البنوك المركزية والركود الاقتصادي (1 ـ 2) ـ بقلم: قتيبة عبدالرحمن العاني

اكتسبت البنوك المركزية أهمية كبيرة في رسم السياسات المالية على عموم الاقتصاد وخصوصاً النقدية منها حيث تعد سلامة قيمة عملة البلد في الداخل والخارج على حد سواء من أهم الواجبات الاساسية للبنوك المركزية، وتحديد أسعار الصرف ومكافحة الركود الاقتصادي من أهم وسائلها الفعالة. ونتناول في هذا التحليل جانباً مهماً من جوانب الانشطة الاقتصادية ألا وهو دور البنوك المركزية في مكافحة الركود الاقتصادي وإمكاناته المتاحة له في رسم السياسات المالية لتخطي عجلة الركود الاقتصادي، وفي تحليلنا هذا سنقوم باستعراض وتركيز خاص لدور مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) لما يتمتع من خبرة ذات استراتيجيات في التغلب على المحن والازمات، وكما هو معلوم ان البنوك المركزية هي مستشار الدولة الاقتصادي وواضع سياستها المالية، ومن هنا يتجلى دور الحكومات في تطبيق سياساتها المالية ومدى التطابق بينهما وأعني الادارة الحكومية والسياسة المالية، فلم لاتكتفي الحكومات بالاستجابة للسياسات المالية والاستشارية التي تقدمها بنوكها المركزية وتقوم أحيانا بوضعها على الرف وتنفذ مخططاتها السياسية الرامية الى اثارة الحروب وافتعال الازمات وتحطيم البنى التحتية لدول العالم الضعيفة وفرض الصيحة العصرية الجديدة بفرض الحصار الاقتصادي وأحيانا التجاري وتعريض أموال ومدخرات البنوك والعملاء للحجز والمصادرة وتجميد الارصدة، فان كانت الحكومات حقا جادة في معالجة ركودها الاقتصادي وتحقيق معدلات نمو أفضل فمستشاروهم ودراساتهم وتجاربهم السابقة غنية بمعالجة أزماتهم الاقتصادية. وسنستعرض دور المركزي الأمريكي في كيفية معالجة الازمات الاقتصادية التي سبق وان مرت بها الولايات المتحدة وبالتحديد بعد فترة الكساد العالمي والتي كانت بحق سياسة مالية ناجعة وسببت في وقتها ارتفاع معدلات النمو دون لجوء الحكومات لافتعال الحروب والفتن السياسية لتحريك عجلة نموها الاقتصادي. فالنظرية التقليدية التي نصت على ان تخفيض قيمة العملة يعالج الكساد ويعود بالفائدة على التجارة الخارجية وعلى النشاط الاقتصادي للدولة ككل لم تعد مغرية بالنسبة لبعض الحكومات التي تتبع سياسة السوق المفتوحة. كما ان المسئولين المختصين بالسياسة الاقتصادية قد أدركوا بأنه مهما كانت بعض جوانب هذه النظرية جديرة بالاستحسان، فإن تطبيقها في الاقطار التي لاتزال العملة فيها مركزا لنظام النقد الدولي محفوف بالمخاطر، وإن عدم الاستقرار العالمي في الموارد المالية غالبا ما ينتج عنه التضخم المزمن وان الاستقرار سوف لن يعود الى نظام النقد الدولي مالم تتم السيطرة على أسباب التضخم التي تسبب الركود الاقتصادي سواء في الولايات المتحدة الأمريكية خاصة أو في الدول الصناعية الكبرى عامة. فنظرة سريعة الى تحليل فترات ركود النمو الاقتصادي الذي شهدته الولايات المتحدة خلال العقود الاربعة المنصرمة توصلنا الى انه قد مر بالمراحل المتباينة التالية: ـ المرحلة الأولى تتمثل في العوامل التي سببت التضخم في منتصف الستينات وخاصة التدخل الحكومي الذي أوحت به الانماط الاقتصادية الجديدة والتمويل للحرب في فيتنام. ـ المرحلة الثانية وتتمثل في اخطاء اقتصادية اخرى مثل تدهور قيمة الدولار في الفترة ما بين 1971 ـ 1973 والتوسع السريع في اقتصاد العالم في الفترة ما بين 1972 ـ 1973، وتلف المحاصيل وارتفاع اسعار الغذاء في العالم والزيادة في أسعار النفط التي أصبحت مؤثرة في عام 1974. ـ المرحلة الثالثة وتتمثل في حربي الخليج الأولى والثانية اللتين كان لهما التأثير الكبير في دور الاقتصاد القومي الأمريكي من الناحية الايجابية، وأخيرا حرب القرن التي بدأتها في أفغانستان والتي كانت سبباً من أسباب تحريك ركودها الاقتصادي. فالعوامل السياسية والاقتصادية التي كانت وراء النمو الاقتصادي الذي حققه الاقتصاد الأمريكي في السنوات الثماني الماضية ليست العوامل نفسها الان فالدفق الهائل للاستثمارات الاجنبية التي جنتها الولايات المتحدة من جراء الاحداث الضخمة والحروب الآنفة الذكر والازمات الاقتصادية قد ساهمت في توجيه رؤوس الاموال نحو الاقتصاد الأمريكي الأمر الذي جعل السوق الأمريكي يبلغ النمو القياسي. ان الاسباب التي جعلت البنوك المركزية غير فعالة في معالجة هذا التضخم تكمن في التيارات الفكرية والبيئية والسياسية التي ورثتها أو خلفتها السياسات الأمريكية المتلاحقة. حيث تولدت لدى الامريكيين عبر التاريخ نظرية عميقة حول مفهوم التقدم تقول ان من البديهي توقع ان يقوم الفرد بتحسين وضعه ووضع عائلته الاقتصادي في الحياة لذلك كانت تفقد الحكومة الأمريكية لشئون الحياة الاقتصادية فيها سطحياً خلال فترة طويلة من تاريخها وكان ينظر الى تقدم الفرد اقتصاديا على ان حصيلة جهد شخصي قد يكون موفقا وقد لايكون. ان الانهيار الذي أصاب النظام الاقتصادي من جراء الكساد العظيم الذي بدأ في عام 1929، والذي لم يسبق ان حصل مثله قد ضيق الخناق على مبدأ الاعتماد على النفس، حيث تفاقمت ظاهرة البطالة وانهارت الدخول مما أدى الى انخفاض مستوى المعيشة. فأوقات الكساد تتميز عادة بانخفاض الكفاية الحدية وبزيادة حجم البطالة، سواء أكان ذلك في العمل البشري أو في الأصول الرأسمالية وذلك بسبب انخفاض مستوى الدخل القومي، وبتعطيل ربع القوة العاملة أصبح الفرد عاجزا عن الحصول على العيش المناسب بسبب عدم توفر فرص للعمل. وبسبب الضغوط الناتجة عن الحروب قررت الحكومة حينها تأمين فرص العمل لكل من يرغب الحصول على عمل. وفي عام 1944 حين قام الرئيس الأمريكي روزفيلت بوضع أسس نظامه الداخلي قبل الحرب على شكل (قائمة للحقوق الاقتصادية) حيث قام بوضع (حق البحث عن عمل مفيد ومربح) على رأس هذه القائمة وحال انتهاء الحرب أصبح ذلك من مسئولية الحكومة الفدرالية. وفي عام 1946 ظهر قانون التوظيف الذي يؤكد على توظيف أكبر عدد ممكن من الافراد. وقد استحدثت الحكومة قانون التوظيف لمكافحة البطالة وذلك باستخدام اجراءات وقائية وعلاجية في آن واحد. وفي الواقع فان الفترة بين الحرب العالمية الثانية وأواسط الستينات قد تميزت ليس بتقليص فرص العمل بالنسبة للفقراء فحسب وانما بازدياد رفاهية العوائل الأمريكية الغنية بصورة مستمرة، ويعكس ارتفاع الدخل زيادة في انتاجية العمل وارتفاعاً نسبياً في الاستهلاك وكذلك توفير ظروف أفضل للمتقاعدين وذلك بزيادة رواتبهم التقاعدية، ومن جهة اخرى، فالبضائع الاستهلاكية الجديدة والمحسنة أدت الى تزايد الطلب. لقد وفر هذا التطور الاقتصادي فرصا كثيرة للحصول على السيارات والادوات المنزلية والسلع والخدمات الالكترونية الاخرى طالما اثارتها الاعلانات والوسائل العدائية كمحطات التلفزة والاذاعة في حينها. بيد ان الارتفاع الملحوظ في مستويات المعيشة لمجموع السكان