اذا كنا قد تناولنا خلال الحلقات الماضية التغيرات الاقتصادية التي استجدت في دولة الامارات خلال فترات ومراحل مختلفة، واذا كان قد تبين لنا مدى تأثير العوامل الداخلية تحديداً خلال المرحلة الأولى من قيام الدولة (1972 ـ 1980) بسبب الرغبة الأكيدة في احداث تغييرات جذرية في الاقتصاد ونقله من الاقتصاد التقليدي الى اقتصاد حديث في بنيته التحتية وفي سياساته، فان المرحلة الثالثة (1990 ـ 2000) وهي فترة التسعينيات تعتبر مهمة جداً في مسيرة الاقتصاد الوطني بسبب التطورات والاحداث الاقتصادية المحلية والاقليمية والدولية والتي كان لها انعكاسات مباشرة على الاوضاع الاقتصادية بالامارات خلال هذه الفترة. لقد كان للتحولات العالمية نحو خلق تكتلات وكيانات اقتصادية اقليمية وعالمية ومنها منظمة التجارة العالمية، والعولمة الاقتصادية وبروز مفهوم الخصخصة ووجود مناطق حرة للتجارة العالمية وبروز عصر ثورة التكنولوجيا وبروز المنافسة الدولية والمواصفات القياسية وتحرير أسواق السلع والخدمات ورأس المال وبروز ظواهر اقتصادية كالبطالة والتضخم واحتدام الصراعات الاقتصادية والتجارية بين مختلف الدول والمجموعات، ثم تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي والازمات الاقتصادية سواء ازمة دول آسيا (النمور الصفر) في عام 1997 أو أزمة النفط في عام 1998 كل تلك المتغيرات والتطورات الاقتصادية العالمية قد انعكست وبشكل مباشر وغير مباشر في احيان اخرى على مجمل الاوضاع الاقتصادية في الامارات، ثم كان لأزمة الخليج الثانية والتي تجسدت في غزو القوات العراقية لدولة الكويت في اغسطس 1990 ثم عمليات تحرير الكويت انعكاسات سلبية واضحة على اقتصاد دول المجلس ومنها الامارات بحكم التذبذب الذي حدث لأسعار النفط في السوق العالمية وتأثير ذلك على الاقتصاد الخليجي خاصة والاقتصاديات النفطة عامة ولقد ظهر ذلك جلياً في اقتصاد الامارات من خلال المؤشرات الاقتصادية والمالية فقد تزايد العجز في الموازنة العامة، ثم تأثر الميزان التجاري وميزان المدفوعات بحكم تراجع الصادرات النفطية وكذلك تراجع معدلات النمو الاقتصادي في مختلف القطاعات الاقتصادية قياساً بمعدلاتها خلال سنوات الثمانينات والسبعينات ثم وضح جلياً مدى اعتماد اقتصاد الامارات على النفط بسبب عدم وجود الجدية نحو ايجاد قاعدة انتاجية متنوعة تخفف من أثر تقلبات وتذبذب أسعار النفط على الاقتصاد الوطني، وسوف نتناول طبيعة وآثار تلك المتغيرات الدولية والاقليمية على الاقتصاد الوطني من خلال المؤشرات الاقتصادية التالية: أولا: الناتج المحلي الاجمالي على الرغم من التطورات الحادة التي حدثت في الساحة الاقليمية والدولية والتي اشرنا اليها آنفاً فان اقتصاد الامارات قد حقق معدلات نمو جيدة في مختلف القطاعات الاقتصادية، فقد سجل الناتج المحلي الاجمالي خلال النصف الأول من التسعينيات نمواً بلغ 4.6% سنوياً بالأسعار الجارية، ويعزى هذا النمو الى القطاعات السلعية غير النفطية، وذلك بعد تدني أسعار النفط في ضوء تلك الأحداث ويتركز النمو في القطاعات السلعية حسبما جاء في النشرة الاقتصادية والاجتماعية الصادرة من وزارة التخطيط عام 1998 حيث بلغ 9.6% سنوياً خلال هذه الفترة وقد جاء هذا النمو في قطاعات الصناعة التحويلية والكهرباء والماء والتشييد والبناء ثم أخيراً قطاع الزراعة، فيما سجلت قطاعات الخدمات نمواً موجباً بلغ قدره 11.6% سنوياً وتمثل هذا النمو في قطاعات التجارة والسياحة والنقل والمواصلات واخيراً قطاع العقارات، اما قطاع النفط فتشير المعلومات الواردة في النشرة الى انه قد سجل تراجعاً تدريجياً خلال الفترة نفسها وقد بلغ هذا المعدل بالسالب بنسبة 3.6% في حجم الناتج المحلي الاجمالي وذلك بسبب التذبذب في أسعار النفط الخام، اما في النصف الثاني من فترة التسعينيات فقد حقق الناتج المحلي الاجمالي نمواً بلغت نسبته في عام 2000 نحو 20.4% حسب بيانات وزارة التخطيط ويعزى ذلك الى نمو مساهمة قطاع البترول الخام والغاز الطبيعي بسبب التحسن الذي طرأ على أسعار النفط الخام حيث ارتفعت مساهمته في الناتج المحلي الاجمالي لتصل الى 33.9% في عام 2000 وترتب على ارتفاع مساهمة هذا القطاع انخفاض مساهمة القطاعات غير النفطية حيث وصلت نسبتها في نهاية عام 2000 الى نحو 66.1% مقابل 78.9% في عام 1998 وشملت القطاعات غير النفطية قطاع الخدمات الحكومية، ثم قطاع الصناعات التحويلية ثم قطاعي السياحة والنقل والتخزين وقطاع التشييد والبناء. كما تجدر الاشارة هنا الى التحسن الذي طرأ على القطاعات السلعية اذ ارتفعت نسبة مساهمتها في الناتج المحلي الاجمالي لتصل الى 58% في عام 2000 حسب ما جاء في التقرير السنوي للمصرف المركزي لعام 2000 ويعزى ذلك بالاساس الى زيادة مساهمة قطاع البترول الخام والغاز الطبيعي. ثانيا: الاستهلاك النهائي لما كان الاستهلاك النهائي بشقيه الحكومي والخاص يعتبر من المؤشرات الهامة في قياس التطورات الاقتصادية بالدولة فان حجم الاستهلاك النهائي قد سجل معدلات نمو عالية خلال النصف الأول من فترة التسعينيات بلغ 101.1 مليار درهم في عام 1995 مقابل 66.8 مليار درهم في عام 1990 اي بنمو بلغت نسبته 8.6% فيما سجل في نهاية عام 2000 زيادة ليصل اجمالي الاستهلاك النهائي الى 146.1 مليار درهم وبنسبة مساهمة في الناتج المحلي بلغت 60.4% بلغ نصيب الاستهلاك الخاص منه الحجم الأكبر حيث بلغ 107.4 مليارات درهم. ثالثاً: التكوين الرأسمالي الثابت (الاستثمار) في اطار سعي الامارات نحو استقطاب رؤوس اموال واستثمارات أجنبية فان من الطبيعي ان تشهد العقود الماضية طفرة وتكثيفاً للاستثمار الرأسمالي لتطوير وصيانة البنية التحتية، واذا كان العقد الماضي قد شهد تراجعاً في التكوين الرأسمالي بسبب الظروف الاقتصادية المتباينة فان عقد التسعينيات قد شهد دفعة جديدة ومكثفة من الاستثمار حيث سجلت النفقات الاستثمارية تطوراً ملحوظاً خلال النصف الأول من هذا العقد فمن 24 مليار درهم في عام 1990 وبنسبة 19.2% من اجمالي الناتج المحلي وصلت هذه النفقات الى 44.7 مليار درهم وبنسبة 28.5% من الناتج المحلي في عام 1995 فيما بلغ اجمالي النفقات الاستثمارية في نهاية عام 2000 نحو 55.4 مليار درهم وما نسبته 22.9% من اجمالي الناتج المحلي الاجمالي وذلك وفقاً لما جاء في تقرير المصرف المركزي لعام 2000. رابعاً: القوى العاملة مازالت الامارات تشهد تدفقاً سكانياً بسبب عوامل الجذب السكاني بها ومازالت تسجل اعلى معدلات النمو السكاني في العالم بسبب الهجرة الاجنبية اليها وذلك على الرغم من تداعيات الهجرة على الأوضاع الامنية والاقتصادية والاجتماعية، ولقد بلغ تقدير سكان الامارات حسب بيانات وزارة التخطيط الى مليوني نسمة في عام 1992 فيما ارتفع هذا العدد ليصل الى 3.108 ملايين نسمة في عام 2000 يتوقع ان يتضاعف عدد السكان بسبب عامل الهجرة الاجنبية ليتجاوز الاربعة ملايين نسمة في نهاية 2005 وبسبب تطور النشاط الاقتصادي في الدولة خلال النصف الأول من عقد التسعينيات سجل حجم القوى العاملة زيادة واضحة في مختلف القطاعات الاقتصادية ليصل العدد الى نحو 994.1 الف عامل في عام 1995 مقابل 694.2 ألف عامل في عام 1990 وبمتوسط معدل سنوي قدره 7.2% خلال الفترة 1990 ـ 1995 فيما زاد هذا العدد ليصل الى 1.6 مليون، ولقد سجلت سوق قوى العمل بالامارات تبايناً كبيراً بين القطاعات الانتاجية المختلفة حيث يبلغ اعلى مستوى لها في قطاع الخدمات المنزلية، وادنى مستوى لها في قطاع المؤسسات المالية والتأمين، فيما يتضح هذا التباين ايضاً بين امارات الدولة حيث يبلغ اعلى مستوى لها في دبي وادنى مستوى لها في امارة رأس الخيمة. وفي النشاط الاقتصادي يتضح ان هناك تبايناً واضحا في اعداد العاملين في قطاعات النشاط الاقتصادي حيث يأتي قطاع تجارة الجملة والتجزئة وخدمات الاصلاح في المرتبة الأولى من حيث عدد العاملين فيه اذ بلغ 321 ألف عامل وما نسبته 19.7% من اجمالي العمالة في عام 2000 ويأتي قطاع التشييد والبناء في المرتبة الثانية بعدد 267 ألف عامل وما نسبته 16.5% ثم الصناعات التحويلية بنسبة 13.1% في المرتبة الثالثة حسبما جاء في التقرير السنوي للمصرف المركزي لعام.