تناول موضوع التخصيص بدول مجلس التعاون الخليجي عدة مرات ومن زاويا مختلفة بالنظر لكونه يبرز في الوقت الحاضر كأحد أبرز سياسات الاصلاح الاقتصادي التي تسعى دول المجلس لاتباعها والترويج لها على كافة الاصعدة، وبنفس الوقت افتقار هذه الدول الى التشريعات والقواعد المتكاملة ـ المنفردة او الموحدة ـ التي سوف تتعامل بموجبها مع كافة القضايا والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والرقابية والعمالية التي قد تنجم عن تنفيذ سياسات التخصيص. وهذا لا يعني ان دول المجلس لا تملك القدرة او التصور الذي يؤهلها لوضع مثل هذه التشريعات والقواعد. وانما لا بد من بذل مزيد من الجهود البحثية والعلمية من قبل الاجهزة المعنية بهدف وضع ما تراكم حتى الآن من خبرات ضافة إلى خبرات التجارب العالمية في إطار دليل واضح للتعامل مع القضايا المتوقع أن تنشأ في إطار توفير مستلزمات نجاح تلك السياسات. وكما سبق ان ذكرنا فان الحديث عن موضوع التخصيص بدول مجلس التعاون الخليجي يرتبط في الوقت الحاضر بالتوجهات الحثيثة لهذه الدول من اجل تحسين كفاءة اداء انشطتها الاقتصادية، كما يرتبط بالجهود المتواصلة الهادفة الى توفير ارضية ملائمة كي يقوم القطاع الخاص الخليجي بلعب دور اكبر في التنمية الاقتصادية. وكارضية لمناقشة بعض من القضايا الاساسية التي اشرنا اليها سابقا نعود للتصورات التي سبق للامانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي ان طرحتها كمقترحات لاطر عامة لسياسات التخصيص بدول المجلس، وقد بنيت هذه الاطر استنادا الى تجارب عدد من دول المجلس مثل المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان اللتين تقدمتا بدراستين حول تجاربهما في هذا المجال، ويلاحظ ان هذه الاطر تتعامل مع اربع قضايا رئيسية وهي: الاولى قضية شكل ملكية وادارة الشركات المخصخصة والامتيازات الممنوحة لها، والقضية الثانية هي موضوع العمالة والقضية الثالثة هي اسعار الخدمات المخصخصة والقضية الرابعة آليات الرقابة على الشركات المخصخصة0 ونحن نحاول هنا ان نتناول هذا القضايا في ضوء تجارب التخصيص في بلدان العالم. واذا ما اردنا الحديث عن القضية الاولى، تقترح الاطر العامة ان يتم اختيار الشركة المناسبة التي سيتم اناطة تمويل وادارة المشروع بها من خلال مناقصة مفتوحة يدعى لها اكبر عدد من الشركات، كذلك تأخذ الشركة التي تؤسس لمشروع التخصيص شكل شركة مساهمة عامة تطرح ما لا يقل عن 40% من اسهمها للاكتتاب العام، ولا تقل نسبة المشاركة الوطنية فيها عن 51%، وتقترح الاطر كذلك ان يتم التعامل مع الشركات التي تؤسس لمشروعات التخصيص والتي لا تمنح ضمانات حكومية لشراء منتجاتها او جزء منها، معاملة الشركات الصناعية من حيث ضريبة الارباح والرسوم الجمركية، وتدعو المقترحات كذلك الا تمنح الحكومة لمشاريع التخصيص اي قروض ميسرة او قروضا بدون فوائد الا في اضيق الحدود. وفيما يخص هذه القضية، فاننا ومن خلال استعراض تجارب التخصيص في الكثير من بلدان العالم يجب ان نؤكد بأن قرار التخصيص هو قرار سياسي في المقام الاول، أي انه يصدر من اعلى سلطة سياسية في البلاد لكي يأخذ صفة التنفيذ الجدي والشامل وبحيث يحدد هذا القرار الجهات التي سوف تولي الاشراف على تنفيذه مع اعطاءها الصلاحيات اللازمة للقيام بذلك والقطاعات والانشطة التي سوف يشملها قرار التخصيص، وفي المقام الثاني، فان قرار التخصيص يجب الا يمثل خطوة معزولة وقائمة بذاتها، بل ان يمثل جزءا من برنامج للاصلاح الاقتصادي، ان التخصيص ليست عصاه سحرية تشفى علل المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، فهذه الخطوة تهدف في جوهرها الى توسيع مشاركة القطاع الخاص في ادارة المؤسسات الاقتصادية القائمة وذلك بهدف تحسين كفاءتها وانتاجها، الا ان هدف الدول النامية ومنها الدول الخليجية يجب الا ينحصر على تحسين ما هو موجود من مؤسسات وانشطة بل وتوسيعها وزيادتها كما ونوعا، بالاضافة الى ذلك فان برامج الاصلاح الاقتصادي يجب ان تطال السياسات النقدية والمالية والتسعيرية والتجارية والقانونية، وهي جميعها سياسات وعناصر تمثل خطوطا متوازية احيانا، ومتشابكة احيانا اخرى مع برنامج التخصيص، وفي ضوء ذلك كله فان تحديد ملكية وادارة الشركات المخصخصة، وكذلك طبيعة الامتيازات الممنوحة لها يجب ان يتم على ضوء الاعتبارات السياسية والاقتصادية المذكورة اعلاه أي الاطار السياسي الاقتصادي الكلي لبرامج التخصيص وهذا الاطار للاسف لم تقم العديد من دول المنطقة بتحديده ومنهجته. وننتقل الى قضية اخرى تناولتها الاطر العامة للتخصيص التي وضعتها الامانة العامة لدول محلس التعاون الخليجي وهي قضية العمالة. ان الاطر العامة الخليجية ترى ان يتم تحويل الموظفين العاملين في المشروعات الخدمية والانتاجية التي يتم تخصيصها الى الشركة صاحبة الامتياز، قدر الامكان وبالتالي فان عبء التصرف بالعمالة الزائدة يلقى على عاتق المالكين الجدد للشركات المخصخصة، على اية حال، فان المقترحات التي اوردتها الاطر العامة يجب الا ينظر اليها كسياسة ثابتة، وانما يجب تطوير العديد من البدائل الاخرى، فلقد لجأت الكثير من الدول التي تبنت سياسات التخصيص الى تنفيذ عدد من الوسائل لتجاوز ذلك التخوف مثل اعادة استثمار حصيلة المشروعات المخصصة في انشاء مشروعات جديدة توفر فرص عمل للعمالة الفائضة او استخدام جزء من تلك الحصيلة لوضع برامج تشجع على التقاعد المبكر بالنسبة للرجال والتفرغ بوقت اكبر لتربية الاطفال بالنسبة للنساء.