انعكس على طموحات العوائل التي تمتلك بيوتا خاصة بها ومنازل صيفية، وسيارات وهواتف وتلفزيونات وغيرها من السلع الانتاجية، فالاعتقاد الذي كان سائدا بأن المستقبل سيكون أحسن من الماضي قد تحول خلال سني ما بعد الحرب الى طموحات حقيقية حول تحسين المعيشة وزيادة الدخل السنوي. ولكن هذه الزيادة السريعة في الثروة الوطنية لم تخلق شعورا بالاطمئنان بل العكس كانت الستينات فترة اضطراب اجتماعي في الولايات المتحدة كما هو الحال في الدول الصناعية الاخرى، وقد أثارت هذه الاضطرابات سخط الملونين والأقليات الاخرى التي كانت تعاني من التمييز الطبقي والحرمان الاقتصادي. أما الاضطرابات الاجتماعية فقد اثارت شعورا بالظلم لدى المجموعات الاخرى كالفقراء والمسنين والمعوقين والمزارعين والعمال والنساء، بالاضافة الى رفض شباب الطبقة الوسطى للقيم الاجتماعية. وقد اثارت الزيادة الاخيرة في الدخل القومي مشاكل صعبة في مختلف مجالات الحياة في أمريكا خاصة المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية، وحينما قامت الحكومة في أواسط الستينات بمعالجة بعض الامور المهمة مثل تقليل البطالة والتغلب على الفقر وتحقيق الرخاء الاقتصادي ورفع مستوى المعيشة، ظهرت أمامها متطلبات جديدة، كالتغلب على المشاكل في التجارة وتخفيف الصعوبات للمشاريع الصناعية والتجمعات السكنية. ومنذ عام 1960 فان الميزانية الفدرالية قد اتزنت لفترة خمس سنوات فقط بينما العجز يظهر سنويا منذ عام 1970، وليس هذا فحسب وانما بدأ العجز بالازدياد ايضا، وأصبح عجز الميزانية حالة مزمنة بالنسبة للمالية الفيدرالية، كانت هذه الحالة سائدة خلال الظروف العصيبة وحتى بعدها. ولكن عندما تعاني الحكومة من العجز في ميزانيتها فانما تضخ المزيد من النقود الى المواطنين أكثر مما تسحب منهم وعندها سيزداد الطلب على البضائع والخدمات في كل مكان، هذا هو السبب الذي أدى الى ظهور التضخم منذ أواسط الستينات ثم بدأ بالازدياد فيما بعد. ان هذا التضخم الذي يسبب الركود الاقتصادي ولايحقق المنافع المتوخاة وبالتالي يبطل العديد من التشريعات الاجتماعية قد تم تجاهله. وحتى بالنسبة للسياسيين المحافظين ورجال الاعمال فقد بدأوا يتبعون تعليمات (كينز) بهذا الخصوص، لذلك فقد بدا طبيعيا بالنسبة للمسئولين الفيدراليين المهتمين بالمسئوليات الاقتصادية ان يستجيبوا وبسرعة لنداء مكافحة الركود في النشاط الاقتصادي، ولذلك أصبح الخوف من تفشي البطالة أكثر من الخوف من التضخم المالي مما أدى الى جعل هذا الوضع الشغل الشاغل للعاملين في المجالات الاقتصادية. ان الطرق التقليدية المتبعة في حماية الافراد من أخطار المنافسات التجارية مثل دعم المزارعين وزيادة الحد الادنى للرواتب لم تجد نفعا في مكافحة التضخم بل أثبتت العكس خلال عامي 1977 و1978، وقد أدت هذه الطرق الى: ـ انخفاض الانتاجية بسبب عدم استثمار الضرائب المفروضة على الدخل ورؤوس الاموال. ـ اعاقة التقدم خلال السبعينات والثمانينات، وقد اسهمت هذه الظاهرة في انخفاض الانتاجية وكذلك في ارتفاع النفقات والأسعار. حيث يرى العديد من الخبراء ان التوسع السريع في نشاطات الحكومة في الولايات المتحدة كان مصحوبا بعجز وتضخم دائمين في الميزانية كما حدث ذلك في الدول الصناعية الاخرى، وغالبا ما كانت هذ الدول تطبق سياسة مالية في ظروف يسودها التضخم المالي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات