نجح د. شكري غانم شخصية ليبية استطاعت خلال السنوات الماضية في كسب ثقة المنظمات الدولية الأوروبية والعالمية من خلال نجاحه في شغل منصب مدير إدارة الابحاث والقائم بأعمال سكرتير منظم الأوبك لمدة دورتين متتاليتين وأخيراً تم تعيينه في منصب أمين اللجنة الشعبية العامة للاقتصاد والتجارة في ليبيا «وزير». وظل د. غانم فترة طويلة في منظمة الأوبك في فيينا وعرف الكثير عن خبايا هذه المنظمة: د. شكري غانم يتحدث عن تجربته في منظمة أوبك وعن أسعار النفط ولماذا التقلبات في الأسعار مؤخراً. يقول د. شكري غانم: من خلال تواجدي في منظمة أوبك ألاحظ ان هناك أخطاء في التقديرات لأن أسعار النفط صارت بيد الخبراء الاستراتيجيين بمعنى ان المنطق الاقتصادي لم يعد وحده يحكم أسعار النفط فهو يخضع لعدة أسباب ومعايير وأسعاره صارت معركة ادارات سياسية ومناورات بين القوى الكبرى والنفط أصبح يخضع لنتائج معركة إدارات بين قوتين احداهما أوبك أهم تجمع للمنتجين والثانية القوى الصناعية المستهلك الأكبر وكما نعلم فإنه لامجال للمقارنة بين القوتين فالمستهلكون قوى جبارة طاغية وأوبك تجمع دولاً صغيرة ضعيفة ولا أدل على ذلك من ان الكتلة الكبرى «الكتلة العربية» لم تستطع خلال الثلاثين عاماً تحقيق أي مكاسب سياسية مهمة من قضايا صغيرة لكنها مهمة بالنسبة لهم، وفي الوسط يقبع منتجون آخرون خارج أوبك ويمكن تقسيمهم الى ثلاث فئات: الأولى: منتجون مستهلكون: أي المنتجون من الدول الكبرى المستهلكة أساساً للطاقة مثل النرويج وبريطانيا وهؤلاء يميلون في هذا الصراع الى عالمهم المستهلك. الثانية: منتجون نفعيون، أي أولئك الذين يبحثون عن منافعهم الخاصة وهؤلاء عادة ما تكون قواهم من طرف القوى المستهلكة. الثالثة: منتجون تابعون لأوبك وهذه دول صغيرة لايشكل انتاجها أي ثقل في السوق النفطي وهم ينسقون مع أوبك لمصلحتهم، ومن هنا نرى كفة ميزان الصراع لغير صالح أوبك لكنني أرى ان المستقبل لهذه المنظمة. ـ هل الصراعات السياسية هي المتحكمة في سوق النفط؟ ـ ليس تماماً ولكنه الأكثر تأثيراً وهناك عوامل اخرى ساعد بعضا منها ولكن قبل ذلك أود الاشارة الى تدليل واضح لسيطرة الارادات السياسية على السوق، فبالمنطق الاقتصادي ووفق قوانين السوق ولهذا ارتفعت الأسعار بسرعة عقب أحداث سبتمبر وظلت ترتفع بينما الولايات المتحدة تركز جهودها السياسية والعسكرية للرد متغافلة عما يجري، وعندما رتبت أمورها تجاه الرد انتبهت فجأه الى النفط فمارست ضغوطها من أجل تخفيض الأسعار وهذا ما حدث لينقلب منطق السوق. أما العوامل الاخرى فهي: ـ المضاربات المستمرة في أسواق النفط وخاصة الأسواق المستقبلية فالنفط يتم التعامل فيه كأي سلعة اخرى من هذه الأسواق وبالتالي يكون عرضة للمضاربات والنفط سلعة حساسة شديدة التأثير في الاقتصاديات بمجملها وبالتالي المضاربة فيه لعبة خطيرة. ـ كثرة التشريعات في الولايات المتحدة الأمريكية وهي أكبر سوق دولي مستهلك اذ كثيراً ما تخرج تشريعات جديدة تشمل تغيراً في المواصفات الذي ينعكس بدوره على العرض والطلب ويؤثر في الاسعار. ـ الضرائب الباهظة التي تفرضها الدول الصناعية على المنتجات النفطية وقد يعتقد الافراد أو المؤسسات المستهلكة من الغرب أن أوبك والدول المنتجة هي المسئولة عن الزيادة المستمرة في قيمة ما يدفعونه للمنتجات النفطية وقد قامت اوبك في السنوات الأخيرة بحملة اعلامية مكثفة بينت فيها للمستهلكين النهائيين ان نسبة ما تأخذه خزانة بعض الدول المستهلكة قد يقترب من 80% مما يدفعه المستهلك في صورة ضرائب وتعتبر فرنسا والمانيا وايطاليا وبريطانيا من أكثر الدول فرضاً للضرائب. وفي المحصلة فان الدول المنتجة لاتقبض مما يدفعه المستهلك من هذه الدول في بعض الأحيان أكثر من 15% وهذه النسبة لاتكاد تكفي لتغطية نفقات الاستكشاف والنقل والتصنيع وغيرها، أي ان المنتجين لو منحوا النفط مجانا لما انخفض سعره عند المستهلك نهائياً، ورغم جهود أوبك مازالت تلك الدول تفرض الضرائب العالية وتجني من النفط أكثر مما يجنيه المنتجون وهي معادلة مضحكة حقيقة. ـ عامل آخر مهم وخطير بدأ يظهر في السنوات الأخيرة وهو المسمى بالتغير المناخي وزيادة حرارة الارض نتيجة زيادة نسبة الكربون في الجو والذي ساهم ما يسمى بالوقود الأحفوري في نسبة منه ورغم ان هناك خلافاً حول مدى مسئولية هذا الوقود وحجم المسئولية إلا ان العديد من الدول المستهلكة بدأت في اتخاذ اجراءات لفرض ضريبة جديدة على النفط اسموها بالضريبة البيئية، رغم ان ما ينبعث من النفط من غاز ثاني أكسيد الكربون أقل بكثير من الانبعاثات الصادرة من الفحم الذي تنتجه الدول الصناعية بكميات كبيرة وفي كثير من الأحيان يمنح انتاج الفحم اعانات بدلاً من فرض الضرائب كما هو الحال بالنسبة للنفط ورغم فشل الدول المستهلكة في الاتفاق على بروتوكول للتخفيض من الانحباس الحراري الا ان سهام الجميع وجهت الى النفط ووجهت نظر المنظمة الى هذا الموضوع «حق يراد به باطل»، وقد طرحت أوبك فكرة معاملة مصادر الطاقة جميعها بعدالة أي ان تكون الضريبة وفي مساهمة كل مادة في هذا الانبعاث هذه تقريباً أهم العوامل المؤثرة في السوق وهناك عوامل اخرى جانبية لكن يحتاج لوقت. ـ نسمع كثيراً ان منظمة أوبك فقدت تأثيرها في السوق لزيادة أعداد المنتجين بشكل مستمر هل لهذه الاراء موقع من الحقيقة؟ ـ منظمة أوبك تملك ما يزيد على ثلاثة أرباع احتياطي النفط العالمي ومع ذلك فهي تنتج ما يقرب من 40% فقط وهذا يعني ان نفطها سيكون متوفراً لمدة أطول من نفوط الدول الاخرى خارج المنظمة وتدل الدراسات على ان الطلب العالمي سيزداد بمقدار مليون برميل سنوياً وسيزيد عن 100 مليون برميل 2020 ودول أوبك هي الوحيدة القادرة على تغطية هذه الزيادة، فمن المتوقع ان تزيد مساهمتها على خمسين مليون برميل يومياً والاكتشافات في المنطقة العربية تبشر بأنها ستغطي الطلب العالمي الى مدى غير متصور ومحدود بدقة، ففي دولة مثل ليبيا يرجح ان تكون هناك كميات مهولة من النفط غير مكتشفة حتى الآن هذا يعني الزيادة المستمرة لأهمية المنظمة خاصة اذا أخذنا في الحسبان الدراسات الدالة على ان الدول المنتجة خارج أوبك والتي تنتج حاليا 48 مليون برميل يتناقص انتاجها باستمرار مثل النرويج وبريطانيا مقابل اكتشافات جديدة في دول جديدة أخرى وهذا يعني ان الدول المنتجة خارج المنظمة يزداد انتاجها من ناحية وينقص من ناحية اخرى، لكن النقص هو النسبة الغالبة اما نفوط المنظمة فتزداد باستمرار مما يعني اهميتها القصوى مستقبلا وخصوصاً منطقتنا العربية. ـ لماذا لا ينضم منتجو العالم الثالث جميعهم إلى المنظمة؟ ـ هذه تخضع لمعادلة الصالح العام، فالمنتجون الصغار الذين يتميز نفطهم بأنه محدود الاجل والمدة يرون انه ليس من صالحهم الانضمام إلى المنظمة لان الدخول في اي منظمة له عدة جوانب ستتحمل اعباء مثلما تجني من مكاسب، ففي مطلع التسعينيات انسحبت بعض الدول من المنظمة مثل الاكوادور والجابون والسبب في ذلك انهما رأتا ان تتحمل المنظمة اعباء تنظيم السوق بما في ذلك تخفيض الانتاج في حين تتمتع هي بالمزايا السعرية فقط، اي سياسة «لها الغنم وليس عليها الغرم» لذلك فهي تفضل التنسيق مع اوبك وليس الدخول اليها. ـ ما هي حكاية نفط بحر قزوين الذي يتحدث عنه العالم الآن؟ ـ الحديث عن نفط قزوين لا يعدو كونه خزاعة اعلامية يستغلها المستهلكون في وجه المنتمين للسيطرة على السعر، فرغم وجود النفط في قزوين وبكميات كبيرة الا انه لم يسبق لاحد ان قال ان بحر قزوين سيكون المنطقة العربية الجديدة يجوز ان يصل انتاجه في نهاية 2010 إلى 2 مليون برميل وإلى ستة ملايين في عام 2020 ولكن ماذا تساوي هذه الكمية في حجم الطلب الذي قلنا انه سيتجاوز 100 مليون برميل في ذلك العقد، كذلك فإن تلك المنطقة تعاني من مشاكل عديدة: ـ المبالغة في التوقعات التي ثبت عدم دقتها وادى ذلك إلى انسحاب بعض الشركات وقامت اخرى بتخفيض استثماراتها. ـ مشكلة النقل المكلفة سواء عبر الناقلات او الانابيب. ـ وجوده في بؤرة توتر وكذلك خطوط الانابيب المقترحة لذلك كله تبقى بؤرة النفط العربية اهم بؤرة مزودة بالنفط للمستهلك الاوروبي. ـ ماذا عن الطاقات البديلة في الاستهلاك النفطي؟ ـ الطاقات البديلة اذا استثنينا الغاز الذي هو توأم النفط ويتركز في منطقتنا مشاكلها كبيرة، فالطاقة الذرية مشكلتها التلوث والاشعاع اما الرياح والامواج والشمس فتحتاج إلى استثمارات هائلة ومع ذلك فلن تكون ذات اهمية كبيرة في المستقبل المنظور والحل الوحيد هو الذي يعمل عليه الغرب حالياً، يتمثل في تحسين انتاج المحركات العاملة بالنفط لتستهلك الوقود بنسبة اقل ولكن في المقابل فإننا نرى ان عدد المحركات سيزداد وبالتالي زيادة استهلاك النفط واهمية اوبك ودولها وخاصة في المنطقة العربية. ـ برأيك ما هو السعر المناسب للنفط؟ واين يقع الخلل؟ هل يقع في اوبك او الدول المنتجة خارجها ام في الآلية التي تتعامل بها الدول المستهلكة مع الاسعار؟ اما في النظام العالمي اساساً بما يتصف به من حرص الاغنياء على استمرار احتكارهم للثروة دون الفقراء.؟ ـ منذ تأسيس المنظمة من اربعين سنة شهدت المنظمة هزات عنيفة لكنها بقيت متماسكة والحقيقة ان قوة المنظمة من قوة اعضائها وكذلك ضعفها وخلال تواجدي في المنظمة والتي شهدت حربين من اهم مناطق الانتاج اي حرب الخليج الاولى والثانية وبدأت الخلافات الخارجية بين الاعضاء تلقي بظلالها على المنطقة وبدأ ما سميناه حرب الانتاج، فشرعت بعض الدول نكاية في دول اخرى عدم الالتزام بحصصها خاصة عامي 97 ـ 98 مما ادى إلى اعراق السوق وتدني السعر إلى ما دون 10 دولارات للبرميل وفشلت جميع الجهود لكبح هذا الانهيار، فلجأت المنظمة إلى استصدار قرار جاكرتا الشهير القاضي بزيادة الانتاج. هذا القرار اعطى لكل دولة حق انتاج وبيع ما تستطيع وما تريد وانطلقت حرب الاسعار التي تدنت إلى مستوى قياسي لامس 5 دولارات للبرميل وتضررت الدول المنتجة واذا علمنا ان انخفاض دولار واحد للبرميل يعني خسارة عشرات مليارات سنوياً للاعضاء نستطيع تقدير هول الخسارة واهمية الالتزام بقرارات المنظمة كما قلتم التنسيق بين الاعضاء وحماية مصالحهم والتنسيق مع المنتجين من خارج المنظمة وذلك لقرار كان لمصلحة كافة المنتجين داخل وخارج اوبك فهو كان بمثابة الصدمة الكهربائية التي اعادت الوعي اليهم. ـ هل استفاد المصدرون من هذا الدرس؟ ـ نعم بالتأكيد كان الدرس قوياً وجعل المنتجين جميعاً يفهمونه مباشرة ويحاولون تخفيض الانتاج والمحافظة على التوازن فالانانية تبين انها لم تعد مأمونة فإذا ما حاولت دولة زيادة انتاجها فوق حصتها لتحقيق مكاسب على حساب الآخرين فإن الآخرين سيلجأون إلى نفس الطريقة وبالتالي سيلحق الضرر بالجميع ويكون الملام من بدأ التجاوز كما تعرفون فإن نظام الحصص سعى للتوازن بين الاحتياطات والسوق وتوازن بين العرض والطلب بمستوى مناسب يحقق دخلا يمكن الركون اليه في تمويل خطط التنمية. وقد كانت نتائج قرار جاكرتا ايجابية فاعضاء المنظمة بدأوا يلتزمون اكثر من السابق بحصص الانتاج من ناحية ومن ناحية اخرى بدأوا متابعة دقيقة للسوق واتفقوا فيما بينهم على مستوى للاسعار يتعين المحافظة عليه، كما تم الاتفاق على ان يكون المتوسط السعري لسلة اوبك 22 ـ 28 دولارا للبرميل فإذا زاد الحد الاعلى فإن الاعضاء سيزيدون الانتاج واذا انخفض عن الحد الادنى فإن الاعضاء سيخفضون الانتاج وهذه الآلية تعتبر انجازاً مهماً في تاريخ المنظمة. وفي الوقت الذي اكدت فيه الدول الاعضاء انها لن تقف مكتوفة الايدي امام الانخفاض المتكرر الذي يفاجئهم، فإنها بينت بوضع حد أعلى للأسعار بأنها ليست منظمة استغلالية جشعة يهمها الارباح وعدم مراعاة ظروف المستهلكين في الدول المستهلكة، وجزء منها يقع ضمن النسيج الحضاري للدول المنتجة اي دول العالم الجنوني وتطبيق الآلية هذه يوفر حتى عدم عقد اجتماع الوزراء وقد تم الاتفاق على التخفيض والزيادة اكثر من مرة بدون اجتماعات. ـ هل ترون ان آلية ضبط السوق وان نجحت عادلة للاسعار الحالية؟ ـ في الحقيقة سعر النفط الحالي غير عادل على الاطلاق وهذا امر تقع تبعاته على الاعضاء والمنتجين خارج اوبك فإذا اردنا سعراً عادلاً فعلينا ضرب السعر السابق في مطلع السبعينيات في نسبة التضخم وعندها سيكون سعر النفط للبرميل اقل بقليل من 200 دولار للبرميل والغريب ان الدول المنتجة للنفط لا تنظر إلى المعادلة الحقيقية لسعر النفط فإذا كانت السلع المستوردة من الدول الصناعية قد تضاعفت عشرات المرات فكيف نبيعهم النفط بعد تخفيض السعر كما كان عليه. المعادلة يجب ان ينظر اليها هكذا اي النظر إلى القدرة الشرائية لعائدات النفط بين الامس واليوم اي النظر إلى دخل الفرد وهو ما يسمى التضخم وهو مالا ينظر اليه المنتجون جميعاً اي لابد ان يتلازم مؤشر التضخم مع متوسط الاسعار الموضوعة الآن والا لن نجد انفسنا بعد عشر سنوات مقبلة. طرابلس ـ سعيد فرحات: