دون دليل واضح وجدت الدول العربية نفسها فجأة في قفص الاتهام ورغم الحقائق المؤكدة من قبل الجهات الدولية المعنية بمكافحة غسيل الاموال وعدم ادراجها غالبية الدول العربية على قوائم الدول المشتبه فيها بعمليات الأموال القذرة. ورغم تصدر اسرائيل ـ وفقا لاخر التقارير ـ قائمة الدول المتهمة بعمليات الغسيل إلا ان حملات الابتزاز استمرت دون توقف. عقب 11 سبتمبر علت الاصوات بضرورة مكافحة عمليات «الغسيل» بحجة انها تستخدم في تمويل «العمليات الارهابية» واتجهت الانظار المريبة صوب الدول العربية والاسلامية تحت الزعم بأن منفذي الاحداث السبتمبرية ينتمون الى تلك الدول. وعلى الرغم من ان الاموال القذرة اصبحت ظاهرة عالمية تهدد الامن الاقتصادي والسياسي في العالم سواء قبل او بعد «سبتمبر»، فإن الاطلاع على خريطة غسيل الاموال في العالم ووفقا للمعلومات الصادرة من جهات عالمية موثوقة تؤكد ان الدول العربية لا تعرف بشكل واضح وبارز تلك الظاهرة ومع ذلك تدفقت «قوائم الارهاب» مباشرة من واشنطن الى جميع العواصم العربية تقريبا تطالب بتجميد حسابات ومصادرة ارصدة لاشخاص ومؤسسات وجمعيات تم اخذها بالشبهة ـ حتى الان على الاقل ـ بحجة انها تمول «انشطة ارهابية» عبر غسيل الأموال وصلت حتى الآن في بعض الدول الى نحو اكثر من 40 مطالبة بالتجميد والمصادرة لحسابات، بل وبعض محلات بيع العسل..! على الجانب الآخر ـ ووفقا لما يرصده عبداللطيف جناحي الرئيس التنفيذي في بنك البحرين الاسلامي ـ فإن عمليات غسيل الاموال تشكل نسبة لا يستهان بها من الدخل القومي في كثير من بلدان العالم ففي الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، وبالرغم من الضوابط التي تضعها الرقابة المصرفية هناك، الا ان نسبة الاموال القذرة وصلت الى 8.5% من الناتج القومي الامريكي..!!. وفي بلد مثل الهند ومع ما يبذله البنك المركزي الهندي من جهود لمكافحة مثل هذا النوع من الاموال وصلت النسبة الى 16% من الناتج القومي..! وترتفع النسبة في بلدان حديثة العهد بالنظم المصرفية المتطورة فمثلا تصل الى 50% من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق و60% في البيرو.. تريليون دولار «غسيل» في اخر احصائيات لصندوق النقد الدولي يقدر حجم الأموال القذرة التي يتم غسلها سنويا على مستوى العالم ما بين 950 مليار دولار و1.5 تريليون دولار بما يمثل ما نسبته 2 ـ 5% من اجمالي الناتج المحلي. الا ان تقديرات فريق مجموعة العمل الدولية «اف. ايه. تي. اف» المكلفة بمتابعة جهود مكافحة غسيل الأموال والتابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تشير الى ان حجم الاموال المغسولة في العالم يتراوح ما بين 300 ـ 500 مليار دولار يتركز معظمها في اوروبا وامريكا الشمالية، وتستأثر تجارة المخدرات بنصيب الاسد فيها، ففي كندا يبلغ حجم الأموال المحققة بطريقة غير مشروعة من المخدرات ما بين 50 ـ 70% من اجمالي الاموال المغسولة بها، اي ما يتراوح من بين 5 ـ 14 مليار دولار، بما يعني ان الدول التي تعالت اصواتها بضرورة المكافحة وتدفقت منها «القوائم» معنية بالدرجة الأولى بالظاهرة. اللافت للانتباه ـ كما تورد التقارير الدولية ـ ان عمليات غسيل الاموال تتم في مناطق يصعب الوصول اليها على الخارطة الجغرافية وتحتل اسرائيل المرتبة الأولى فيها، تليها روسيا ثم.. الفلبين وجواتيمالا والمجر واندونيسيا وميانمار ونيجيريا وبنما وبهاماس وجزر كايمان وليتشينشتاين وجزر كوك والدومينيك وجزر مارشال وناورو وينوي وسانت كيتس ونيفيس وسان بيسنتي ولاس جرانا ديناس. وبعض الشبكات التي تم ضبطها كانت تعمل ما بين اسرائيل وفرنسا وشارك فيها حاخامات يهود.. وفي روسيا جرى غسيل اموال المافيا عن طريق بنكين في الولايات المتحدة بحجم 15 مليار دولار على الاقل. وتتعدد مصادر الاموال القذرة بقدر تعدد الجرائم المخلة بالاداب والشرف والقوانين ويقسمها الباحث عبداللطيف جناحي الى ثلاث مجموعات، منها ما يتعلق بالنظم الادارية في الدول، مثل التهرب الضريبي بسبب ارتفاع الضرائب، كما ان تقييد التصرف في الاموال يدفع اصحابها الى اتباع الاساليب الملتوية لتحقيق طموحاتها الاستثمارية. ثم تأتي النظم الادارية الفاسدة او المشجعة على التسبب وجني الاموال غير المشروعة، ثم تأتي الجرائم المالية مثل الرشاوى وتزييف العملات والعمولات غير المشروعة على حساب مشروعات تنموية وطنية او من وراء صفقات الاسلحة. المجموعة الاخطر لمصادر