤية الضيقة لمصالح الادارات حيث أصبح الكل يعمل نحو رؤية مشتركة واحدة. وأفرز هذا الاسلوب ايضاً زيادة عملية الثقة وبث روح العمل الجماعي المشترك بين العاملين وتأصيل مبدأ ان الكل يعمل في مركب واحد مما يعني ان ضعف الاداء في أية إدارة يمكن ان يؤثر على بقية الادارات وان نجاحها يعود على الدائرة بشكل عام وليس الادارة وحدها، موضحاً ان هذا الاسلوب أفرز كذلك نوعاً من التحمل الجماعي للمسئولية وليس بشكل فردي. وأشار كناكري انه عند التفكير في هذا النهج الجديد وتشكيل فريق القيادة كان الهدف هو ان يتوازى ذلك النهج مع الرؤية المستقبلية والاستراتيجية العليا التي رسمها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع. بناء فرق العمل وحول كيفية بناء فرق العمل قال مدير الاستراتيجية والتخطيط بدائرة الطيران المدني بدبي ان الحديث عن فرق العمل يختلف تماماً عن الحديث عن تشكيل لجان دائمة أو مؤقتة باحدى الادارات لمتابعة موضوع ما أو القيام بمهمة ما ينتهي بعدها عمل اللجنة بمجرد الانتهاء من المهمة، فمضمون وماهية اقامة فرق العمل يستلزم معايير مختلفة وأهدافاً جديدة فأعضاء الفرق ومن خلال عملهم يتولد لديهم انتماء للفريق ويقدم لهم برامج تدريبية خاصة في أدوات تستخدم في التعامل مع التحديات المختلفة ويتم انتقاؤهم بكفاءة عالية ووفقاً لمعايير واضحة على أساس الرغبة في المشاركة ويتم ذلك بعد اجراء عملية تأهيل للاعضاء في الفريق تستغرق من 3 ـ 9 أشهر لكل فريق حسب نوعه ومنهجيته في العمل ويتم كذلك تدريبهم على ثقافة العمل الجماعي، مشيراً الى تحديد فترة زمنية للنضج في الاداء ويتم قياس اداء الفريق مرة كل ستة أشهر وفقاً لمعايير الاداء الموضوعة وان محاسبة الفريق تكون بشكل جماعي من قبل فريق القيادة، بينما يحاسب العضو على مستوى الفريق وليس على مستوى الدائرة. وأوضح قاسم كناكري انه بطبيعة الحال يكون هناك تبعات لكل اداء من خلال العمل في منظمة فرق العمل تبلغ نسبة التبعات الايجابية ذروتها وتقلل فرص التبعات السلبية للاداء مشيراً الى ان الانتساب لفرق العمل يعد تكريماً للمبدعين والمتميزين من الموظفين الذين يسعون دائماً للتميز فهم يبذلون مجهودات كبيرة بعضها خارج نطاق اختصاصهم بروح عالية وان الدائرة من جانبها تقوم بتشجيع هؤلاء من خلال تكريمهم وتقديم الجوائز لهم والاشادة بهم. الهيكل التنظيمي لفرق العمل وحول تشكيل فرق العمل وتنظيمها داخل الدائرة قال قاسم كناكري انه بعد تشكيل فريق القيادة الذي يضم الرئيس والاعضاء من رؤساء الادارات الثلاث عشرة قام كل عضو بفريق القيادة بتشكيل فريق في ادارته يقوم بادارته بنفسه مما نتج عنه وجود 31 فريقاً تعني بعملية تحسين الاداء بالادارات بمعنى وجود فريق لكل ادارة ويضم كل فريق ما بين 7 ـ 12 عضواً، ويقوم كل فريق بالالمام بالخطة الاستراتيجية العامة التي وضعها فريق القيادة والاطلاع على الاولويات التي تعني بها ادارته ويعمل عليها. ويضيف كناكري ان هذه الخطوة جعلت كل الفرق تعمل جنباً الى جنب باتجاه تحقيق الاهداف والغايات الاستراتيجية كل من خلال ادارته واختصاصه. ويترجمون الاهداف الاستراتيجية الى اهداف تشغيلية، مشيراً الى ان كل هدف يوضع له خطة تنفيذية كاملة ويتم التعامل معه كمشروع تخصص له الحوار والبشرية اللازمة والتوقيت والميزانية المطلوبة. ويتم تقديم تقارير الانجاز والاقتراحات لفريق القيادة من خلال قادة الفرق في اطار من التواصل المستمر بين القيادة العليا والقيادة المتوسطة في مختلف الادارات بشكل مستمر واصبحت الشفافية والوضوح متوفرين بين الجميع، فكل الادارات تعرف نشاطات وخطط بعضها البعض من خلال هذا التواصل. الفرق المشتركة بين الادارات واوضح قاسم كناكري انه لم يتم الاكتفاء بتشكيل فرق تحسين الاداء لكل ادارة على حده بل تم تشكيل فرق اخرى مشتركة بين الادارات مكونة من اعضاء يعملون بادارات مختلفة تعرف باسم )Crossfunctional teams( تعني بالعمليات من ادارة الى ادارة اخرى وتضم ثلاث فرق هي: فريق نظام الاقتراحات الذي يهدف الى مشاركة الحد الاقصى من العاملين باقتراحات لتحسين اداء الدائرة واشراك جميع الموظفين في الاقتراحات وتوسيع قاعدة المقترحين لتعزيز الاداء والمشاركة في صنع القرار، بالاضافة الى فريق اعادة تصميم العمليات وفريق تدقيق الآراء. فرق العمل مع الشركاء الاستراتيجيين واضاف مدير الاستراتيجية بالدائرة ان استراتيجية فرق العمل لا تعني الانعزال عن المؤسسات الحكومية الاخرى التي يتم التعامل معها مشيراً الى ان مطار دبي الدولي به العديد من الدوائر الاخرى التي تعمل جنباً الى جنب مع دائرة الطيران المدني لذلك كان من الضروري تشكيل فرق عمل مشتركة مع الشركاء الاستراتيجيين مثل الشرطة والهجرة والجوازات والجمارك ودناتا وطيران الامارات للعمل جميعاً في اطار بوتقة واحدة متناغمة الرؤى والاهداف. ويضم هذا الفريق تحت لوائه فرقاً مختلفة مثل الفريق الاستراتيجي للمطار وفريق العناية هي الغاية وفريق التعامل مع المشاكل اليومية ويضم هيكل الفرق المشتركة مع المتعاملين مجلس العناية هي الغاية وفريق تحسين الجودة بالمطار وفريق المطار للحفاظ على البيئة ولجنة مسيري خطوط الطيران. واوضح قاسم كناكري ان تشكيل هذه الفرق يهدف الى رفع مستوى الاداء بالمطار بشكل عام واشراك الشركاء الاستراتيجيين في تعزيز اعمالهم وتقديم صورة متناغمة لمطار دبي في جميع نواحي العمل سواء تلك التي تخص الدوائر او الشركاء الاستراتيجيين في تعزيز اعمالهم وتقديم صورة متناغمة لمطار دبي في جميع نواحي العمل سواء تلك التي تخص الدوائر او الشركاء الاستراتيجيين من النشاطات المشتركة ومستوى خدمات المطار بشكل عام، مشيراً الى ان هذه هي المبادرة الوحيدة الموجودة حالياً في كيفية تعامل الدوائر المختلفة ذات الاهداف المتداخلة وقال ان هذه الفرق لها ميزانية مخصصة لها ويتم كذلك تقديم خدماتها بشكل دوري. واعتبر كناكري هذه الفرق من اهم فرق العمل لأن سرعة اتخاذ القرار في ظل وجود دوائر حكومية مختلفة تتبع قواعد واجراءات متباينة قد تكون معدومة لكن مع تشكيل هذا الفريق يتم اتخاذ القرار بسرعة مما ينعكس ايجاباً على الاداء العام. واضاف ان هذا الفريق يتم الاهتمام به ويتم ترتيب زيارات وجولات له الى المطارات العالمية الاخرى للاطلاع على مستويات ومعايير الاداء بها وتقييمها ومقارنتها بأدائهم في مطار دبي والاطلاع كذلك على احدث الطرق في التعامل مع التحديات والاستفادة منها عند العودة ونقل افضل الممارسات في هذا المجال لتنفيذها بالمطار، موضحاً انه تم الاستفادة كثيراً من مثل هذه الزيارات لانه بعد كل رحلة يتم رصد الاهداف وتنفيذ المفيد والايجابي منها على الفور. وأكد قاسم كناكري انه من المستحيل تحقيق معايير برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز بدون فرق عمل منظمة تعمل على اسس ومن خلال اهداف واضحة ولا يمكن التعامل بالاساليب التقليدية وبشكل ادارات منفصلة، فالفريق كوسيلة ادارية يعد من ارقى وسائل الادارة الحديثة وهو الهيكل التنظيمي غير المرئي لتحقيق الاداء المتميز في اي ادارة او مؤسسة وان مستقبل العالم هو في فرق العمل. واشاد في الوقت نفسه ببرنامج دبي للاداء الحكومي المتميز باعتباره قاطرة الانطلاق نحو تحقيق خطط وطموحات حكومة دبي المستقبلية ويساهم بشكل مباشر وغير مباشر في رفع روح المنافسة بين الدوائر الحكومية لتقديم افضل الخدمات وبأرقى المستويات لتعكس الوجه الحضاري لدبي امام زوارها والمتعاملين معها في كافة المجالات، وذلك لأن البرنامج يضم مزيجاً متنوعاً لافضل معايير الاداء العالمية.