تسارعت الاحداث العالمية مؤخرا بشكل غير مسبوق جعل من الصعب جدا على أي خبير اقتصادي أو مالي التنبؤ بما يخفيه المستقبل، وبعد احداث الحادي عشر من سبتمبر، وما اعقبها من تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي بشكل عام، بدأ المسئولون بدول مجلس التعاون الخليجي يتحدثون صراحة عن وجود مخاطر حقيقية تهدد الاموال والاستثمارات الخليجية في الخارج، والتي تصل نسبتها إلى 70% في الدول الصناعية فقط، وتقدر بمئات المليارات من الدولارات. حول هذا الشعور بالخطر تفتح «البيان» ملف الاموال الخليجية المهاجرة للوقوف على حقيقة موقف تلك الاموال، ومعرفة أوجه القلق التي تساور رجال الاعمال والمسئولين الخليجيين، ومناقشة البدائل والفرص الاستثمارية المقترحة لدى دول الخليج لاستقطاب هذه الأموال. قال رجل الاعمال حسين سجواني رئيس مجموعة شركات داماك الوطنية العالمية انه لايوجد حتى الان ورغم احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي ما يبرر عودة الاموال الخليجية والعربية من الولايات المتحدة الأمريكية الى المنطقة، وان بعض هذه الاموال قد يعود على استحياء لكنه لايلبث ان يهاجر مرة اخرى خلال سنة واحدة من الان بعد ان يتعافى الاقتصاد الأمريكي اذا لم يتم اتخاذ اجراءات فورية لاصلاح أوضاعنا الاقتصادية. وذكر سجواني الذي تعمل بعض شركاته في أسواق تقنية المعلومات الأمريكية ان القليل من الأموال الخليجية الذي يمكن ان يغادر السوق الأمريكي حالياً قد لا يأتي بالضرورة الى المنطقة وانما قد يذهب الى مناطق اخرى من العالم مثل أوروبا أو شرق آسيا أو اليابان. وذكر ان الخسائر التي تعرض لها الاقتصاد الأمريكي بعد الأحداث لم تقتصر على أمريكا وانما حدثت في كل مكان وهو ما يقلل من امكانية خروج الأموال. كما ان ما حدث لايعدو أن يكون موجة طبيعية من الموجات التي تتعرض لها الأسواق باستمرار. وكشف عن ان الأموال الخليجية التي دخلت السوق الأمريكي بعد الاحداث لم تتعرض لخسائر بل على العكس حققت ارباحاً بلغت 40% حيث ان مؤشر التقنية الأمريكية ارتفع منذ سبتمبر الماضي بنسبة 40%، وبالتالي فان الحديث عن الخسارة مبالغ فيه. وقال سجواني ان الأموال الخليجية بالخارج والتي تتراوح التقديرات بشأنها بين 600 مليار الى تريليون دولار أمريكي تنقسم الى عدة فئات ولايجب النظر اليها على أنها حزمة واحدة. وقال ان الدول العربية غير الخليجية غير مهيأة لاستقبال هذه الأموال نظراً لان الكثير من هذه الدول تعشعش فيها البيروقراطية والروتين والفساد والمحسوبية. أما الاقتصادات الخليجية فإنها تعاني من تخلف القوانين التجارية وارتباط العملات بالدولار الذي يعاني أصلاً من تدني سعر الفائدة وصغر حجم الاقتصادات وعدم قدرة النظام المصرفي على الاستثمار. وأكد ان بإمكان الدول الخليجية اجتذاب هذه الاموال اذا بادرت بإقامة سوق خليجي حقيقي ودمج اقتصاداتها الصغيرة في اقتصاد قوي وخلق مصارف استثمارية قوية وتوحيد البورصة والعملة وفتح الأسواق جميعها في سوق واحدة وتطوير القوانين التجارية العقيمة، وفيما يلي تفاصيل الحوار: فئات * أولاً وبما انكم تستثمرون بالفعل في السوق الأمريكي هل لديك اية احصائيات حول حجم الاموال الخليجية بالخارج؟ ـ اعتقد انه ليس لدى أية جهة معلومات أو بيانات دقيقة حول هذا الأمر، كلها تقديرات ولكن الرقم ضخم جداً في كل الحالات. فأكثر هذه التقديرات تواضعاً تقول ان حجم الاموال الخليجية بالخارج يزيد عن 600 مليار دولار وبعض هذه التقديرات يصل الى تريليون دولار. وفيما يتعلق بالاحداث وامكانية عودة الاموال فأنا أقسم هذه الاموال الى فئتين أي فئتين من المستثمرين أو أصحاب الاموال. وكل فئة منهما تنقسم بدورها الى قسمين. الفئة الأولى هي تلك التي تمتلك المبالغ الضخمة حيث لاتقل ممتلكات الشخص الواحد عن مليار دولار، والفئة الثانية هم أصحاب المبالغ التي تقل عن المليار. الليل والنهار ولكن الأهم من ذلك ان كل فئة تضم قسمين اولهما هم أصحاب الخبرة في الاستثمار بالخارج، المخضرمون، الذين يستثمرون في الغرب منذ 30 سنة أو أكثر أي منذ بداية الطفرة النفطية، وهؤلاء عندهم محللون بارعون كما أنهم مروا بتجارب عديدة وشاهدوا الليل والنهار والصعود والهبوط والموجات بكافة أنواعها الى أعلى أو الى أسفل، وهؤلاء لن يعودوا بأموالهم مهما حدث. أما القسم الثاني فيضم من ليس لديهم الخبرة الكافية بالأسواق العالمية ولم يدخلوا السوق أولا في السنوات العشر الأخيرة وهي كلها بالنسبة للسوق الأمريكي كانت سنوات صعود متواصل، هذه الفئة بعض أموالها قد تعود الى المنطقة ولكنها سوف تعود مرة اخرى الى الخارج بعد تحسن الأوضاع خاصة وانه ليس بالمنطقة فرص استثمار لهذه الأموال الضخمة. الارهاب * لكن مع تصاعد الحملة على ما يسمى الارهاب وما يتضمنه من عداء للعرب والمسلمين ألا يدفع ذلك هذه الاموال الى العودة ولو من باب الخوف؟ ـ كما قلنا فان الموجودين في السوق الأمريكي من سنوات بعيدة ولديهم الخبرة بالأسواق وتقلباتها لاتؤثر فيهم الاحداث ويعرفون ان الأسواق تمر عادة بمشاكل ويعرفون كذلك ان فرص السوق الأمريكي غير موجودة ـ مهما حصل ـ بأي مكان آخر بالعالم. وبالنسبة للارهاب والحملة عليه، فانه بالفعل قد تغادر بعض الاموال السوق الأمريكي ولكن ليس بالضرورة الى منطقتنا. ويمكن ان تتوجه الى أوروبا أو آسيا. جزء من هذا عاد الى المنطقة ولكني أعتقد مع الاسف انه سيعود الى الغرب مرة اخرى خلال سنة واحدة. وأحد أسباب ذلك ان الغرب ليس عاطفياً وعندما يرى ان تجارته واعماله ستتأثر سيغيرون موقفهم. رشاوى وبيروقراطية * لماذا ترى ان البيئة العربية غير مهيأة لاستقبال هذه المبالغ الضخمة من الاموال الخليجية؟ واذا كانت الاقتصادات الخليجية صغيرة ألا ترى ان هناك دولاً عربية اخرى بحاجة الى هذه الاستثمارات؟ ـ العالم العربي اقتصادياً منقسم الى قسمين الأول الدول العربية غير الخليجية والكثير منها للأسف لاتوجد به فرص استثمارية جيدة، والخارطة الاستثمارية في هذه الدول كلها رشاوى وبيروقراطية وفساد إداري ومالي ويكاد لاتوجد خارطة استثمار من الاساس. الوضع في الدول الخليجية أفضل ولديها فرص جيدة ولكن لديها مشاكل عديدة تعوق عودة هذه الاموال. في مقدمة هذه المشاكل ان العملات مرتبطة بالدولار. وسعر الفائدة على الدولار حالياً 1.75% وهي تكاد تكون منعدمة، السبب الثاني يتمثل في عدم قدرة النظام المصرفي على الاستثمار حيث لايكاد يوجد لدينا مصارف استثمار حقيقية. سبب ثالث ان الاسواق الخليجية أسواق صغيرة باستثناء السعودية يليها الامارات. كما ان أحد الاسباب عدم وجود أسواق مالية بالمعنى الصحيح، وعدم وجود قوانين تجارية متطورة حيث ان قوانيننا التجارية متأخرة 100 سنة عن الغرب. الحلول * اذن ما هو الحل من وجهة نظرك؟ ـ الحل الأول والكبير يتمثل في خلق سوق خليجي حقيقي موحد، ان مجلس التعاون عمره الان أكثر من 20 سنة ولم يحقق الهدف منه وهو قيام سوق خليجية مشتركة. البرنامج متعثر والحدود لاتزال مغلقة، ان بنوكنا لاتستطيع فتح فروع لها في بلد خليجي آخر. ولذا نحن بحاجة الى قرارات سياسية لفتح أسواقنا ودمج اقتصاداتنا في اقتصاد واحد قوي، وهذا ضروري في ظل العولمة. يأتي بعد ذلك خلق بورصة خليجية موحدة، منظمة وقوية، وخلق نظام مصرفي لبنوك استثمارية قادرة على الاستثمار، ولابد ان ندرك الفرق الكبير بين البنوك التجارية والبنوك الاستثمارية. كذلك لابد من تطوير القوانين، ان قانون الشركات مثلا قانون عقيم يحتاج إلى تغيير شامل لانه لا توجد فيه اية مرونة. الخسائر * بعيدا عن العداء للعرب في امريكا ألا ترى ان الخسائر التي تتعرض لها الاستثمارات العربية مبرر للعودة؟ - أولاً الخسائر التي حدثت في امريكا بعد الاحداث حدثت في كل مكان بالعالم، وهي امور طبيعية على كل حال، وكما قلنا الاسواق تتعرض لموجات، لكن الاهم من ذلك ان الكلام عن الخسائر مبالغ فيه، مثلا من سبتمبر إلى الآن صعد مؤشر شركات التقنية الامريكية بنسبة 40% وبالتالي فان كل من دخل بعد الاحداث ربح ولم يخسر، صحيح ان هذا المؤشر كان قد هبط عام 2000 لاسباب اخرى ولكنه عاود التحسن رغم الاحداث، وبالتالي فانه لم تقع خسائر للاموال الخليجية هناك. كذلك داو جونز اليوم افضل من شهر اغسطس الذي سبق الاحداث. وهكذا فان اموالنا ستظل هناك وعلينا ألا نعول على خسائر الاخرين لاجتذاب الاموال وانما ان نعدل اوضاعنا. أرباح ممتازة * لديكم استثمارات في ناسداك فماذا عن اوضاع هذه الاستثمارات؟ - استثماراتنا في امريكا تأثرت عام 2000 عندما تعرض مؤشر ناسداك للهبوط، قبل ذلك في 98 و99 حققنا ارباحا ممتازة وعندما حدث الهبوط في 2000 لم نخسر في المحصلة النهائية وانما انخفضت ارباحنا، اي ان الخسارة كانت جزءا من الارباح ولم تكن خسارة في رأس المال، ونحن لدينا استثمارات في مجالات عديدة وليس التكنولوجيا فقط ولم نخسر فيها رغم التأثر كغيرنا بالهبوط الطبيعي لاننا لم نقم ببيع اسهمنا عند الهبوط واليوم السوق في طلوع مرة اخرى، في الاشهر الاربعة الماضية منذ اغسطس السوق يحقق ارباحا. مشاريع جديدة * هل لديكم مشاريع جديدة داخل الدولة؟ - نحن نعتقد ان اقتصاد الامارات قوي ومتقدم عن بقية اسواق المنطقة، ولدينا برامج لتطوير اعمالنا بالامارات، وبالنسبة للاستثمارات الجديدة سيشهد العام الجاري، استثمارات جديدة. وحاليا نبحث عن شركات ومؤسسات ناجحة نقوم بشرائها وتطويرها، ونركز بشكل اساسي على مجال الخدمات لانه مجال واعد وفيه فرص ممتازة، كما انه احد المجالات التي تركز عليها تكنولوجيا المعلومات. حوار: عبدالفتاح فايد