مهرجان عجمان في دورته الجديدة بل ومنذ انطلاقته الاولى لم يغفل الجانب التراثي حيث عمدت اللجنة التراثية إلى ابراز الحدث من خلال تنظيم الفعاليات ايماناً منهم بضرورة تعريف الاجيال الجديدة بحياة الاباء والاجداد وتشهد القرية التراثية اقبالاً كبيراً من الزوار المواطنين والوافدين ايضاً. والقرية التراثية بمدينة المهرجان تحكي قصتها بنفسها حيث يشاهد الزائر ويلمس لانها تمثل احدى نقاط الابداع حيث تحفل هذه القرية بالعديد من الانشطة، وفي مهرجان العام تدخل القرية بقوة في مواجهة الحداثة، فهي تجمع بينها لتوصيل رسالة حضارية للعالم عن عجمان الماضي والحاضر. فهل نحن ماضون ننبش اثر تاريخنا الغابر نتمسك كالغرقى بقشة الامس اسماء شخصياته ومعالم انجازاته، العودة الحنينية إلى الوراء تدحر قلوبنا وميلنا إلى الاتكاء على ماض بنينا فيه مجدنا واستعرنا في ذواتنا وعقولنا لنكمل مشاهده فينا، فالقرية التراثية «بمدينة المهرجان» تشهد على ان عجمان ليست ذلك التطور والركض خلف المدينة الحديثة والتفكير بمدينة الغد ومواصفاتها فقط تحولت القرية التراثية فعلياً إلى قرية قديمة احتضنت نماذج الحياة الماضية بتعب ابنائها وسكناهم بمنازلهم واعمالهم وعبق الرمل والصحراء. ابراهيم محمد صالح رئيس التراث الشعبي بمتحف عجمان الوطني ومنفذ القرية التراثية بـ «مهرجان عجمان 2002» راح يشرح هندسة القرية ومداخلها وتقسيمات احيائها، والنموذج المطروح امام الزوار والسائحين هو فريج البدو الذي اعطى المؤثرات الكاملة لايحاء حقيقتين شأن الرمال والبيوت، هذه الاخيرة جمعت بين البيت الصيفي او المنزل الشتوي، وتوزعت على بقعة ساحة القرية قرابة ثمانية بيوت توسطتها البئر التي لازمت احياءنا القديمة، اذ كان السعي الاساسي للماء والكلأ، وكان يتعذر الاستمرار في سكني منطقة جافة تخاصمها المياه، إلى جانب ذلك البئر وتلك البيوت مجلس صغير ويتواجد منه واحداً فقط عند كل فريج، وهو النقطة التي يتجمع فيها اهل الفريج يتقاسمون افراحهم واحزانهم ويتبادلون الحوارات توثيقاً للعلاقات الاجتماعية والانسانية التي ميزت اهل البدو. وكان المجلس يحتضن التجار والبائعين الذين عادة ما يلجأون اليه لتقاسم اموال الرزق وهي بمثابة المضافة حيث يصار إلى استقبال الزوار. من جانب آخر يمسك احد الجالسين ربابته لتطلع منها انغاماً تعيد الذكريات وتعزف على اوتار الحنين لمن يتفاعل مع تلك الالحان، وقد يرتجل آخر قصيدة نبطية تضاعف الالحان بالماضي، ولاستكمال الصورة هناك بين اليواني وهو المصنوع من مادة الخيش سكنه البدو واستعمله الفقراء لانهم غير قادرين على صنع بيوت الشعر ويقطنونه خلال فترات الحر، وفي البيوت الاخرى بيت الشجر للفقراء ايضاً اما بيت الشعر ووبر الماعز فللميسورين. ويوضح الوالد ابراهيم ان البئر او (الطوي) تعمل في الطين الذي كان عبارة عن مدر يتم خلطه بحصى الجبل او الحطب تماشياً لاحتمالات تفسخه واختص البدو ببنائه ويتجاور مع الحوض لتشرب الحيوانات من ابقار وجمال وماعز. واشار إلى ان اهل البادية تاجروا بالحطب مع بعض منتوجات الالبان كالجبن والزبدة وهناك بيت الشموع اي سكان الجبال، الذين كانوا يقطنون الكهوف والتي لم نستطع عملها واقتصرنا على بيوتهم الصيفية التي يسمونها (الصيفية) نسبة إلى اعتمادها على صف الحجارة اما (الخدعة) او (الحامية) فهي بيت البدو وابن الجبل وتبنى بعمق متر واحد وترتفع عن مستوى الارض 15 سم حتى يمنع تسرب الامطار اليها ويكون سقفها كله من سعف النخيل او «الدعون» وشكلها اشبه بالخيمة. وبين ابراهيم ان في القرية التراثية نساء يقمن باعداد الاكلات الشعبية، فهناك سيدة تخض اللبن وتخبز ببطء، حيث يحلب اللبن ويروب اللبن الذي يوضع لاحقاً في (سقا) من الماعز الذي يدبغ لهذه الغاية، وقد يستغرق اللبن بين ساعة وساعة ونصف قبل ان يفرغ اللبن عن الزبدة والتي تحفظ في جرار معدنية، اضافة لذلك تشمل القرية التراثية سيدات تشابكت الخيطان والمغازل بين اصابعهن، حيث توضح المرأة رحلة الخيط فهي تتلقف المكبات في الغازلات وتضع (المصر) بين الخيطان لتشكل الهمزة والرفعة ويكون بطول 13 ذراعاً وتفصل بين أعلى الخيطان وأسفلها ثم تستعمل (المدرة) المصنوعة من قرن الغزال وتغرس (اليدان) في الرمل لتحمل النسيج بأكمله وهناك (المثناة) التي تربط أول الخيط بآخره، ولانهاء نسج بيت من الشعر تحتاج العملية شهراً فما فوق، وتستهلك حوالي 80 ذراعاً تقسم مناصفة بين (السناح) وهو القماش الأكبر و(المدهنة) هي الأصغر وأوضحت ان كل ثلاثة أذرع تتطلب عشرة مكبات أو ما يعرف بالفجي وبيت الشعر لاتستغله سوى النساء. وأشار ابراهيم إلى ان «القرية التراثية» يتم من خلالها الطبخ الشعبي بأنواعه الخمير واللقيمات والهريس والرقاق الذي يباع بأسعار رمزية للجمهور، اضافة لبائعي الادوية الشعبية في قسم الطلب الشعبي تقوم ببيع الزعتر والحلول والعناب والعشرج وعلك اللبان والياعدة والكمون والقرفة والزنجبيل. هناك ايضا البراجيل وهي ملاقف الهواء المفتوحة من أربع جهات متداخلة عبر سقف المسكن الى الداخل لجذب الهواء وتلطيفه مصنوعة من الخشب والجبس. اضافة للخدعة وهي حفرة في باطن الارض بعمق متر ونصف متر تقريباً وارتفاع قدمين عن سطح الارض، وترصف أرضيتها بالحصى والطين وتسقف بالدعون «سعف النخيل» التي تسند بجذوع النخلة «المد أو الميل» أما محتوياته فهي من المتطلبات البسيطة للحياة. كما كانت المرأة في الامارات قديماً تحتفظ بحاجياتها الخاصة في صندوق يسمى (سرتي). ويتابع ابراهيم تشتمل كذلك القرية التراثية «على ركن خاص لنقش الحناء للزوار، كما خصصت مساحة لعرض الرقصات الشعبية التي تحييها فرقة الفنون الشعبية يومي الاربعاء والخميس مثل رقصة العيالة وليوا وغيرها. اضافة الى تنظيم المسابقات التراثية لزوار القرية وتقديم الجوائز والهدايا المختلفة من قبل اللجنة العليا المنظمة لمهرجان عجمان 2002، كما تقدم القرية القهوة العربية مجاناً للمترددين على القرية. ويتمنى ان يقوم بالتنظيم والاشراف على مثل هذه القرى التراثية واتاحة الفرصة له في امارة ابوظبي، وذلك رداً لجميل هذا الوطن المعطاء بقيادة رئيس الدولة حفظه الله وأطال في عمره. ويمكن القول ان اللجنة العليا لمهرجان عجمان 2002» استطاعت توصيل الرسالة المطلوبة منها وهي تذكير زوار المهرجان بماضي الاجداد والآباء وذلك من خلال آراء الحشود الغفيرة التي تزور الفعاليات والانشطة المقامة في هذه القرية. سالم عبدالله ناصر: ان موقع القرية التراثية كوجودها بجانب مدخل «مدينة المهرجان» يدفع الكثيرين من الزوار لزيارتها مباشرة قبل الفعاليات الاخرى المنظمة في المدينة، وأبدى سالم اعجابه بهذا الصرح التراثي ويعتبره مرجعاً ثقافياً للجيل الحالي ليطلع على تراث الآباء والاجداد. كما أنه يمثل رسالة للاجانب للتعرف على حقبة غنية بالتراث. وتقول مريم مطر: اعجبتني الدقة المتبعة في تحضير القرية وتصميمها، اضافة إلى وجود اشخاص يقومون بتمثيل الحياة القديمة، وبما أنني اتذكر هذه الحياة القديمة فأنا اشعر انني اعيشها من جديد. اما العنود احمد فتقول: هناك توزيع جيد للبيوت القديمة وزوايا البيوت من غرفة المعيشة والطعام وغيرها، كما ان منظر النساء اللواتي يقمن بتحضير المأكولات الشعبية ملفت للغاية ويعيش الزوار في عبق الماضي العريق. ويقول مروان خالد محمد: التراث جميل، ونتعلم منه الكثير، وتوجد العديد من عوامل الجذب في هذه القرية التراثية مثل المأكولات الشعبية والرقصات الشعبية والمسابقات التراثية. عجمان ـ «البيان»: