نتابع اليوم نظاما اقتصاديا مهما من نظم توزيع الثروة والدخل في المجتمع الاسلامي. وسنركز الضوء على جوانبه الاقتصادية واثاره الاجتماعية. دون الغوص في ثناياه الفقهية الواسعة والمتشعبة. الزكاة احد اركان الاسلام الخمسة ولا يمكن تصور قيام نظام اسلامي حقيقي وعقيدي بدونها.. وهي بالواقع مجموعة نظم وليست نظاما واحدا.. فهناك زكاة على الاموال السائلة (النقود وما شابه) وزكاة على التجارة. وزكاة على العمل.. الخ. وكل هذه النظم تشترك في صفات واحدة اربع هي: ـ انها الزام ديني محدد وبموجبه يحول جزء من الدخل من الاغنياء الى الفقراء ولا يجوز صرفها الا للاغراض المحددة بالقرآن الكريم. فمثلا «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقابة والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم» التوبة 60. فلا يجوز مثلا صرفها في بناء المساجد او صيانتها ولا في اي شكل آخر حتى وان بدا ضروريا وللمصلحة العامة. واذا عرفنا ان سهم المؤلفة قلوبهم قد ازيل بعد ان قويت شوكة الاسلام ومنذ زمن بعيد يعود الى زمن الخلافة الراشدة في عهد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) والذي استند في ذلك على حكم قرآني آخر، كما ان سهم الرقاب هو الاخر اختفى باختفاء مبرراته لادركنا ان معظم حصيلة الزكاة ستذهب الى الفقراء والمحتاجين والمساكين. ـ تقوم السلطات العامة (الدولة) بجبايتها وانفاقها اي ان السلطة الاجتماعية هي التي تتولى عملية اعادة توزيع الدخل في المجتمع وليس الافراد. فالاصل في الدولة الاسلامية والنظام الاسلامي ان تدخل حصيلة الزكاة ببيت مال المسلمين عن طريق جهاز اداري متخصص ومحاسبي متكامل. ولكن ونظراً لعدم وجود نظام تمويلي اجباري للزكاة في اغلب الدول الاسلامية الان فان الافراد والمؤسسات الخيرية الاخرى تقوم بهذه المهمة. ـ ولكي تضمن سلامة وصولها الى مستحقيها فانه من الواجب الشرعي ان يفصل ميزانية الزكاة عن الميزانية العامة للدولة«ان الزكاة تستهدف ليس الدخل وحده وانما الثروة ايضا. مما يجعل حصليتها جيدة. برغم اقوال بعض المغرضين او المنتقدين لحصيلتها والتي هي في الغالب الأعم 2.5%. والادعاء بان عائد الزكاة قليل ولا يتناسب والاعباء الكبيرة التي تتحملها الدولة ادعاء غير دقيق. ولا تصدقه الحقائق ولا الوقائع التاريخية. وفي تقديرات تفصيلية لحصيلة الزكاة في قطرين عربيين هما سوريا والسودان تدحض تلك المزاعم وتفند تلك الادعاءات. لقد بلغت حصيلة الزكاة الممكنة في سوريا 3% من اجمالي الناتج القومي عام 1971 او ما يعادل 18% من اجمالي الاستثمارات الثابتة في تلك السنة واكثر من 20% من نفقات الميزانية الاعتيادية وباستثناء نفقات الدفاع والنفقات الاستثمارية، وفي السودان بلغت 28% من اجمالي الاستثمارات الثابتة وغير الثابتة و30% من نفقات الميزانية العادية وبضمنها نفقات الدفاع ولكن باستثناء النفقات الاستثمارية. (هذه النسب مأخوذة من دراسة جادة للاستاذ أنس الزرقاء المنشورة في مجلة الاقتصاد الاسلامي بالسعودية في وقت سابق). ان هذه النسب ليست جيدة وحسب في مقدارها وكميتها وانما جيدة في اثرها التوزيعي، الذي سيعمل على تقليل الفوارق الطبقية د اخل المجتمع ويردم جزءا كبيرا من الفجوة الاجتماعية بين الفقراء والاغنياء. وهذا ليس افتراضا او تكهنا وانما بعمليات حسابية متقنة. فلو اخذنا الآية الكريمة السابقة وحللناها. لوقفنا على ان اكثر من ثلثي حصيلة الزكاة سيذهب الى الفقراء اي بحدود 70% والباقي 30% سيصرف في مصارفها الاخرى وهذا على اقل تقدير.. وفي الحسابات السابقة على القطرين العربيين آنفي الذكر وجدنا ان حصيلتاهما في اقل تقدير هي 3% من الدخل والواقع انها قد تصل الى 4 ـ 5% من الدخل القومي فانا سنجد ان 2 ـ 3% من الدخل القومي سينساب سنويا للفقراء من خلالها. واذ علمنا ان افقر 10% من السكان يستلمون 2% من الدخل القومي فقط في اغلب دول العالم ومنها الدول الاسلامية. (حسب الاحصاءات المتوفرة والمنشورة من الدول الاعضاء في المنظمة الدولية ومن الأمم المتحدة نفسها) لاستنتجنا ان نصيب الفقراء من الدخل القومي في بلادهم سيتضاعف على الاقل مرة واحدة او مرتين من حصيلة الزكاة حيث ان مضاعفة الدخل لهذه الفئة ستساهم في ردم جزء مهم من الفجوة الاجتماعية. وبالطبع ان الاسلام لا يقتصر على انظمة الزكاة وحدها ولا يعول عليها فقط في تقليل الفوارق الطبقية، حيث هناك اجراءات اخرى تسبق الزكاة لاعادة التوازن في المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية فيه عن طريق اعادة توزيع الدخل لصالح الاغلبية.. ومن اهم تلك الاجراءات مراجعة الدخول والثروات واستبعاد كل ما لا يأتي من عمل انتاجي ظاهر الدلالة وبشكل شرعي. وزكاة الفطر هي الاخرى تساهم بنصيب لا بأس به في هذا المجال ورغم صغر مقدارها (حوالي 3 كجم من القمح او الشعير او التمر او الارز) الا ان عموميتها في الالزام يجعل اثرها التوزيعي لا بأس به، لانها واجبة على كل مسلم من ذكر وانثى، صغير وكبير مهما بلغ من الصغر او الكبر يخرجها كل فرد عن نفسه ومن يعولهم مادام مالكا لما يزيد على قوته وقوت عياله ليلة عيد الفطر، فهي واجبة على بعض من يعدون فقراء لكنهم يدفعونها الى من هم افقر منهم وبهذا فانها موجبة الى افقر الفقراء. ويمكن تبسيط حساب مقدارها بالمثال التالي لنفترض ان نسبة افقر الفقراء في مجتمع اسلامي ما تبلغ 5% وهؤلاء لا يملكون ما يزيد عن قوت يوم واحد عند حلول عيد الفطر. وهذا يعني ان كل (5) اشخاص في المجتمع لا يجب عليهم زكاة الفطر من ا صل 100 شخص و95 شخصا يتوجب عليهم دفعها لهؤلاء الخمسة. اي ان كل (19) شخصا سيدفعون زكاة الفطر لشخص واحد. وهذا يعني ان كل فرد في المجتمع من افقر الفقراء سيستلم كمية من القمح او الحبوب او التمور (او قيمتها بالنقود طبقا لبعض المذاهب) ما مقداره 3 X 19 = 57 واذا فرضنا ان سعر الكيلو جرام الواحد بحدود (5) دراهم فسيكون المبلغ بحدود 300 درهم وهو مبلغ لا بأس به لشخص واحد، واذا كانت عائلة هذا الفقير مكونة من اربعة او خمسة اشخاص فمن المحتمل ان تستلم مبلغا يتراوح ما بين 1200 ـ 1500 درهم كل سنة من زكاة الفطر فقط.. وهو مبلغ محترم لادخال السعادة والسرور على ابناء افقر الفقراء في المجتمع في ايام اعيادهم. وفي الواقع فان الاثر الاقتصادي للزكاة لا يقتصر على الاثر التوزيعي رغم اهميته.. وانما تساهم الزكاة في علاج مشكلة البطالة تلك المشكلة التي تعاني منها كل المجتمعات اليوم بل وتعد من اكبر المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي توضع في رأس سلم الاولويات في خطط الحكومات وعلى اختلاف توجهاتها الفكرية والمذهبية. تساهم الزكاة في حل مشكلة البطالة في عدة اتجاهات. اولا: في الاتجاه ا لاستهلاكي فانها تزيد من مقدرة الفقراء على الاستهلاك.. نتيجة مضاعفة دخولهم.. وهذا ما يعرف بزيادة الطلب الفعال والذي هو محور النشاط الاقتصادي.. وهناك ميل نفساني عند كل البشر.. يرغمهم على زيادة الاستهلاك كلما زادت دخولهم. وبالطبع يكون الميل الحدي للاستهلاك عند الفقراء عاليا جدا. لدرجة انه قد يصل الى 100% في حين انه عند الاغنياء على العكس قليل جدا قد لا يتجاوز ال10%. وبتعبير اخر ان الذي يسير عجلة الاقتصاد القومي هم الفقراء الذين يزيدون عملية الاستهلاك وزيادة الاستهلاك ستؤدي الى زيادة الاستثمار وزيادة الاستثمار تتطلب تعبئة للموارد البشرية والاقتصادية واستخداما أفضل لها وهذا يعني المساهمة في تقليل البطالة او حتى القضاء عليها حينما يصل الاقتصاد القومي الى مرحلة الاستخدام الشامل او الكامل وثانيا انها تشجع على الاستثمار.. لان المال المكتنز في الاسلام حرام اولا. وثانيا تأكله الزكاة مع الايام والسنين والاستثمار يعني ايجاد فرص عمل جديدة للعاطلين عن العمل. واخيرا فان الزكاة تحارب البطالة الاختيارية عندما لا توزع ولا تعطى للاشخاص القادرين عن العمل والاصحاء والاقوياء والذين لايعملون.. فانها تجبرهم على الانخراط في سوق العمل.