نظراً للركود الاقتصادي الذي يعاني منه الاقتصاد الامريكي، وبسبب الزلزال الاقتصادي الذي ترتب على احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي والخسائر المتلاحقة في الاقتصاد الامريكي، فإن البنك الفيدرالي الامريكي يسعى الى انعاش الاقتصاد الامريكي من خلال تخفيض الفائدة في محاولة جديدة لتحسين الاوضاع الاقتصادية بالولايات المتحدة. وبسبب ارتباط درهم الامارات بالدولار الامريكي فعليا وبسبب ارتباط الاقتصاد الاماراتي بالاقتصاد الامريكي بحكم ان مبيعات الامارات من النفط تقيم بالدولار الامريكي، وكذلك مشتريات الدولة من السلع والخدمات تدفع بالدولار ثم ان احتياطيات الامارات واستثماراتها في صندوق النقد الدولي والمصارف العالمية والشركات تقيم بالدولار فإن من الطبيعي ان ينعكس اي تغيير في الدولار على الاقتصاد الوطني. ثم ان تخفيض اسعار الفائدة الامريكية من الطبيعي ان ينعكس على الفائدة المصرفية في الامارات. ومن هنا فإن اسعار الفائدة المحلية قد سجلت انخفاضا قياسيا خلال الفترة الماضية بسبب قيام البنك الفيدرالي الامريكي بتخفيض اسعار الفائدة الى مستويات قياسية ايضا. وبالتالي من الطبيعي ان تتأثر موجودات الدولة واستثماراتها الخارجية ولاسيما ودائعها في الخارج سواء الخاصة بالحكومة/الحكومات او القطاع الخاص وفيها القطاع المصرفي التجاري حيث ان المصارف العاملة في الدولة وخاصة الوطنية تضع جزءا من اموالها في هيئة ودائع لدى مصارف عالمية مستفيدة من سعر الفائدة في الاسواق العالمية. وبالتالي فإنه من الطبيعي ان تصل الثروات الخليجية ومنها ثروات اماراتية الى 1.6 تريليون دولار امريكي حسبما تقدرها مصادر مصرفية عالمية (رويال بنك اوف اسكتلند البريطاني) اذ تشير تلك المصادر الى ان 95% من هذه الثروات موظفة في الخارج في هيئة ايداعات مصرفية لدى مصارف ومراكز (الافشور) العالمية. من ناحية اخرى فإن انخفاض اسعار الفائدة المحلية سوف تؤثر سلبا على ارباح الشركات المساهمة الوطنية التي سوف تسجل تراجعا خلال العام المقبل 2002 بسبب ان جزءاً من رؤوس اموال تلك الشركات مودعة لدى القطاع المصرفي التجاري بفائدة معينة من هنا فإنه من الطبيعي ان تتأثر الشركات والمصارف التجارية العاملة في الامارات بسبب انخفاض اسعار الفائدة المحلية، فالارباح التي سوف تحققها المصارف وبالتالي الشركات خلال هذا العام سوف تتأثر وبشكل كبير خلال العام المقبل 2002 بسبب الاوضاع الاقتصادية العالمية وانخفاض أسعار الفائدة على الدولار وبالتالي على الدرهم، وتلافياً لاي مضاعفات قد يحدثها الوضع الحالي على الاوضاع الاقتصادية في الامارات فإن مؤسسات الدولة الاقتصادية والمصرفية والمالية معنية بالاستفادة من الفرص التي يتيحها الانخفاض في سعر الفائدة على الدولار ويتجسد ذلك فيما يلي: أولاً: تخفيض حجم الودائع المصرفية الاماراتية في المصارف العالمية وتحويلها في خدمة الاقتصاد الوطني خوفاً من التآكل والضعف بسبب الركود الاقتصادي الذي يخيم على مختلف الاقتصادات العالمية ولاسيما اقتصاد الولايات المتحدة. ثانياً: انخفاض سعر الفائدة على الدولار يدفع بالمودعين لدى الجهاز المصرفي التجاري في الامارات الى تحويل ودائعهم من الدولار الى الدرهم على الرغم من الارتباط بين ربط الفائدة بين الدولار والدرهم وذلك لأهمية تعزيز درهم الامارات. ثالثاً: ان انخفاض اسعار الفائدة سواء على الدولار أو على الدرهم في الامارات يدفع الى التفكير الجاد بالمودعين الى البحث عن فرص استثمارية تحقق لهم عائداً مناسباً بدلاً من ابقائها لدى المصارف في هيئة ودائع مصرفية بفائدة منخفضة. وهنا نشير الى ان اجمالي الودائع المصرفية حسبما جاء في النشرة الاقتصادية للمصرف المركزي قد بلغ في نهاية يونيو من هذا العام نحو 180 مليار درهم تركزت معظمها في ودائع المقيمين والتي بلغ حجمها بنحو 170 مليار درهم فيما لم تتجاوز ودائع غير المقيمين العشرة مليارات درهم، ومن هنا فان البحث عن فرص استثمارية وتوظيف الودائع بالاستثمار فيها من شأنه ان يعمل على تحريك القطاعات الاقتصادية ولاسيما الانتاجية منها (الصناعة والزراعة) حيث تأثرت هذه القطاعات بسبب ارتفاع اسعار الفائدة على الودائع خلال السنوات الماضية ويمكن بالتالي ان يتم توجيه الائتمان المصرفي الممنوح للمقيمين والبالغ حتى نهاية يونيو الماضي 137.7 مليار درهم لقطاعات انتاجية يحتاج لها الاقتصاد الوطني، وتلك القطاعات في حاجة ماسة لسيولة نقدية فقطاع الزراعة لم يتجاوز حجم الائتمان المقدم له عن 1.7 مليار درهم وبنسبة 1.2% فيما استأثر قطاع الصناعة بحجم ضئيل لم يتجاوز 10.2 مليارات درهم وبنسبة 7.4% على الرغم من أهمية هذين القطاعين في ايجاد قاعدة انتاجية قوية من الضعف الانتاجي في الاقتصاد الوطني، ويلاحظ ان قطاعاً في معظمه استهلاكيا هو قطاع الانشطة الاخرى يستأثر بالنصيب الاكبر من الائتمان المصرفي اذ بلغ هذا الائتمان المقدم له بنحو 45.3 مليار درهم وما نسبته 32.9% فيما جاء قطاع التجارة في المرتبة الثانية من حيث توزيع الائتمان المصرفي اذ بلغ الحجم المقدم له 42.1 مليار درهم وما نسبته 30.6% وفي ضوء ذلك فانه يمكن ان يحدث تحولا كبيرا في توزيع حجم الائتمان المصرفي على القطاعات الاقتصادية في الامارات فيما إذا تم الاستفادة من الانخفاض في اسعار الفائدة على الودائع المصرفية المحلية. رابعاً: ان انخفاض سعر الفائدة على درهم الامارات في السوق المحلية، انما يمثل فرصة سانحة امام الحكومة الاتحادية بتمويل عجز الموازنة المزمن من خلال اقتراضها من القطاع المصرفي المحلي حيث تكون تكلفة الاقتراض محدودة، ثم لا يشكل ذلك التزاما ماليا فيما اذا سعت الدولة بالاقتراض من السوق العالمية حيث لا فوائد على الدين الخارجي، ثم ان اقتراض الحكومة من شأنه ان يمثل فرصة امام المصارف كي تمنح جزءاً من ائتمانها المصرفي للحكومة بدلا من الايداعات الخارجية، كما ان هذه المصارف من خلال تقديمها هذا الائتمان تساهم وبشكل مباشر في معالجة الاختلالات الهيكلية في موازنة الدولة، وتحرك النشاط الاقتصادي بشكل غير مباشر من خلال تمويل الموازنة وتوفير الاعتمادات الكافية للحكومة كي تزيد من انفاقها الاستثماري كي لا يصاب هذا الجانب باختناقات قد تنعكس وبشكل سلبي على الاوضاع الاقتصادية بالدولة. خامساً: قيام القطاع المصرفي بتمويل المشاريع التجارية والاستثمارية بأسعار فائدة ومنخفضة من شأنه ان يعزز حركة الاستثمار وتنمية القطاع الخاص واحداث تنمية اقتصادية يكون للقطاع الخاص دور حقيقي وفاعل فيها خاصة وان الدولة تسير في اتجاه خصخصة المشاريع العامة وتسليم القطاع الخاص قاطرة التنمية الاقتصادية وعندما تتوفر للقطاع الخاص المناخات المناسبة والبيئة المشجعة من قبل الحكومة وعندما يجد التمويل اللازم بالتكلفة المناسبة لمشاريعه فانه لن يتردد في القيام بدوره في تحريك النشاط الاقتصادي خاصة اذا ما اتيحت لهذا القطاع فرصة الاستثمار في مشاريع انتاجية كقطاع الصناعات البتروكيماوية بانتاج صناعات أو المساهمة فيها، مع الاشارة إلى ان المشاريع الصناعية ولاسيما في قطاع النفط تحتاج إلى تمويل ضخم وقروض طويلة الاجل، والقطاع المصرفي التجاري بما تتوفر لديه من سيولة كبيرة فانه يستطيع المساهمة الفعلية بشكل مباشر وغير مباشر في خدمة الاقتصاد الوطني حينما يقدم تسهيلات ائتمانية بفائدة منخفضة ومشجعة فالقطاع الخاص امامه فرصة عليه ان يغتنمها في تمويل مشاريعه بكلفة منخفضة. ان قيام القطاع المصرفي التجاري بتمويل المشاريع التنموية ولاسيما الصناعية انما يؤكد الدور المنوط به في دعم مشاريع التنمية الاقتصادية وخدمة المجتمع ويعتبر ذلك تغييرا في هيكل الائتمان المصرفي لديه حينما يوفر هذا الائتمان لمشاريع انتاجية بدلا من توظيفها وتوجيهها نحو الاستهلاك والقروض الشخصية حيث تؤكد البيانات والاحصاءات المصرفية عليه، كما ان تمويله لمشاريع التنمية العامة والخاصة انما يعكس الثقة الكبيرة والمطلوبة في الاقتصاد الوطني، وثقة الدولة في قدرة القطاع المصرفي في التمويل ذو الاجل الطويل، وهذا من شأنه ان يعزز من توجه الدولة (الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية) نحو اعطاء هذا القطاع الفرصة كاملة نحو الاستثمار في المشاريع الاستراتيجية التي تحقق للمصارف العائد المناسب لرؤوس اموالها واستثماراتها وتعزز هذه المصارف قدرتها فنيا واداريا وماليا في مواجهة المرحلة المقبلة التي سوف يشتد الصراع فيها بين مصارفنا الوطنية والمصارف الأجنبية سوف تتواجد في سوق الامارات.