تعتبر أزمة الشيخوخة العالمية أزمة جديدة وغير مسبوقة بكل ما في الكلمة من معنى. فليس هناك تلميحات من الماضي ولا دروس من التاريخ ولا تحذيرات مسبقة من الذاكرة الجماعية للبشر. وفي أواخر القرن الثامن عشر تنبأ العالم الاقتصادي توماس مالتوس بأن النمو الطبيعي في السكان سيفوق طاقة تحمل الأرض، وهو سيناريو كئيب لا يمكن للحياة البشرية فيه الا ان تكون بغيضة ووحشية وقصيرة. كانت تلك هي الحكمة التقليدية منذ ذلك الحين ففي عام 1994 وفي المؤتمر الدولي الثالث للأمم المتحدة حول السكان والتنمية، الذي عقد في القاهرة، كان الاهتمام كله لدى المجتمع الدولي منصباً على هذا الاحتمال. وأعيد تكرار موقف رئيس الوفد الأمريكي ونائب الرئيس في حينه، آل جور، وأعيد التأكيد عليه من قبل متحدثين بارزين من مختلف انحاء العالم، وكان آل جور قد قال في خطابه: «ماكنا لنتواجد هنا اليوم لو لم نكن مقتنعين بأن النمو السريع وغير الثابت في عدد السكان هو مسألة تحتل أولوية قصوى. لقد استغرق عدد سكان العالم 10 آلاف جيل لكي يصل الى تعداد 2 مليار شخص، ومع ذلك، فاننا انتقلنا خلال الخمسين عاماً الماضية من 2 مليار نسمة الى أكثر من 5.5 مليارات نسمة. ونحن في طريقنا الى الازدياد وصولاً الى 9 أو 10 مليارات نسمة خلال الخمسين عاماً المقبلة». كان ذلك قبل سبعة أعوام فقط. ويتضح الان ان الخطر الحقيقي على التوازن الديموغرافي في الدول المتطورة يأتي من الاتجاه المعاكس، يغطي مصطلح «الشيخوخة العالمية» اتجاهات متعددة بعضها جيد ومفيد، والبعض الآخر ليس كذلك، ان الزيادة في متوسط عمر الانسان التي كان لنا امتياز ان نشهدها يجب ان تعتبر واحدة من أعظم النعم في القرن العشرين، وفي الهند، وبصرف النظر عن حقيقة ان متوسط العمر المتوقع قد ارتفع من 32 عاماً في عام 1947 الى 62 عاماً اليوم، فان عدد الاشخاص الذين يبلغ عمرهم الستين عاماً أو يزيد ارتفع من 19 مليوناً في عام 1951 الى 72 مليوناً اليوم ويتوقع ان يرتفع أكثر ليصل الى 177 مليوناً بحلول العام 2025. ومع ذلك فان متطلبات كبار السن لم تكن أبداً محور سياستنا العامة على أرض الواقع، والافتراض الضمني هو ان أعدادهم ستبقى صغيرة وان تقديم الرعاية والدعم لكبار السن هو مسئولية أسرهم وليس الدولة، والحقيقة المؤسفة هي ان ندرة الموارد والنمو الهائل في السكان لن يسمح لنا ببناء شبكة ضمان اجتماعي جديرة بالثقة، ونتيجة لذلك، فان معظم المسنين اليوم إما معدمين أو عالة على أفراد الأسرة الشباب في الرعاية التي يحصلون عليها. وهناك فجوة متنامية بين متطلبات المواطنين المسنين في منطقة جنوب آسيا والدعم المتوفر لهم، وهي فجوة قد تصل قريباً الى نسب حرجة مالم يتم إيلاء اهتمام حكومي أكبر باحتياجاتهم. وستحتاج السياسة العامة الهندية بلاشك الى تخصيص موارد كبيرة لهذا المجال في السنوات المقبلة. وفي الوقت نفسه، لن يجادل أحد بشكل جاد بأن هناك «أزمة شيخوخة» في الهند. وبالنسبة لنا، فان الشيخوخة، بمعنى بقاء نسبة متنامية من السكان على قيد الحياة الى أواخر خريف العمر وأكثر، لايمكن إلا ان تكون علامة حيوية على التحضر والتقدم. وهو أمر يستحق الاطراء لا الخوف. ومن الممكن ان يصبح أزمة، كما هو الحال في العالم الصناعي، اذا ما صاحبه نضوب في صفوف الشباب والاقوياء. أي اذا انقلب الهرم السكاني الكلاسيكي. وبهذا المفهوم، فان ما يسمى بـ «أزمة الشيخوخة» ما هو إلا عبارة مختصرة مريحة تصف جزئياً ولكنها ايضاً تحجب جزئياً ما هو في الواقع أزمة حرمان بلد معين من سكانه، وهي مشكلة الشباب لتحمل عبء العمل الحياتي. وفي الهند، التي تعتبر بلاداً عريقة تتمتع بتجربة حضارية طويلة، فان الحكمة المتوارثة تقول ان العائلات المشتركة كانت ضرورية للحفاظ على أمن أفرادها المسنين. وكانت هذه الحكمة موضع سخرية وبدت عتيقة الطراز قبل ظهور القوة الاقتصادية التي لاتقهر للمجتمع الصناعي وتنامي نفوذ وتأثير دولة الرفاه المعاصرة، حيث كانت تكاليف انشاء الأسر قريبة وتتسم بالفردية بينما كانت الاعانات بعيدة وتكتسب الطابع الاجتماعي. من الواضح ان ازمة الشيخوخة في الدول الصناعية ستبدأ باظهار نفسها في غضون بضع سنوات، مما يجعل انظمة التقاعد الحالية القائمة على اساس «دفع النفقات عند تكبدها» غير قابلة للتطبيق. وبينما تزداد نسب اعتماد الشيخوخة سوءا باضطراد خلال العقود التالية، فان العجوزات المالية ستزداد بينما تنخفض المدخرات الخاصة وتتراجع التجمعات العالمية. وسيكون كل من قوة العمل ورأس المال، وهما المكونان الرئيسيان لجميع النماذج الاقتصادية، غير متوفرين بشكل كاف وستتفاقم على الارجح المحنة الناتجة عن ذلك بفعل تدهور الابتكار وبتاطؤ النمو التقني. ومن بين هذه العوامل قد يكون التباطؤ المحتمل في الابتكار هو التهديد الأكثر خطورة على الاقتصاد العالمي. ان العالم المادي الراهن برمته هو نتاج معامل ومعاهد البحوث في العالم الغربي واكتشافات ثائرية العلميين الشباب. وفي الصائب القول ان معظم جوائز نوبل قد تم منحها لاعمال قام بها اشخاص دون سن الثانية والثلاثين. وثورة الانترنت التي دفع مسيرتها اشخاص يدرسون في الجامعات، او تخرجوا لتوهم منها، هو مثال كلاسيكي على قوة الادمغة الشابة والتفكير الحديث. ان عالما مسنا سيكون عالما يعاني من تدهور اقتصادي بطيء ومطول. واذا ما اخذ تضاؤل الطبقة العاملة وتضاؤل رأس المال وتباطؤ الابتكارات معاً فسيضمن بشكل او بآخر مثل هذه النتيجة. ولن تبقى عواقب هذا التدهور محصورة على العالم الصناعي وحده. فالدول النامية، التي لا تزال خالية من أزمة الشيخوخة، ستشعر ايضا بالرياح الباردة القادمة من الشمال. وبرغم كل شيء، فان اسواقها، ومصادرها الاساسية للمعونة والاستثمار، وربما الاهم من ذلك، مصادرها للخبرات والتقنيات الجديدة موجودة بالكامل تقريبا في العالم الصناعي. الى اين نتجهة من هنا؟ هل سيصيب التراجع الدول النامية مع اضعاف الشيخوخة للعالم الصناعي؟ اليس هناك مفر من هذا السيناريو الكئيب؟ ان الاكتفاء بوصف المشهد الكئيب لن يساعد في شيء. وكما نعلم، فان ازمة الشيخوخة ليست عالمية. فمعدل الخصوبة الاجمالي على المستوى العالمي يبلغ 2.7 ولادة للمرأة الواحدة، وهو معدل لايزال يفوق احتياجات الاحلال. والعالم ككل يحتفظ بالهرم السكاني التقليدي عريض القاعدة. وفي جنوب اسيا، تتعلق مشكلاتنا بشكل اساسي باستئصال الفقر والبطالة التي تعاني منها الاعداد المتزايدة من الشباب الذين يدخلون سوق العمل كل عام. والشريحة السكانية لمن هم في سن العمل تنمو اسرع من الشريحة العامة للسكان، وهو اتجاه يعاكس ما هو سائد في الدول المتطورة. ولدى النظر اليها بشكل منفصل وبمعزل عن الاخر، فان مشكلات عالم صناعي يعاني من الشيخوخة وعالم نام شاب تبدو قوية وخطيرة. ولكن اذا نظرنا اليها معا، في سياق اقتصاد عالمي تسوده العولمة، فسيتضح ان اسوأ النتائج يمكن تخفيف حدتها ان لم يكن تجنبها كلية. واعمارها المختلفة وصورها الديموغرافية، بهذا المفهوم، لا تعد مشكلات وانما تكامل آخر يحتاج الى تناغم عبر الآليات التقليدية للتجارة العالمية والاستثمار والتكنولوجيا وتحرك الناس نحو الافضل عالميا. ان «ازمة الشيخوخة» تطرح مشكلات لكن التعاون الدولي يمكنه ان يحول تلك المشكلات الى فرصة. والتكامل بين العرض الرأسمالي في الدول الصناعية والطلب الرأسمالي في الدول النامية يحتاج لمن يستغله. ولكن هذا الشيء بحد ذاته لن يكون سهلاً. وأحد الطرق لتحقيق ذلك هو من خلال استثمارات صندوق التقاعد في الدول النامية.