شهدت الأيام القليلة الماضية زيادة في حدة توتر العلاقة بين الحكومة المصرية متمثلة في السلطات النقدية وشركات الصرافة التي باتت تخضع لرقابة دقيقة من جانب أجهزة مباحث الأموال العامة وتلاحقها الإتهامات بالمضاربة في العملات الأجنبية وخاصة الدولار وتمويل نشاطات محرمه في مقدمتها المخدرات، وأنها تعرض الأمن الاقتصادي المصري لخطورة بالغة نتيجة تورطها في عمليات مشبوهه لانعاش التعاملات في السوق السوداء والعمل على زيادة سعر الدولار لاقصى حد ممكن دون مبررات حقيقية للزيادة بهدف تحقيق أرباح طائلة. ورغم إعلان شركات الصرافة في إجتماعها الموسع قبل عدة أيام التزامها الكامل بالتعامل وفق آلية الصرف المعمول بها والتعاون مع الحكومة في التصدي للسوق السوداء وسماسرة العملة .. إلا أن هذه الشركات مازالت في قفص الإتهام حيث يحملها الخبراء والمسئولون المصرفيون مسئولية الحمى التي أصابت الدولار وجعلته يرتفع بهذه الصورة العشوائية بمقدار 90 قرشا في أقل من أسبوعين .. ويؤكدون أن الهدوء النسبي في تعاملات السوق السوداء وتراجع سعر الدولار غير الرسمي إلى 525 قرشا بعد أن تجاوز 580 قرشا على ضوء إغلاق 38 شركة صرافة حتى الآن واعتقال بعض المضاربين وسماسرة العملة يثبت بما لا يدع مجالا للشك تورط هذه الشركات في نشاطات مشبوهه لضرب العملة الوطنية. وحسبما تؤكد مصادر رسمية فإن عدد شركات الصرافة في مصر يبلغ 116 شركة بخلاف 28 فرعا تابعة لها في المحافظات وان إجمالي رؤوس أموال هذه الشركات لا يتجاوز 130 مليون جنيه وهناك 70% منها لا يتجاوز رأسمالها مليون جنيه مقابل شركة واحده يصل رأسمالها إلى 10 ملايين جنيه ويتبعها 8 فروع وحوالي 11 شركة يتراوح رأسمالها بين 5.3 ملايين جنيه .. كما أن الغالبية العظمي من هذه الشركات مملوكه لتجار عمله وسماسرة سابقون باستثناء نحو 16 شركة لبعض البنوك ورجال الأعمال.. وبالرغم من ضآلة رؤوس أموال تلك الشركات وحجم الأموال المتاحة للتشغيل بالإضافة إلى افتراض أنها تتعامل مع الأفراد وتلبية الاحتياجات العاجلة والتي لا تمثل سوى 5% من إجمالي حجم التعاملات في النقد الأجنبي داخل سوق الصرف المصرية .. رغم كل ذلك فإن حجم التشغيل الحقيقي غير المثبت في السجلات الرسمية الخاضعة للتفتيش والرقابة الدورية يتجاوز مليارات الدولار، ونتيجة لذلك جاءت القرارات التي صدرت مطلع العام الماضي 2001 برفع رأسمال شركات الصرافة إلى 10 ملايين جنيه كحد أدنى بدلا من مليون جنيه حيث لا يعقل أن شركة رأسمالها مليون جنيه فقط لها 5 فروع وتجهيزات تتكلف 200 ألف جنيه وتستهلك نحو 90% من رأسمالها في تأسيس مقرها الرئيسي وفروعها ولا يبقى لديها سوى 150 ألف جنيه للتشغيل بينما كانت تتعامل يوميا في أكثر من 200 ألف دولار الأمر الذي يثير العديد من الشبهات ويطرح تساؤلات عديدة حول حقيقة نشاط هذه الشركات. وفي مقابل قائمة الإتهامات السابقة يؤكد أصحاب شركات الصرافة أن الحكومة تحاول تبرير السياسات النقدية والمصرفية الخاطئة والتي أدت إلى الوضع الحالي على حساب شركات الصرافة وتسعى لإلصاق هذه التهم بها لإجبارها على الاغلاق .. وأوضحوا أن شركات الصرافة لم تتعرض لمثل هذا الهجوم العنيف منذ تأسيسها في مايو عام 1991 وأن هذا الهجوم بدأ فقط عندما تحرك سعر الدولار أمام الجنيه نتيجة سياسات وقرارات عشوائية لا علاقة لشركات الصرافة بها . وأكدوا أن إعلان شركات الصرافة الإلتزام بآلية الصرف الرسمية والتعاون مع الحكومة في مواجهة عمليات المضاربة يثبت عدم تورطها في هذه العمليات .. كما أشار أصحاب شركات الصرافة إلى رفض العديد من الإقتراحات التي تقدموا بها لسلطات النقد المصرية من أجل التعاون في القضاء على السوق السوداء، وكذلك شددوا على أن خروج بعض الشركات عن ميثاق الشرف والتورط في عمليات مشبوهه لا يعني أن كل الشركات فاسدة خاصة وأن هناك بنوكا متورطة في عمليات المضاربة دون أن توجه لها أية إتهامات وذكر أصحاب شركات الصرافة أن نوايا الحكومة تجاه شركات الصرافة غامضة بدليل محاولات إجبار هذه الشركات على زيادة رأسمالها إلى 30 مليون جنيه والزامها بتنفيذ هذه الزيادة خلال فترة قصيرة بهدف تعجيزها .. بالإضافة لمحاولة إلزامها بنشر قوائمها المالية كل 3 أشهر أسوة بالشركات المقيدة في سوق الأوراق المالية فضلا عن وجود نص في قانون البنوك الجديدة يلزم شركات الصرافة بزيادة رأسمالها إلى 50 مليون جنيه . وحذروا من أن الأوضاع الراهنة والممارسات البوليسية ضد شركات الصرافة ستضاعف من الفوضي في سوق الصرف . وستؤدي إلى إنسحاب معظم شركات الصرافة من السوق خوفا من السجن أو الاعتقال نتيجة مخالفة أو خطأ غير مقصود. وبين الهجوم الحكومي على شركات الصرافة والهجوم المضاد من شركات الصرافة على الحكومة يرى خبراء اقتصاد أن الأزمة الراهنة في سوق الصرف خاصة المتعلقة بانخفاض الجنيه أمام الدولار بهذه القيمة تحتاج إلى تنسيق وتعاون بين كافة الأطراف ومنها شركات الصرافة من أجل صياغة آلية تقضي على السوق السوداء وتضع الدولار في قيمته الحقيقية بالإضافة إلى ترشيد الاستيراد وفك الإرتباط بين الجنيه والدولار والتعامل من خلال سلة عملات تعكس توازنات العلاقات الاقتصادية المصرية مع كل الأطراف الخارجية في أوروبا وأمريكا واليابان. وأكد محمد البربري كبير مستشاري البنك المركزي أن المواجهة الحالية مع شركات الصرافة لم تأت من فراغ .. مشيرا إلى أن هناك العديد من الأدلة التي تثبت تورط بعض هذه الشركات في ممارسات ضارة .. واضاف أن هذه المواجهة لن تتوقف طالما أن هناك شركات تصر على المضاربة وتعريض الاقتصاد الوطني لمخاطر كبيرة.. موضحا أن السلطات النقدية بالتعاون مع أجهزة الأمن ستواصل حملاتها المكثفة على شركات الصرافة لضبط الشركات المخالفة التي تمتنع عن بيع الدولار أو تضارب على سعره في السوق.. واشار إلى أن البنك المركزي سيراقب بشدة وصرامة سوق الصرف عن قرب ويضع شركات الصرافة تحت السيطرة وفق معايير وضوابط محددة للحيلولة دون تدهور أكثر في الأوضاع داخل سوق صرف العملات الأجنبية خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الاقتصاد الوطني.. كما شدد على أن البنك المركزي لن يتراجع عن السياسة التي يمارسها في دعم ومساندة البنوك في توفير احتياجاتها الضرورية لتغطية طلبات العملاء الجادين.. مشيرا إلى أن التحريك الأخير لسعر صرف الدولار بحوالي قرش واحد من 450 قرشا إلى 451 قرشا لم يكن عشوائيا وإنما بناء على دراسات وافيه ومفصله عن أوضاع سوق الصرف الحالية والمتوقعة حتى منتصف العام الحالي .. متوقعا أن تساهم حزمة الإجراءات الحالية من رقابة لنشاطات شركات الصرافة والتزام بضخ 250 مليون دولار شهريا في البنوك في تنفيذ آلية الصرف المعمول بها في ضبط أداء سوق صرف العملات الأجنبية خلال الفترة المقبلة. وشن علي نجم محافظ البنك المركزي المصري الأسبق هجوما عنيفا على شركات الصرافة مطالبا باغلاقها لفترة مؤقتة وقصر التعامل على البنوك لحين استعادة السوق لاستقراره .. مؤكدا أن ما حدث من ممارسات لهذه الشركات كان يتطلب مواجهة حاسمة منذ فترة طويلة حيث تتعمد هذه الشركات رفع سعر الدولار لدرجة لم يسبق لها مثيل سواء داخل مصر أو في أي دولة عربية أو أجنبية وذلك بهدف جذب أعداد كبيرة من حائزي الدولار وتكوين جماعة ضغط تقود سعر الدولار حسب ما تريد.. وأشار نجم إلى أن السياسة الخرقاء التي أتبعتها شركات الصرافة خرجت بها عن مسارها الشرعي كآلية مساندة للبنوك ووسيلة لتلبية احتياجات الأفراد العاجلة وبالتالي لابد من إعادتها لمسارها الطبيعي بعد أن أصبحت قطاعا غير منظم أقرب إلى شركات توظيف أموال تستنزف موارد الدولة من النقد الاجنبي التي تراجعت بحدة بعد أحداث سبتمبر الماضي. وأضاف نجم أنه في الوقت الذي استقبلت فيه خزائن شركات الصرافة مليارات الدولارات استدار أصحاب الأعمال من المستوردين وشركات السياحة وحتى الأفراد إلى البنوك يطالبونها بتوفير احتياجاتهم من الدولار وعملات أخرى في مقدمتها الريال السعودي الأمر الذي أوجد ضغطا هائلا على العمله الوطنية وكان لابد من وقفه مع هذه الشركات التي لم تحترم القواعد أو تلتزم بآلية الصرف الرسمية وتسببت بممارستها في زيادة سعر الدولار رسميا بنحو 25% خلال العام الماضي. وتابع أنه على الرغم من أن تعاملات شركات الصرافة لا تمثل سوى نسبة ضئيلة إلا أن تأثيرها السلبي يأتي من مناخ الشائعات التي تروج لها في السوق وتجعل حائزي الدولار يحجمون عن بيعه ويفضلون تخزينة سعيا وراء ما تشيعه الشركات من موجات إرتفاعات قادمة في سعر الدولار، مؤكدا أن تعاملات شركات الصرافة غير المنظورة تتجاوز مليارات الدولارات. ورهن نجم نجاح الإجراءات الحكومية المتعلقة بشركات الصرافة في ضبط أداء سوق الصرف بإجراءات تكميلية أخرى لابد من تفعيلها في مقدمتها ترشيد الاستيراد وتعظيم الصادرات والسعي لاستعادة معدلات التدفق السياحي الطبيعية وتشجيع المصريين العاملين بالخارج على تحويل أموالهم إلى البنوك بدلا من تخزينها لبيعها في شركات الصرافة التي تعرض أسعارا مرتفعة من أجل اكتناز الدولار والمضاربة عليه .. فضلا عن الإلتزام بضخ 250 مليون دولار شهريا وتغطية مراكز البنوك المكشوفة. ويؤيد مصطفي زكي رئيس شعبة المستوردين إتخاذ الحكومة للإجراءات الصارمة ضد بعض المخالفين من الشركات موضحا أن هذه الشركات كانت تتهم المستوردين بأنهم وراء اشتعال سعر الدولار. القاهرة ـ يوسف شاكر: