في مسيرتنا الفكرية الماضية والخاصة بالاقتصاد الإسلامي، وقفنا في عدة محطات اساسية، كانت اخرها، نظم توزيع الثروة والدخل «الزكاة». الاوقاف الخيرية: تعد الاوقاف الخيرية وسيلة مهمة من وسائل التوزيع واعادة التوزيع للدخل والثروة في المجتمع الإسلامي وفي جوهرها تقوم على نقل الدخل المتولد من عناصر انتاجية من مالكها الحالي الى افراد اخرين في الجيل الحاضر او جيل المستقبل وقد تكون الاوقاف عامة لكافة افراد المجتمع او تخصص لفئة معينة من الناس غالبا ما تكون من ذرية المالك المتبرع. وتسمى في هذه الحالة «وقفا ذريا» وتشمل الاوقاف كل انواع الثروة المنتجة اي التي تدر دخلا دائما ومستمرا أو منفعة دائمة كالاراضي الزراعية، او المصانع او دور السكن او آبار الماء أو ما شابه.. والاوقاف بطبيعتها تنقل الثروة من شكلها الفردي والخاص الى الشكل الجماعي والعام. والشريعة الاسلامية لم تجزها او توجبها وحسب، بل وحضت عليها. لقد ادت الاوقاف الاسلامية دورا حيويا ـ اقتصاديا واجتماعيا في التاريخ الاسلامي، خاصة في عصور الانحطاط ومن عدة جوانب.. فمن جهة انها قدمت خدمات اجتماعية مهمة لشرائح كبيرة في المجتمع وبالمجان.. مثل الخدمات الصحية والتعليم والرعاية الاجتماعية ومن جهة ثانية ساهمت مساهمة معتبرة في تشغيل اليد العاملة وبالتالي ادت دورا اقتصاديا واجتماعيا مهما في مجال التشغيل ـ العمالة ـ وتأمين حد ادنى من حياة انسانية لائقة. ومن جهة ثالثة انها استطاعت ان تساهم في بناء المدارس والمساجد، وان تجعل عليهم آئمة ورجال علم ودين فضلاء واحرار، لا يرتبطون بدولة او بمؤسسة او بتنظيم معين، قادرين على قول الحق دائما وابداً.. لان ارزاقهم وحياتهم مهيأة ومعيشتهم لم تعد مرتبطة بسلطان ولا بحاكم او بمالك او بقائد.. وللأسف الشديد فان ما نراه في اغلب دولنا الاسلامية ان لم يكن جميعها.. ان الاوقاف الاسلامية اصبحت دائرة من دوائر الدولة. تديرها السلطة وتشرف عليها وتوجهها الجهة المرغوبة من قبلها والمتوافقة مع اهدافها.. والتي غالبا ما تتعارض واهداف الفكر الاسلامي وجوهر الدين الحنيف.. لا بل ان بعض الانظمة السياسية قامت بمصادرة او تأميم ممتلكات الاوقاف بل وصادرت حريتها وثقافتها وحولتها اما الى دائرة او مؤسسة رسمية لكن بهيكل دون روح. أو حتى الغت وجودها.. وفي كل الاحوال فان القائمين على هذا العمل الخيري.. اما سرحوا او حولوا الى موظفين بأجر لدى الدولة او حوربوا.. ان مواقف العديد من رجال الدين في زمننا الحاضر والتي لا تساير عظمة الاسلام وروحه الثائرة تفسر والى حد بعيد هذا الوضع غير السوي. الفيء: عنصر من عناصر التوزيع الاسلامية.. واعادة التوزيع وهو كل ما اخذه المسلمون من اموال الكفار المشركين الاعداء دون قتال ويشمل خراج الارض المفتوحة والعشور المفروضة على تجار اهل الحرب وغير ذلك. ان اهم نص قرآني حول الفيء جاء في سورة الحشر بقوله عز وجل «ما افاء الله على رسوله من اهل القرى. فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم» الآية 7 ـ 8 ومن الناحية الفقهية في كيفية التعامل مع الفيء فهناك رأيان في مصارف الفيء.. بالطبع كلاهما يستند على الآية السابقة وعلى السنة النبوية. اولهما: ان الفيء كله للمسلمين جميعا ودون اشتراط التساوي فيدخل الميزانية العامة للدولة ويصرف منه الخليفة او الامام او الدولة في المصالح العامة فيبدأ بالأهم فالمهم.. وهذا كان موقف ابوبكر وعمر (رضى الله عنهما) ثم رأي ابو حنيفة ومالك رحمهما الله. والثاني: تخميس الفيء اي ان يعامل كما تعامل الفيء فيدخل اربعة اخماسه في الميزانية العامة، أما الخمس الباقية فتخص به المصارف المسماة في آية الفيء وهذا مذهب الامامين الشافعي وأحمد رحمهما الله، والفيء كان يعد من المكونات الاساسية لميزانية الدولة، فخراج الاراضي الزراعية في بلاد الشام والعراق ومصر شكلت الفائض الاقتصادي الهام لتعبئة الجيوش الاسلامية وتجهيزها بالعدد والعدة وكل مستلزمات الحرب والقتال، وقد أمنت ايضا حصة معتبرة من الثروة والدخل للمجتمع بحيث، كانت هنالك نفقات حربية معتبرة بجانب مستوى نسبي لائق، ان الجيوش الاسلامية في طبيعتها وتشكيلها وتعبئتها على خلاف الجيوش الاخرى ففي الوقت الذي يكون فيه هدف الجيش الاسلامي اما قتال الاعداء الذين احتلوا أرضا اسلامية وتحريرها، أو لقتال الظلم والظالمين ولتحرير الانسان من ربقة التعسف والاستغلال في اي زمان أو مكان، فان طبيعة الجيوش غير الاسلامية ومنذ العهود القديمة حتى الان، هو قائم على ما تستطيع حمله من منهوبات أو ما تتمكن به من فرض الضرائب والاتاوات، أو بما تمليه على الشعوب المقهورة من ذل واستسلام لارادتها وثقافتها وهيمنتها والتي هي دائماً ليست في صالح الأمم المغلوبة. الغنيمة: هي المال المأخوذ من الكفار الاعداء المشركين خلال الجهاد أي انها تؤخذ عنوة وبعد قتال ومصارفها كمصارف الفيء، لقوله تعالى: «واعلموا انما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل»، الانفال 41. ان الله عز وجل قد خصص الفيء كله لتلك المصارف العامة بينما خصص لها خمس الغنمية فقط وترك أربعة اخماسها للجيش وتبرير ذلك في رأينا، ان الفيء قد تحصل للمسلمين دون جهد أو عناء يذكر، ناهيك عن انه وصل لأيديهم دون قتال أو اراقة دماء، فمن الانسب والايسر تخصيصه للمجتمع بكامله، وفيه اعادة لتوزيع الدخل فوق كونه نظاماً توزيعياً في حين ان الغنيمة حصلت بالجهاد والحرب والقتال، أي من قبل فئة المحاربين فقط، فمن الانصاف ان يعود قسم منها لهم، كما ان تعلق النفس بها اوضح في حالة المجاهد، والسبب الثاني فان المجاهدين غالباً ما تحملوا جزءاً غير يسير من نفقات الحرب ومن اموالهم الخاصة. حيث كان المجاهد غالباً ما يعيلها نفسه بنفسه من عدة الحرب ولوازمها كالخيل والسلاح، والنفقات على عائلته اثناء غيابه.. الخ، فتخصيص الجزء الأكبر من الغنيمة لهؤلاء المجاهدين لاتنافي اطلاقاً ومباديء العدل الاسلامي لا بل انه هو العدل بعينه. ان كثيراً من اعداء الاسلام ومنهم غالبية المستشرقين يعترضون على الجهاد الاسلامي، ويعزونه الى الجوانب المادية والحصول على الاموال في الغزوات، انهم في التحليل النهائي اما جاهلون لهذا الركن الاسلامي ولطبيعته وهدفه الحقيقي أو انهم في الاغلب الأعم متحاملون ومغرضون. فالفتح الاسلامي وباعتراف الكثير من المنصفين، كان حسنة لجميع الدول التي فتحها «ما عرف التاريخ فاتحاً ارحم من العرب» لانه رفع الظلم عن ابنائها ونشر العدل وحقق المساواة، لابل انه استطاع ولفترة وجيزة ان ينقل تلك الامم من عصور الظلام والجهل والتخلف الى عصور النور والعلم والتمدن.