وفي اعقاب الازمة المالية الآسيوية وتأثيرها الاجتماعي الاقتصادي، اكتسبت الحاجة الى تطبيق قيود عقلانية على القطاع المالي اهمية اضافية. فهشاشة التدفقات الرأسمالية قصيرة الاجل في الدول النامية تسبب القلق. وتشير التجربة الهندية الى ان النمط السلوكي للمستثمرين المؤسساتيين الاجانب كان متقلبا تماما. ومع ذلك، فان السلوك السابق لا يعتبر مؤشرا على الاتجاهات المستقبلية. ونحن نلاحظ ان المستثمرين اليوم يظهرون تحولا ايجابيا في مواقفهم مع تحسينهم «لنوعية» الاستثمار من خلال التأكيد على الابعاد الاخلاقية والبيئية والتنموية. ان جذب هذه الاستثمارات المسئولة من الدول الصناعية المترافقة مع موارد اقليمية ووطنية من شأنه ان يساعد دول جنوب آسيا على نقل اقتصاداتها الى مسارات نمو اعلى وعلى تحقيق اهداف تنموية. وتعتبر طاقة الاستيعاب لدى منطقة جنوب آسيا من حيث الاستثمار الاجنبي والتقنية شعاع امل في معالجة الشيخوخة العالمية. ويمكن النظر الى هذا الامر على انه احد مزايا عملية العولمة التي تقدمها فرصاً لكل من الدول المتطورة والنامية. اضافة الى ذلك، سيكون هناك عولمة من خلال هجرة دولية أكبر، وبدايات هذا التوجه باتت واضحة للعيان. ففي اوروبا، على سبيل المثال، والتي كانت مغلقة تقريبا على المهاجرين، هناك عدد من الدول تعمل على جعل اذونات العمل ومتطلبات الاقامة اكثر تسامحا لتشجيع الاجانب المهرة والمتعلمين على القدوم والعمل هناك، وإذا كان التاريخ يمثل أي دليل، فان التيارات الجديدة للهجرات الدولية لا تعطي سببا للتوترات والمخاوف، ولا يخطر على بال دولة لم تنتفع في نهاية المطاف من المهاجرين، وهناك مبعث قلق مرتبط بهذا الامر، فقد قدرت دراسة حديثة اجرتها جامعة هارفارد ان العمالة المهاجرة المؤقتة للولايات المتحدة من الهند ممن يحملون تأشيرات (H1-b) تسهم بحوالي 22 مليار دولار سنويا على شكل ضرائب مباشرة ودفعات للضمان الاجتماعي، وهذا المبلغ لا يعاد دفعه إلى حاملي تأشيرات (h1-b) عندما يعودون إلى الهند، ومن الواضح ان هذا وضع غير عادل. تضع خزانة الدولة الهندية استثمارات هائلة في تعليم وتدريب هؤلاء المهاجرين الذين يمتلكون مهارة عالية، وتقترح دراسة هارفارد انه سيكون من العدل لو ان الادارة الامريكية قامت باعادة ثلث أموال الضمان الاجتماعي أو نحو ذلك التي يتم تحصيلها من حاملي تأشيرات (h1-b) إلى حكوماتهم الوطنية. وبالنسبة للهند، فان هذا المبالغ سيصل إلى حوالي 7 مليارات دولار، وهذا مبلغ يفوق المساعدة السنوية كلها التي تتلقاها الهند من البنك الدولي والجهات المانحة الاخرى الثنائية الاطراف، وان من شأن مثل هذا التعويض ان يعمل على تعزيز ايمان العالم الثالث بالعولمة. ان الامر الذي قد يكون اكثر فائدة هو العولمة من خلال التقنية، وقد قادت الانترنت إلى ثورة حقيقية في هذا المجال عن طريق ازالة قيود الزمن والمسافة التقليدية، والتي ظهر نتيجة لها صناعة عالمية، وهي صناعة سميت بـ «خدمات متاحة عن طريق الانترنت» التي يتم بموجبها نقل العمل المكثف العمالة جيئة وذهاباً من خلال وسيط الانترنت، وتقوم التقنية بتسهيل انضمام ملايين «العمال الافتراضيين» إلى سوق العمل في الشمال حتى دون الحاجة إلى مغادرة بيوتهم، وفي الهند، يقدر بأن هذا القطاع سيدر أرباحاً بمقدار 50 مليار دولار في السنة، بينما سيوظف مليوني شخص، بحلول عام 2008، وهذا المجال لايزال في بدايته، وهو ينمو بسرعة عالية، وليس هناك من حد واضح للاعداد التي يمكن أن يوظفها. ان التهديد للعولمة يأتي من مكان آخر، وانه لمن الصعب جدا تسوية مشكلات الشيخوخة العالمية بالموقف الذي اتخذته الدول المتطورة في منطقة التجارة العالمية، ومبدأهم في هذا الاطار يبدو ملخصا في ان كل جماعة ضغط محلية ومصلحة مكتسبة يجب استرضاؤها حتى وإن كان هذا يعني بقاء موارد العمالة المتناقصة في العالم الصناعي محصورة في الوظائف قليلة المهارة وغير المنتجة، ان التجارة العالمية في المنسوجات والزراعة، وهي المجالات الاساسية التي تحتفظ بها الدول النامية بتفوق نسبي، ابقيت خارج قواعد نظام التجارة العالمي، وهناك ضرر مزدوج في هذا الامر، لانه وبصرف النظر عن الخسارة في مجال الرفاه للدول المتطورة نفسها، فان النتيجة كانت ابقاء معظم الدول النامية خارج الاقتصاد العالمي، وهذا لا يمكن اعتباره فأل حسن لمستقبل العولمة. البشر، أينما كانوا بعيدون كل البعد عن كونهم عبئاً على المجتمع، فهم يشكلون جوهرية وقوته الاساسية، وهذا ما يتعين على العالم ما بعد مالتوس ان يتعلمه، فليس هناك من مورد عالمي قيم وأكثر ابداعا من العقل البشري المتحرر. والعولمة لا يمكن ان تكلل بالنجاح اذا ظلت محصورة بالقاء العظات حول فضائل الاقتصاد المتحرر على الجنوب وسلبه افضل اشخاصه المتعلمين والمهرة بدون أي تعويضات، ويتعين ان يكون هناك جهد مواز، كذلك الذي وضع تصور له في قمة كوبنهاجن العالمية في عام 1995، من اجل دفع عمل التنمية الاجتماعية في الجنوب إلى الامام من خلال التعليم ومن خلال نقل المهارات والتقنية وعبر تنفيذ بعض من برامج الحاجات الاساسية، وباختصار عن طريق توفير البنية التحتية الاساسية لتمكين شعوب الجنوب من الوقوف على اقتراحها، وفي عصر ما يسمى بحقبة «الشيخوخة» فان مشردي العالم هم في الواقع مورده المحتمل، فدعونا دائماً نتذكر هذه الحقيقة.