الاموال القذرة هي الجرائم الاخلاقية والتي تتنوع وفقاً للظروف الاجتماعية في كل بلد، مثل الدعارة والقمار، وتجارة المخدرات. التدليل على ذلك تؤكده الارقام عن تجارة المخدرات التي يقدر البعض ان اجمالي الدخل المتحقق منها نحو 688 مليار دولار سنويا. آلية «الغسيل» وتتعدد وسائل تبييض الاموال عن طريق البنوك اذ تمرر هذه الاموال عن طريق البنوك المعروفة فيدرأ عنها بعد قبولها بالبنك اي شبهة فالبنك قناة رسمية شرعية للاموال. ثانيا تمويل المشروعات والتجارة حيث يلجأ العاملون في هذا المجال الى تمويل مشاريع تنموية او الى عقد صفقات تجارية ويلاحظ ان بعضا من هذه التمويلات والصفقات لا تحقق الربح بل تعود بالخسارة على صاحبها وهذه الخسارة مقابل تبييض تلك الاموال. ثالثا: شركات التأمين واعادة التأمين فقد نجحت بعض العصابات في استخدام شركات التأمين كوسيلة لتحقيق اغراضها في تبييض الاموال واخفاء ما تحمل من «معاص واثام» فأصدرت لها وثائق تأمين لاخطار وهمية تمكنوا عن طريقها من تحقيق مآربهم خاصة انهم وجدوا من بين المسئولين في بعض شركات التأمين من يمكن ان يشترى زممهم كذلك قاموا بتأسيس شركات اعادة تأمين اسندت لها اعمال عن طريق شركات تأمين مباشرة مقابل دفع اقساط مالية ثم افتعال مطالبات وهمية وتعتبر شركات الأوفشور اكبر مرتع لمثل هذه الجرائم ـ كما يقول الباحث عبداللطيف الجناحي. جهود عربية الدول العربية ورغم التزامها بالجهود الدولية في المكافحة إلا انها اتخذت خطوات متسارعة عقب تفجيرات سبتمبر لسد الذرائع ودرء الاتهام دون جريمة واضحة..! ففي البحرين وفي الاسبوع الماضي اصدرت مؤسسة نقد البحرين تعليمات ونظما تتعلق بظاهرة غسيل الاموال اضافة الى مرسوم قانون مكافحة الاموال الذي اصدره امير البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة في يناير 2001.. واصدرت المؤسسة تعميما الى جميع البنوك في البحرين والتي لها علاقة مع اي من المؤسسات المصرفية او الاشخاص المطلوب تجميد حساباتهم وارصدتهم للعمل على التعامل مع «قوائم المشبوهين» القادمة من واشنطن.. والامم المتحدة. كما جرى مؤخراً تشديد الرقابة على البنوك الاسلامية هناك. الحال ذاته حدث ومازال في جميع الدول العربية ـ بلا استثناء ـ فمصر التي نفت ما تردد عن كونها مكاناً لغسيل الاموال ـ واكد ذلك البنك الدولي ايضا ـ اعلنت ان هناك لجنة مشكلة من وزارات الاقتصاد والتجارة الخارجية والعمل والمالية والداخلية بالاضافة الى البنك المركزي لاعداد مشروع قانون مستقل لمكافحة غسيل الاموال في مصر وعرضه على مجلس الوزراء تمهيداً لعرضه على مجلس الشعب. وفي السعودية امرت وزارة التجارة بفرض رقابة مشددة على الصفقات الضخمة وطلبت من المؤسسات المالية ابلاغ السلطات عن اي حالات مريبة وقالت الوزارء ان تلك اللوائح التنظيمة تستكمل اجراءات سابقة اتخذها مجلس الوزراء السعودي لمكافحة غسيل الاموال وغيرها من الانشطة غير القانونية في مجال الاعمال. محليا.. سارعت الامارات باصدار قانون لمكافحة عمليات غسيل الاموال وقال المصرف المركزي ان القانون الجديد سوف يسهم في رفع اسم الامارات من القائمة السوداء التي تصدرها لجنة تابعة لمجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى الخاصة بمكافحة غسيل الاموال وفي عدة مناسبات نفى المصرف المركزي وجود عمليات غسيل بمصارف الدول وأكد التزامه بتنفيذ القرارات الدولية في هذا الشأن بتجميد نحو 14 حساباً لمؤسسات وفقا لما طالبت به الامم المتحدة والولايات المتحدة. رغم ان بعض المصادر المصرفية تشير الى ان هناك اكثر من 40 مطالبة بالتجميد. وامتدت الاجراءات ايضا الى شركات التأمين من اجل مكافحة غسيل الاموال واصدرت وزارة الاقتصاد الاسبوع الماضي تعميما بالزام شركات التأمين العاملة في الدولة بضرورة اخطارها عن اية معاملة غير عادية تستهدف غسيل الأموال والتحقق من اية معاملة تأمينية غير عادية بأقصى درجة من السرية. وقد رحبت جمعية الامارات للتأمين بالتعميم ويذكر ان المصرف المركزي قد طالب شركات الصرافة في اكتوبر الماضي بالتحقق من شخصية العميل الذي يقوم بتحويل اكثر من الفي درهم عن طريق معاينة وثائقه الثبوتية الاصلية. ولكن ورغم ذلك فرب ضارة نافعة لأن قضية غسيل الاموال باتت تشكل خطرا محققا على اقتصاديات العالم والدول العربية جزء من هذا الاقتصاد واصبحت سرطانا يهدد الامن الاقتصادي والسياسي.. ومكافحة هذه الظاهرة ضرورة وواجب وطني. كتب عادل السنهوري: